الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 261الرجوع إلى "الرسالة"

، بين الرافعي والعقاد، على هامش المعركة

Share

سيدي الأستاذ محرر الرسالة كتب الأخ الصديق الأستاذ الطنطاوي في معرض التعليق  على ما يكتبه الأخ الصديق والزميل الأستاذ سيد قطب. وآثر  أن يشتد فيما كتب وأن يسرف في سوء الظن فيما يكتبه  الأستاذ قطب.

وبيني وبين الأستاذين الطنطاوي وقطب من الدالة ما يسمح  لي أن أقول كلمة في الموضوع الذي بسطا القول فيه، ومن حقي  كزميل للثاني عرفه حق المعرفة أن أرد على أخي الطنطاوي برفق  قوله: إنه لا يعرفه وإنه الخ. . . فلقد سبق أن عرف الأستاذ  الطنطاوي الأستاذ سيد قطب وزامله أيضاً حين كنا ثلاثتنا في  فصل واحد وفي سنة واحدة من مدرسة دار العلوم العليا، على  أني لست بسبيل تقرير هذه المعرفة فهي ليست بشيء في الموضوع  الذي أريد أن أقول كلمتي فيه

كنت قبل أن يكتب الأخ الطنطاوي أوشك أن أكتب  في موضوع الخلاف بين الأساتذة العريان وشاكر وقطب، وأنا  أعرف رأي الأخ قطب في الرافعي من قبل، وأعرف أنه رأي (غير  تقليدي، فلقد كنت في دار العلوم وكانت حلقة الأخوان تضم  قطباً وكنا دائماً على طرفي نقيض، فجماعة منا مع الرافعي وأخرى  عليه، وكان على ما أذكر الأخ قطب لسانها، فليس حقاً أن يتهم  الأستاذ قطب في رأيه هذا، فهو رأي العقيدة - وإن كنا نخالفه  فيها كل المخالفة - ثم أن الأخ قطباً من إخواننا النابهين المعروفين  في البيئة الأدبية، وليس من العدل أن يجهل هذا الجهل ويرمي بهذا النبز من القول الذي جاء في مقال الأخ طنطاوي.

وإذا كان خطأ مناظرك في الرأي مدعاة للتجهيل والوقوع  فيه وفي فضله وفي علمه فلم يبق ثمة مجال للجدل والنقاش

الأدبيين، وهنا اتهام صريح للرسالة ومحرر الرسالة في إفساح المجال  لمن لا يعبأ بقوله أو رأيه. وأعتقد أن الأخ الطنطاوي على قدري  إياه كل التقدير وإعجابي به كل الإعجاب قد تنكب أصول النقاش  والنقد في الأدب في الوقت الذي يتهم سواه بهذا الجنوح. . .

بعد هذا نحب أن نلج موضوع النقاش من بابه ولا نثب من  النافذة، فالأستاذ سيد قطب على ما نعتقد ونرى وعلى ما يتسع له  علمنا واطلاعنا لم يوفّق بعض التوفيق في رأيه في فقيد الأدب  العربي المرحوم الرافعي، كما أنه لم يوفق ولا بعض التوفيق في نفاحه  عن الأستاذ الكبير العقاد

وأصوله وقواعده التي اتجه إليها في كتابته في هذه الموازنة  على تسامحنا بهذه التسمية ليست أصولَ الملمْ بأدب من وضعهما  في كفتى الميزان الفني. فلا هو يستطيع أن يقول: إنه قرأ  كتب العقاد جميعها - على ما يذهب إليه من وجوب اجتماع  أكثر من ثقافة واحدة لفهم ما يكتب أو يقول الأستاذ العقاد -  ولا هو يطيق أن يقول أيضاً: إنه قرأ الرافعي قراءة المستوفي المستكمل

والأخ الأستاذ سيد قطب معي في أن ما تناوله من أدب  الرافعي غيض من فيض، ولعله جنحإلى ما يمكن أن يوقع فيه  واختاره ليقول فيه قول الذي قال، وما يمكن أن يقال في مثل  هذا من شعر الرافعي يقال في مثل هذه القصيدة التي أضعها بين  يدي القراء من شعر العقاد، قال الأستاذ من قصيدة يعارض فيها  ابن الرومي:

هل يعرف البيضُ أن الحسن جوهرة ... لها الثراءُ ثراءُ النفس أثمانُ

يقنو نفائسه من لا يسوّمه ... وقد يعز على الَّلآل قنيان

يا جوهراً بت أرعاه على أممٍٍ ... رعى الشحيح ومالي فيه سلطانُ

ما في يدي منه لا عينٌ ولا أثرٌ ... ولى عليه مغاليقُ وأعيانُ

قد نلت ما نلت من حظ به عرضاً ... وقد تولى فحظي منه فقدان

إني على الرعي من عينيك مفتقرٌ ... يا ضوء قلبي فان القلب مِدْجانُ

وحسبي أن أسأل الأستاذ قطباَ رأيه فيها دون أن يكون مني أي تعليق. . .

بعد هذا فالحق أن الأستاذ العريان كان منصفاً كل الإنصاف  فيما يؤرخ به حياة الرافعي - رضوان الله عليه - وليس معنى  هذا العصمة من كل خطأ، وأيُّ الكاتبين كامل؟؟

ومن الحق أن الأستاذ قطباً تقحم الموضوع على الأخ العريان  وأراد أن يثير بين أنصار الرافعي وأنصار العقاد، والفريقان كثر،  معركة أدبية لعل من الخير لو ثارت على غير هذا اللون من البحث،  والجدلُ البعيد عن الأثرة يفتق القرائح، وربما جاء بخير كثير وأفاد  منه النشء والبيئة الأدبية، ولربما كشف عن مواهب كانت  مستورة، وعلم كان خبيئاً، وفضل لم يكن يعرفه القراء

وقد قرأت ما كتبه الأستاذ قطب في نقده فوجدت ألمعية  واستعداداً ذاتياً وقوة وبراعة واتساع أفق، ولكني لم أجد في  تضاعيف هذا كله الحجة التي تقنع أو تمسح ما في نفسي مما قرأت  لها من أدب الرافعي وأقرأها إياه الكاتبون في أدب الرافعي

والرافعي - أحسن الله للأستاذ الزيات - كان كنزاً  مخبوءاً في نثره كشفته الرسالة لقراء العربية عامة بعد أن كان  معروفاً عند الخاصة في كتبه وفي نتف من بيانه الذي كان يتناقله  الأدباء من هنا وهنالك

وقد يجوز للأستاذ قطب أن ينكر ناحية من نواحي أدب  الرافعي وأن يدلل على ذلك بقوة، ولكن لا يجوز في منطق سائغ  أن ينكره أدبياً على الإطلاق

كما يجوز لي - على صغري وضيق أفقي - أن أنكر شاعرية  العقاد إنكاراً أود لو يتسع لي المجال من فسحة هذا العمل الآلي  لأبرهن عليه بما يسعني من حجة أو تدليل، على أن إنكاري هذا  ليس بضائر فضل الأستاذ العقاد وهو في رأي الكاتب الناثر  الجبار في عمق مادته وسعة اطلاعه وغزارة ثقافته

أما أن أثب وثباً منقطع النظير فأنكر العقاد أدبياً وأتجاهل  رأي الكثرة الكاثرة من قرائه وأصحاب الرأي الحسن فيه فذلك  مما لا يقفني موقف المسموع الرأي عند أهل البصر في الأدب

وقرأت للأخ قطب مقاله الأخير ومحاولته أن يجعل من

 قصيدة الأستاذ العقاد في الجيبون دائرة معارف ثقافية ففيها من  كل علم ومن كل فكر، فهل لو صح هذا كان شعراً. والشعر  من الوجدان وإلى الوجدان وماله وهذه اللفتات إلى ما هو  عميق متكلف؟

وهل لو صح هذا الوزن لشعر الشراء واصطنعنا هذه  المقاييس التي يتفضل بها الأستاذ قطب نكون قرّبنا الشعر من  الطبيعة الصادقة والفطرة السليمة ولذوق الذي لا تشوبه شائبة  النظريات العلمية القلقة. . . اللهم لا، ثم لا. وللحديث رجع إن شاء الله (حيفا - فلسطين)

اشترك في نشرتنا البريدية