الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 600الرجوع إلى "الثقافة"

، ، ، في دوائر الأدب والفن، لحظات مع أندريه جيد - الواقعية فى الأدب - كتاب من العراق

Share

لحظات مع أندريه جيد :

فى عام ١٨٩٧ أخرج ( أندريه جيد ) كتابا غريبا سماه " ثمار الأرض " سجل فيه بأسلوب شعرى جذاب ، وبصدق فنى ممتاز ؛ خطرات رجل عبر عن عواطفه وأفكاره بحرية وانطلاق .

كان أندريه جيد إذ ذاك فى السابعة والعشرين من عمره شابا قوى العاطفة شديد الاندفاع ، يجهد جهده لأن يكونن شخصيته الأدبية فى عالم شغله الطلاء والصناعة الفنية عن الاتجاه إلى الأعماق للتعبير عنها بصدق لا تشوبه مراوغة ، وإخلاص لا ينكص على عقبيه .. فكتب كتابه الرائع ليفصح عما كان يحسه وهو وعما جعله أسسا لحياته فى عهد شبابه من غير مواربة ولا دجل ! ؛ فجاء كتابه صورة لنفسية شاب مدته المبادىء المسيحية بالصدق ، وعلمته " أن إنكار الذات خير الطرق لمعرفة الذات ، وهى أسمى ما يصبو إليه المرء من سعادة مطلقة " ، وألهمته نفسه التواقة إلى الحرية والظامئة إلى حياة مثلى ، كيف يجهر بصوته ليثبت وجوده ، و يثبت دعائم حياته ..

والكتاب - بعد ذلك - صلوات فى هياكل الرغبة والغريزة وأناشيد لتمجيدهما !.. غير أن أندريه جيد نفسه حاول أن يتغاضى عن ذلك ليقول : " إن كتابى ما هو إلا تبرير لشخصية رجل جرد حتى العدم ! .. شخصية رجل إن لم يكن فى الحقيقة مريضا ، فهو قد أبل من توه ... شخصية رجل فى خطرات شعره ذاتها قوة امرئ  يقدس الحياة لأنه كان على وشك أن يفقدها "! .. وهكذا يدافع جيد من حيث لا يدرى بكلامه هذا عن الرغبة والغريزة والحرية !.

.. إلا أن الرغبة التى حاول جيد أن يتغاضى عنها ظاهرة جلية فى كتابه جميعه .. ونقدم إلى القارئ هذه المقطوعة التى يمجد فيها جيد الرغبة بحرية وبقوة الشباب :     ماذا حلمت بالأمس ؟!     فعندما استيقظت ألقيت كل رغباتى عطاشا !     كأنها قطعت الفيافى ... خلال نومى !     إننا نتأرجح بقلق جيئة وذهوبا     بين الرغبة والخمول !

أيتها الرغبات ! ... ألا يعتريك الكلال ؟! انظرى !.. ثم انظرى !.. إلى تلك المسرات القليلة الفانية .. تلك التى تمر بنا سريعا ..! وا أسفاه ! إننى أعرف كيف أطيل عمر ألمى !.. .. ولكن .. كيف أستطيع أن أغرى مسراتى على البقاء ؟! إننا نتأرجح بقلق .. جيئة وذهوبا بين الرغبة والخمول! ليخيل إلى أن البشرية كمريض يتقلب على جنبيه محاولا أن يستريح ... ولكنه لا يقوى على النوم ! لقد جابت رغباتنا عوالم عديدة غير أنها لم تبتسم ! وما زالت الطبائع كلها تتردد بين الرغبة فى الراحة ، والظمأ إلى المسرة ! لقد صرخنا من العذاب .. فى مخادع مهجورة ! وتسلقنا أعالى الأبراج

حيث لا شئ غير الظلام كالكلاب كنا نعوى ألما على التلال الرملية اللائحة ! وكنا نزمجر كضوار ، ونرغى كجمال عطاش تجهد فى أن تمتص قطيرات الماء من الأعشاب اليابسة ! وكأسراب من السنونو جبا البحار المترامية الأطراف . . الفقره ١ وأفسدنا الحقول الشاسعة كجراد يبحث عن طعام ! وعصفت بنا الزوابع كما تعصف بالأعشاب . . على شاطئ البحر ! وتناثرنا كما تتناثر دقائق البرد أمام العاصفة ! آه . . إننى لأستنجد بوحدة الموت فى سبيل الراحة الأبدية

حيث تتحرر رغبتى المنهوكة من البحث عن تناسخ الأرواح . إيه .. أيتها الرغبة ! . . لقد كنت معى فى الطرق الملتوية . . وفى السهول تخليت عنك ! لقد أهملتك بالخمر . . ولكننى لم أروك ؛ وجعلتك تستحمين فى الليالى المقمرة ، وكنت معى أنى حللت !

