نبهنا إلى الغلطة الأولى في هذا النشيد الذي يراد فرضه على مصر، وطلبنا الرد عليها وانتظرنا ثلاثة أسابيع فلم يرد أحد، وعلى ذلك فقد سلموا بها تسليماً تاماً بلا قيد ولا شرط، وأصبح قول ناظم
النشيد: (سأهتف باسمك ما قد حييت) كاملاً معكوساً فاسداً يخالف العربية والعامية.
والآن نذكر الغلطة الثانية، ونحن على يقين أن صاحب المعالي وزير المعارف الرجل العالم والأديب سيكتفي بالغلطتين. أما القراء فلابد أن ينتظروا إلى نهاية العدد.
يقول ناظم النشيد: غرامك يا مصر لو تعلمين ... قصارى شعوري (دنيا ودين) قصارى شعوري معناها غاية شعوري ونهاية شعوري. ومن الطريف أن بعض قراء الصحف قرأ هذه الكلمة (قَصَارِى) بفتح القاف وكسر الراء! ولكن ما هو إعراب (دنيا ودين) ؟ أهي مرفوعة؟ لا. أهي مجرورة؟ لا. إذن هي منصوبة ولا وجه لنصبها إلا على التمييز، فهل تصلح تمييزاً أولاً؟
يشترط في التمييز أن يكون رافعاً لإبهام. والشعور هنا جنس مبهم يحتاج إلى تمام يفسر معناه، كالحب أو الكره أو الغضب وغير ذلك من أنواع الشعور. ولكن (الدنيا) ليست من أنواع الشعور فلا تصلح لرفع الإبهام عنه وتفسيره إلا إذا صح أن يقال: غرامك ي مصر غاية شعوري قمحاً وبناً وسكراً، أو نهاراً وجبالاً وحيواناً وسماء وأرضاً. وهذا كلام فاسد لا معنى له.
ثم أن الدين ليس شعوراً، بل هو عقيدة وعمل، فهو كذلك لا يصلح للتمييز هنا؛ وإذ صلح فأي مسلم يتجرأ على أن يعتقد أن غاية الشعور ونهايته من الدين الإسلامي غرام مصر؟ إذا اعتقد المسلم هذا ونادى به فهو زائغ العقيدة، ويكون النشيد القومي ضلالة يجب محوها، ويحرم على جميع المسلمين أن يقبلوه.
وإذا أريد من (دنيا ودين) الحياة الدنيا والحياة الأخرى كان هذا أقبح وأسخف. وأي مسلم يتجرأ على أن يقول: إن غرام مصر غاية شعوره من الحياة الآخرة؟

