الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد السادس عشرالرجوع إلى "الرسالة"

٥- بلاط الشاهد، بعد ألف ومائتى عام

Share

وكان الجيش الاسلامى فى حال تدعو الى القلق والتوجس، فان  الشقاق كان يضطرم بين قبائل البربر التى يتألف منها معظم الجيش،  وكانت تتوق الى الانسحاب ناجية بغنائمها الكبيرة. وكان المسلمون  فى الواقع قد استصفوا ثروات فرنسا الجنوبية أثناء سيرهم المظفر  ونهبوا جميع كنائسها وأديارها الغنية، وأثقلوا بما لا يقدر ولا يحصى  من الذخائر والغنائم والسبى فكانت هذه الأثقال النفيسة تحدث الخلل  فى صفوفهم وتثير بينهم ضروب الخلاف. وقدر عبد الرحمن خطر  هذه الغنائم على نظام الجيش وأهبته وخشى مما تثيره فى نفوس الجند  من الحرص والانشغال وحاول عبثاً أن يحملهم على ترك شىء منها؛  ولكنه لم يشدد فى ذلك خيفة التمرد. وكان المسلمون من جهة أخرى قد  أنهكتهم غزوات أشهر متواصلة مذ دخلوا فرنسا، ونقص عددهم بسبب  تخلف حاميات عديدة منهم فى كثير من القواعد والمدن المفتوحة. ولكن

عبد الرحمن تأهب لقتال العدو وخوض المعركة الحاسمة بعزم وثقة

وبدأ القتال فى اليوم الثانى عشر أو الثالث عشر من أكتوبر  سنة ٧٣٢ م (أواخر شعبان سنة ١١٤ هـ) فنشبت بين الجيشين  معارك جزئية مدى سبعة أيام أو ثمانية احتفظ فيها كل بمراكزه.  وفى اليوم التاسع نشبت بينهما معركة عامة فاقتتلا بشدة وتعادل  حتى دخول الليل. واستأنفا القتال فى اليوم التالي، وأبدا كلاهما  منتهى الشجاعة والجلد حتى بدا الاعياء على الفرنج ولاح النصر  فى جانب المسلمين. ولكن حدث عندئذ أن افتتح الفرنج ثغرة الى  معسكر الغنائم الاسلامى، وخشى عليه من السقوط فى أيديهم، أو  حدث كما تقول الرواية أن ارتفعت صيحة مجهول فى المراكز  الاسلامية بأن معسكرالغنائم يكاد يقع فى يد العدو. فارتدت قوة  كبيرة من الفرسان من قلب المعركة الى ما وراء الصفوف لحماية  الغنائم، وتواثب كثير من الجند للدفاع عن غنائمهم. فدب الخلل  الى صفوف المسلمين، وعبثا حاول عبد الرحمن أن يعيد النظام وان  يهدئ روع الجند، وبينما يتنقل أمام الصفوف يقودها ويجمع  شتاتها، اذ أصابه من جانب الأعداء سهم أودى بحياته، فسقط  قتيلا من فوق جواده، وعم الذعر والاضطراب فى الجيش الاسلامى،  واشتدت وطأة الفرنج على المسلمين وكثر القتل فى صفوفهم،  ولكنهم صمدوا للعدو حتى جن الليل، وافترق الجيشان دون فصل.  وكان ذلك فى اليوم الحادى والعشرين من أكتوبر سنة ٧٣٢ م  (أوائل رمضان سنة١١٤ هـ) (١)

وهنا اضطرم الجدل والنزاع بين قادة الجيش الاسلامى،  واختلف الرأى وهاجت الخواطر وسرى التوجس والفزع. ورأى  الزعماء أن كل أمل فى النصر قد غاض فقرروا الانسحاب على الأثر.  وفى الحال غادر المسلمون مراكزهم وارتدوا فى جوف الليل، وتحت  جنح الظلام جنوبا، صوب قواعدهم فى سبتمانيا، تاركين أثقالهم ومعظم  أسلابهم غنما للعدو. وفى فجر الغد لاحظ كارل وحليفه أودو سكون  المعسكرات العربية فتقدما منها بحذر واحجام فألفياها خاوية خالية الا من بعض الجرحى الذين لم يستطيعوا مرافقة الجيش المنسحب،  فذبحوا على الأثر. وخشى كارل الخديعة والكمين فاكتفا بانسحاب  العدو ولم يجرؤ على مطاردته وآثر العود بجيشه الى الشمال.

