اسم كتاب ألفه الأستاذ الفاضل عبد الحسين الموسوي العاملي، وهو من الشيعة المقيمين بالشام، وقد أراد أن يدرس أبا هريرة درساً علمياً بريئاً من التعصب المذهبي، ولكنه لم يكد يفتتح كتابه حتى وقع فيما فر منه، وابتدأه من أول صفحة كتاباً لا ينظر إلى أبي هريرة في ذاته، وإنما ينظر إليه كشخص يقدسه أهل السنة المخالفون له في الغلو في التشيع، لأنا معشر أهل السنة نتشيع لعلي وأهل بيته رضي الله عنهم، ونسلك في ذلك مذهباً وسطاً بين المغالين في التشيع لهم، والذين يكرهونهم من الخوارج ونحوهم، وقد قال علي رضي الله عنه: خير هذه الأمة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي.
فقد ذكر المؤلف أن الذي أوقع أهل السنة في الرضا عن أبي هريرة إنما هو مذهبهم في تعديل كل صحابي، واعتقاد أن الصحبة عصمة لا يمس صاحبها بحرج وإن فعل ما فعل، ثم ذكر أن الصحبة فضيلة جليلة ولكنها غير عاصمة، وأن الصحابة كان فيهم العدول والأولياء والأصفياء والصديقون، وكان فيهم مجهول
الحال، وكان فيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم، كما قال تعالى (ومن أهل المدينة مَرَدوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) فعدولهم حجة، ومجهول الحال نتبين أمره، وأهل الجرائم لا وزن لهم ولا لحديثهم، وقد درس المؤلف أبا هريرة على هذا الأساس ليثبت أنه كان منافقاً كذاباً مجرماً، فيكون عنده من الفريق الثالث الذي عده من الصحابة، ولا يكون هناك وزن له ولالحديثه.
ونحن معشر أهل السنة لا نعتقد أن الصحبة عصمة، لأنه لا عصمة عندنا إلا مع وحي ونبوة، والشيعة هم الذين يقولون بوجود العصمة بعد النبوة، فالمؤلف فيما رمانا به من هذا على حد
قولهم في أمثالهم: رمتني بدائها وانسلّت. فالصحابة عندنا رجال كسائر الرجال، يصيبون كما يصيبون، ويخطئون كما يخطئون، ولهذا كان مذهب الصحابي ليس حجة عند جمهور أهل السنة، وكان الشافعي فيما
أظن إذا خالف مذهبه مذهب الصحابي يقول: هم رجال ونحن رجال فالصحابي قد يخطئ في رأيه، وقد يخونه سمعه فيخطئ فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل السنة يجيزون تخطئة الصحابي فيما يقع فيه من الخطأ، لا فرق في ذلك بين أبي هريرة وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لا يجيزون تجاوز ذلك إلى الطعن في دينهم، ورميهم بما رمى به المؤلف أبا هريرة
من أنه كان منافقاً مجرماً كذاباً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو راض عن أصحابه، ونحن نكرمه برضانا عمن رضي عنه، وبالتأدب في حقه وعدم الطعن عليه في دينه، وقد كان أبو هريرة من ألصق الأصحاب بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيهمنا أن يكون رضاه عنه في موضعه، وألا يكون رضاه عن منافق كان يخدعه في دينه، ولنخطئ أبا هريرة بعد ذلك فيما يثبت عليه أنه أخطأ فيه، مع صون اللسان عن السب والشتم والطعن في الدين، فليس هذا السب من النقد الصحيح في شئ، ولا من أدب الجدال في الدين والعلم، وقد نهانا الله عن ذلك في جدالنا مع من يخالفنا في الدين، فقال تعالى في الآية - ١٠٨ - من سورة الإنعام (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) ، وقال تعالى في الآية - ٤٦ - من سورة العنكبوت (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ،
والمسلم أحق بذلك مع المسلم. وقد ثبت أنه كان هناك رواة يضعون الحديث على أبي هريرة، ومنهم إسحاق بن نجيح الملطي، وعثمان بن خالد العثماني، وابنه محمد، وهو الذي روى عن أبي هريرة أنه دخل على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة عثمان بن عفان وبيدها مشط،
فقالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي آنفاً رجّلت شعره، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله - يعني عثمان - قلت: بخير. قال: أكرميه، فإنه من أشبه أصحابي بي خلقاً. وهذا حديث باطل، لأن رقية ماتت في غزوة بدر، وأبو هريرة إنما أسلم بعد فتح خيبر، فلنحمل مثل هذا على أولئك الرواة، ولا داعي إلى الطعن في أبي هريرة.