وهدهدتك على مهد الأمواج ! وغنيت لك أغانى النوم . . فى وسط البحار ! إيه . . أيتها الرغبة ؛ . أيتها الرغبة ؛ . . ماذا أستطيع أن أقدم لك أكثر من هذا ؟ ! وماذا تطمعين فى أكثر من هذا ؟ أيتها الرغبة . . ألا تتعبين ؟ ! ! . . .

الواقعية فى الأدب :

يقول جورج ديهاميل : (( إن الواقع لا ينفد . . ولكن هذا لا يعنى أنه سهل الإدراك ! )) . تلك حقيقة يجدر أن نلتفت إليها . . فالواقع ليس ميسورا لكل فهم ، مبتذلا لأى صاحب قلم . . ذلك لأن الواقع غير تلك الصور الخارجية التى تطالعنا لأول وهلة ، وتتراءى لنا فى كل مكان . . بل الواقع شئ أثمن من هذا وأعز منالا . . الواقع يحتاج إلى تجربة طويلة وإحساس عميق ، ويحتاج إلى

سير الأغوار والنفاذ إلى الأعماق ، ويحتاج إلى صبر ومعاناة للنظر بما هو فوق السطوح وخلف الظواهر من الأشياء . . ومن هنا كان الواقع بالغ الصعوبة للذين يمرون بمحفتهم على حقل الحياة ، سراعا لا يتريثون ؛ يزنقهم اللون ولا يبهرهم الجوهر ، ويوقفهم الجرم ولا يعرفون ما خلف الجرم . . حتى إذا كتبوا لم يكتبوا إلا عن تلك الظواهر ، ولم يقيسوا إلا بمقياس السطوح ، فيأتى أدبهم كذبا وخداعا ، ويصبح عملهم بهرجة وطلاء ، وينقلب الواقع بين أيديهم صورا باهتة لا تدل على شئ ، تتعهدها الألفاظ الجميلة ، والتعابير المحنطة بالرعاية والتجميل ، لتخرج إلى الملأ دمية براقة الألوان ! ! .

( الفوتغرافية ) فى الأدب غير الواقعية فيه . . فالأولى عمل العين المكلفة بتسجيل السطوح ، والثانية ثمرة البصيرة الثاقبة المكلفة بالخلوص إلى الأعماق . . الأولى سهلة الإدراك ، ميسورة التناول ، عديمة الغناء . لا تقف على قدميها أمام تيار الزمن الجارف ، ولا تعطرها نسمة من نسمات الخلود . . أما الثانية فعلى النقيض من ذلك أدب المثابرة والممارسة الطويلة ، والاستيعاب الشامل . . ومثل هذا النوع من الأدب يمد الإنسانية بالقوة ، ويشد أزرها فى معركة المصير ! .

إن أغلب أدبنا العربى - اليوم - زبد يطوف على سطح حقائق الأشياء . . فهو أدب القشور والظواهر المزيفة . . ذلك لأن أغلب أدبائنا يصعب عليهم إدراك الواقع وهم يمرون سراعا بحقل الحياة ! ! .

كتاب من العراق :

لو رأيت أحدهم لعرفت من هيئته ومظهره الخارجى أنه فنان ! . . ولو ضمك مع أحدهم مجلس ، وأنصت إلى حديثه ، واطلعت على آرائه ، وقرأ لك شيئا من نتاجه لما فاتك أن تدرك أن هذا الفنان متأثر بالغرب وأدبه وفنه تأثرا قويا عميقا . .

كلهم ساخط متبرم ، وكلهم مرهف الحس يعبد الحرية  ! ، وكلهم يتخذ تلك المذاهب الجديدة فى الأدب والفن صورة لحريته المعبودة ، ومنفذا لنفسه المتبرمة ، وعونا له على تلك

المتناقضات التى يراها فى بيئته ، فيتألم منها ، ويضيق بها ، وبسخط عليها أشد السخط ؛ . لأن حياتهم عبث تمضى إلى غير غاية ، وملل يذبل كل شوق ؛ ولهذا فقد أطلقوا على أنفسهم ( جماعة الوقت الضائع ) ! الوقت الضائع فى قمار من الملل والوحدة والتفاهة المريرة ! ! .

هذه الجماعة التى نشأت فى العراق تضم طبقة مستنيرة من الشباب العراقى ، منهم الشاعر بلند الحيدرى ، وتاتال جميل حمودى ، والفنان إبراهيم البنئيم ، والقصصى نزار سليم الذى أريد أن أحدث القارئ عن كتابه الجديد (( أشياء تافهة )) .