هذه هى أدق صورة لحوادث تلك الموقعة الشهيرة طبقا لمختلف  الروايات. والآن نورد ما تقوله الرواية الافرنجية الكنسية ثم  الرواية الاسلامية.

أما الرواية الفرنجية الكنسية فيشوبها كثير من المبالغة  والتحامل والتعصب، وهى تصف مصائب فرنسا والنصرانية من  جراء غزوة العرب فى صور مثيرة محزنة، وتفصل حوادث هذه  الغزوة فتقول احداها: "لما رأى الدوق أودو أن الأمير شارل  (كارل) قد هزمه وأذله وأنه لا يستطيع الانتقام اذا لم يتلق  النجدة من احدى النواحي، تحالف مع عرب اسبانيا ودعاهم الى  غوثه ضد الأمير شارل وضد النصرانية. وعندئذ خرج العرب  وملكهم عبد الرحمن من أسبانيا مع جميع نسائهم وأولادهم وعددهم  وأقواتهم فى جموع لا تحصى ولا تقدر، وحملوا كل ما استطاعوا  من الأسلحة والذخائر كأنما عولوا على البقاء فى أرض فرنسا. ثم  اخترقوا مقاطعة جيروند واقتحموا مدينة بوردو وقتلوا الناس  فى الكنائس وخربوا كل البسائط وساروا حتى بواتيو. . (١)

وتقول أخرى : "ولما رأى عبد الرحمن أن السهول قد غصت  بجموعه اقتحم الجبال ووطئ السهول بسيطها ووعرها، وتوغل  مثخنا فى بلاد الفرنج ومحق بسيفه كل شيء، حتى أن أودو حينما  تقدم لقتاله على نهر الجارون وفر منهزما أمامه لم يكن يعرف عدد  القتلى سوى الله وحده. ثم طارد عبد الرحمن الكونت أودو،  وحينما حاول أن ينهب كنيسة تور المقدسة ويحرقها التقى بكارل أمير  فرنج أوستراسيا وهو رجل حرب منذ فتوته، وكان أودو قد بادر  بأخطاره وهنالك قضى الفريقان أسبوعا فى التأهب واصطفا أخيرا للقتال  ثم وقفت أمم الشمال كسور منيع ومنطقة من الثلج لا تخترق واثخنت  فى العرب بحد السيف"

"ولما أن استطاع أهل أوستراسيا (الفرنج) بقوة أطرافهم  الضخمة، وبأيديهم الحديدية التى  ترسل من الصدر تواً ضرباتها  القوية أن يجهزوا على جموع كبيرة من العدو، التقوا أخيرا  بالملك (عبد الرحمن) وقضوا على حياته. ثم دخل الليل ففصل  الجيشان والفرنج يلوحون بسيوفهم عالية احتقارا للعدو. فلما  استيقظوا فى فجر الغد ورأوا خيام العرب الكثيرة كلها مصفوفة  أمامهم تأهبوا للقتال معتقدين أن جموع العدو جاثمة فيها ولكنهم  حينما أرسلوا طلائعهم ألفوا جموع المسلمين قد فرت صامتة تحت  جنح الليل مولية شطر بلادها. على أنهم خشوا أن يكون هذا

الفرار خديعة يعقبها كمين من جهات أخرى فاحاطوا بالمعسكر  حذرين دهشين. ولكن الغزاة قد فروا. وبعد أن اقتسم الفرنج  الغنائم والأسرى فيما بينهم بنظام عادوا مغتبطين الى ديارهم (١) "

وأما الرواية الاسلامية فهى ضنينة فى هذا الموطن كل الضن  كما أسلفنا ويمر معظم المؤرخين المسلمين على تلك الحوادث  بالصمت أو الاشارة الموجزة كما سنرى، غير أن المؤرخ الاسبانى  كوندى يقدم الينا خلاصة من أقوال الرواية الأندلسية المسلمة (٢)  عن غزو فرنسا وعن موقعة تور ننقلها مترجمة فيما يلى : - (يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية