الجانب الذاتي في تناول التاريخ هو الذي يعطر جوه؛ ويشيع الدفء في أنفاسه؛ ويبعث الحياة والنشاط والتأثير في جسمه. وهنا يغدو الجانب الموضوعي وهو الهيكل العظمي مكسوا باللحم والدم. وعمل كاتب التاريخ هو تقديم صورة واضحة لما يعالجه. وهذا ما يحسه القارئ لهذا العمل الذي قام به فضيلة الأستاذ الشيخ محمود أبو العيون في التأريخ للأزهر وإلقاء الضوء على تلك البيئة الفاطمية التي ولد بين أحضانها الأزهر. فشهدنا ميلاده ووقفنا على الآمال التي كانت معقودة على هذا الوليد، ثم تطوره حتى صار جامعة إسلامية كبرى. ثم يعطينا فكرة عن مواد الدراسة فيه، ويقدم لنا شيوخه الذين تولوا قيادته، ويقف بنا غير طويل ليعرفنا بأشهر رجاله، ويمرج بنا على نظام الدراسة قبل النظام وبعده؛ ثم بين تلك الأطوار التي مرت عليه حتى استقر به المقام في هذه المرحلة الأخيرة وما يطبعه من سمات فكرية وروحية. وهذا عمل قيم جاء في وقته؛ فتاريخ الأزهر الحافل لم تكن صورته واضحة محددة إلا في أذهان القلة القليلة من المثقفين؛ وما عداهم فهي مهمة مطموسة وجراحة.
وقد غدت بفضل هذه الدراسة واضحة للعيون مستقرة في الأذهان. ولعل هذه الدراسة الموجزة تكون فاتحة لدراسات مستفيضة دقيقة تتناول كل ناحية من نواحيه. وبعد فلا أظن أن أستاذنا في حاجة إلى تقديم آثاره في نواحي الجهاد السياسي
والأدبي والديني لا تزال رائعة خصبة.