وفى عنوان الكتاب ما يشعر بمذهب الجماعة فى الأدب والحياة ، ونظرتهم إلى الأشياء .

والكتاب مجموعة صغيرة من الأقاصيص تجمعها رابطة النظرة الموحدة ؛ فالقارئ يحس عند نهاية كل قصة بتفاهة الحياة . . فتمط شفتيك بازدراء وتبرم بتلك القوة الخفية - القدر - تلك التى تعبث بمصاير الناس من وراء حجاب ! .

لقد عبر نزار عن ذلك على لسان شخصية من شخصياته ببساطة ومن غير افتعال ؛ فقال فى أقصوصته : ( أشياء تافهة ) (( إنك تفهم من هذه الأشياء التافهة أشياء كبيرة مخيفة مرعبة ، أشياء تدل على أن الحياة عبث ، وأنك فى هذه الحياة تحاول أن تحيا وأنت مؤمن بشئ . . ولكن سرعان ما يتحطم هذا الشئ ، وتبقى أنت أنت وحيدا ضعيفا فى عالم غير مستقر . . فى عالم فقد الثقة بنفسه . . استمع إلى المذياع وإلى حديث الناس فى كل مكان ، فماذا ترى ؟؟ . . حروب وقتلى ودسائس وآلام . . لماذا ؟ . . لأن العالم فقد عاطفة الحب ! )) .

ولا حاجة لأن تقرأ هذا لكى تحس بالمرارة . . فأنت تحس بها عند كل قصة . . شخصيات إنسانية يعمر قلبها الحب ، وتنشد فى حياتها الحياة . . تتحطم بمعاول غير منظورة ، وفى الغالب الأعم تجور عليها الحياة فتسلبها تلك العاطفة النبيلة ! .

هناك بعض القصاصين حين يريدون أن يعبروا عن مثل هذه الأفكار ، وحين يريدون أن يضعوا لقصصهم (( فلسفة

حياة )) يلجأون إلى التهويل والمغالاة ، ويفزعون إلى التضخيم لإبراز الصورة بإطار من القوة والجاذبية ، فى حين أن بإمكان هؤلاء أن يعبروا عن أفكارهم ببساطة من غير تهويل ولا مغالاة إن أسعفتهم المقدرة الفنية التى تهيمن على القصة وتمدها بالحرارة والحياة . والأستاذ نزار سليم فنان أصيل يضرب مثلا لتلك المقدرة الفنية التى تصنع لك من البساطة والأمور الصغيرة أقاصيص قوية بأفكارها ، عامرة بالحرارة والحياة . . وهذه الصفة هى التى أعجبتنى من المؤلف ، فقد وجدت نفسىى فى جو جديد غير ذلك الجو التقليدى الفاسد الذى تعود القصصيون أن يخنقوا أنفاسنا بهوائه الراكد ! ورأيتنى أمام شخصيات إنسانية تحب ببساطة ، وتغامر ببساطة ، وتعيش بكل ما تملك من عاطفة وإحساس ، ولكن من غير ضوضاء ولا ضجيج . . وما أعظم توفيق الكاتب فى إبراز ذلك ، وما أروع تصويره . . إن بيد نزار ريشة ماهرة تعرف كيف تشير إلى مواقع الإحساس ، وتعرف كيف تعبر عن أدق العواطف الإنسانية ، فتهز القلب الإنسانى بقوة .

وإلى هنا أقف مع الأديب العراقى لأعرج على مآخذ لابد لها من إشارة وتنبيه ؛ أولها أن تلك البساطة التى أعجبتنى فى قصصه تتحول فى أواخر بعضها إلى تكلف غير مقبول ، فتسلمنا إلى نهاية غير موفقة ونهاية (( عقب سيجارة )) خير مثال لهذا التحول غير المستساغ ، فتحول تلك الأقصوصة الإنسانية إلى (( دعابة )) ثقيلة ! . . ويمكن أن نضيف إلى هذا اللون تلك المداعبة ( القاسية ) فى أقصوصة ( نصيب ) ؟ . . وثانى المآخذ أن تلك الريشة الفنانة تضطرب فى بعض الأحيان . . فتتحول الصورة إلى ظلال باهتة ينقصها التنظيم والتأنى ، كما فى أقصوصة (( أشباح بلا ظلال )) ، وفى أقصوصة (( الفأر )) مثل هذا الاضطراب ، فيحاول المؤلف أن يربط بين موضوعين لا تجمعهما أية رابطة ، فتضطرب الريشة إذ ذاك ، ويتحول الجو إلى برود !

أما أقصوصة (( أشياء تافهة )) فهى خير أقاصيص الكتاب ، لأن ريشة الفنان تأنت فلم تضطرب ولم يدركها الفتور .

اشترك في نشرتنا البريدية