الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 772الرجوع إلى "الرسالة"

، الفكاهة والكاريكاتير في الأدب العربي:

Share

كان هذا عنوان محاضرة الأستاذ كامل كيلاني في دار  الاتحاد النسائي يوم الجمعة الماضي، وقد كان أكثر من هناك  من الجنس الناعم، أوانس وسيدات، ولذلك رأى الأستاذ أن  يستعمل نون النسوة في خطاب الحاضرين أو الحاضرات   (على  مذهبه)  ولم يعبأ بنا ولا بالنحويين. . . ولكن هل أرضاهن بهذا  الصنيع؟ أو لسن هن المطالبات بإلغاء نون النسوة؟ وقد احتججن  عليه بعد الفراغ من الحاصرة احتجاجاً رقيقاً؛ وهن - وإن  أنكرن نون الإناث - لم تفارقهن لوازمها في أثناء المحاضرة،

فهذه إحداهن تشتغل   (بالتريكو)  ولا يفوتها أن تبتسم لبعض  الفكاهات التي تأتي في سياق المحاضرة، وتلك أخرى تفتح  حقيبة يدها وتستغرق في النظر إلى مرآتها وتصلح شيئاً من  زينتها. . . ولا إلى المحاضرة إلا ضحكات صواحبها من  تلك الفكاهات. أفلا ترى الأستاذ على حق في تجاهلنا واستمساكه  بنون النسوة. . .؟

بدأ الأستاذ كامل كيلاني بشرح لغوي خفيف لمعنى الفكاهة  حتى قال: الفاكهة ثمرة الأرض والفاكهة ثمرة العقل. ثم قال  إن الإنسان يبلغ بالفكاهة البارعة ما لا يبلغه بكثير الكلام،  واستشهد بما قاله   (سوفيت)  مؤلف   (جلفر)  في بعض قصصه:    (ثم صفعة في احترام وأدب)  وبمقالة برنادشو لأحد اللوردات  وقد قال له إنك تبغي المال من رواياتك، قال له برناردشو:  وماذا تبغي أنت من أعمالك؟ قال: الشرف. قال كل منا يسعى  في طلب ما ينقصه.

ثم قال إن الأدب العربي زاخر بالفكاهات التي تجسم الأشياء  والمعاني تجسيماً   (كاريكاتيرياً)  فتبرز المقصود إبراز بالغاً يشبه  في الأدب فن   (الكاريكاتير)  في التصوير؛ ومثل لذلك بقول  الجاحظ في كيسان النحوي   (أعرف رجلاً يسمع غير ما يقال له،  ويكتب غير ما سمع، ويقرأ غير ما كتب، ويفهم غير ما قرأ)   وقد نظم هذا أحد الشعراء فقال:

تقول له زيد فيكتب خالداً ... ويقرؤه بكراً ويفهمه عمراً

ومما مثل به من هذه الصور الأدبية   (الكاريكاتيرية)   قول بعضهم:

أفرط نسياني إلى غاية ... لم يدع النسيان لي حسا

فصرت مهما عرضت حاجة ... مهمة أودعتها الطرسا

وصرت أنسى في راحتي ... وصرت أنسى إنني أنسى

وقول ابن الرومي:

إن تطل لحية عليك وتعرض ... فالمخالي معروفة للحمير

علق الله في عذاريك مخلاة ... ولكنها بغير شعير

لو غدا حكمها إلى لطارت ... في مهب الرياح كل مطير

وقوله

أبو سليمان لا ترضى طريقته ... لا في غناء ولا تعليم صبيان

له إذا جاوب الطنبور محتفياً ... صوت بمصر وضرب في خراسان

وتحسب العين فكيه إذا اختلفا ... عند التنغم فكي بغل طحان

وقول المتنبي

وإذا أشار محدثاً فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم

وقول أبي الفرج في بعض قصصه بالأغاني:   (ثم خرجت  من الخوخة لحية حمراء يتبعها رجل)  ولعل محرر   (آخر ساعة)  نظر  إلي عندما كتب منذ عشر سنوات في الحديث عن رجل  من رجال السياسة كان معروفاً بطول شاربيه:   (ثم خرج من  السيارة شاربان يتبعهما رجل) .

وقال لي الأستاذ كامل كيلاني، وقد عبرت له عن  استحساني لتسميته هذا الموضوع، قال: كان بعض الغربيين ومن  يحاكيهم يعيبون الأدب بالمغالاة، وهذا هو نوع من  المغالاة نراه مطابقاً في التعبير لطريقة فن من الفنون الحديثة.

اشترك في نشرتنا البريدية