يحدثنا الكاتب الباذخ " ادوارد بوك " بأسطورة معجبة عن بعض زعماء الهنود الحمر فيقول : إنه كان يختبر حول شباب قبيلته فيكلفهم بارتقاء جبل مليف وعر ، وهم يتفرجلون (١) ويلحظ مدى الارتفاع الذى يطبق أن يبلغه كل منهم ، واتفق أن أربعة شبان أقوياء انطلقوا إلى هذا السباق العنيف فى فجر يوم مشهود ، فعاد أولهم بغصن من شجرة التنوب الفضى ، ليدل على درجة الارتفاع التى استطاع إدراكها من الجبل . وحمل الثانى فى أربه فرعا من شجرة الصنوبر ، وأحضر الثالث طائفة من النبتات الجبلية . أما الرابع فقد تلمس طريقه على ضوء القمر الخافت ، فى الليل الأليل وعاد يزك (٢) وقد أدمت الصخور قدميه وهدت الربادة المنفردة قواه .
فسأله زعيمهم قائلا : ( وأنت ؟ ماذا أحضرت معك من الجبل ؟ وما درجة الارتفاع التى بلغتها فى تصعيده ؟ " فأجاب : ( إن المكان الذى ذهبت إليه صليع (٣) أوعر ، لا يحتوى على شجر التنوب والصنوبر الذى يظللنى من هجير الشمس ، لا ولم أر فيه نورا يجلى غمتى بإزدهار ألوانه، أوزهرا ينعش روحى بفوح عبيره ، بل إن الطريق الذى سلكته وحدى من أشد ما توعر وأوحش من مواقع الجبل ، جد شاق حزيز ، كثرت حجارته وغلظت كأنها سكا كين ، وتراكمت ثلوجه وتشعبت نقبه الجرداء ، قد أخذنى منها اليهر (٤) وأضمر في الكلال ، ونال منى الخلج (٥)
وها أناذا أعود متأخرا عن سائر رفاقى ، ومع ذلك ) - وشع نور عجيب من عينى الشاب حين أردف قائلا : (( ومع ذلك فإنى قد رأيت البحر !! )) .
وهناك من قمة الجبل السامق ، استطاع أن يشرف على الغابات التى ترامت في السفوح العريضة ، وتجاوز ببصره البادية المحرقة ، فمابن البحر المتألق فى البعيد البعيد ، ولكن كان عليه أولا أن ينقز(٦) علامة حتى تتسنى له مشاهدة البحر !أ .
فياليت شعرى : هل يعترينا الجزع فى أحابين ، فيثبطنا تغير الأحبة ، وبلبئنا تعقب على استعداد ، هل تحس بإزاء الدواهم التى تتدفق علينا ، أننا لا نستطيع مواصلة السير ، فتميل إلى التضجع فى الطريق ، بل إلى الوقوف ، بل إلى الكف نهائيا عن ممارسة ما يقادمنا ؟ أيتزلزل نوازننا حين يتجهم لما وجه الحياة ، فتراها جد بغيضة ، فنجمح من ثم ويحتويها وتسترسل فى ثيه التسخط عليها ! أقول عن يقين جازم مع الكاتب البليغ الاستاذ عباس محمود العقاد : إنى مازلت أعتقد ، وأزداد اعتقادا ، أن بغض الحياة أسهل من حب الحياة ، وأن الأدوات النفسية التي نلمس بها آلام الحياة ، أعم وأشبع وأقرب غورا من أدوات النفس التى تلمس بها أفراح الحياة العليا ومحاسنها الكبرى . فالفرح أعمق من الحزن ، وليس الحزن قدرة ، بل هو انهزام أمام قدرة ، أما الفرح فهو القدرة والانتصار ) .
حقا أنه ينبغى ألا ينوء بنا الجزع ويبتلينا بالهزيمة ، بل ينبغى ألا يعقلنا الضعف الإنسانى والحوار المتوى . يجب أن تكون لنا طاقة على التقدم فيما استكفينا ، يجب أن نوغل فى تستم الجبل وأن نواكب عليه ، وأن نمتد إلى ما هو
قدام حتى نلغ المحب، ونرقى إلى الذروة التي لا تطاول ولا تسامي.
يروي أن سهل "شاموني" ( ١ ) يزان بنصب تذكاري لمرشد هلك أثناء اجتهاده في تسلق جباله الجرداء، وكان ذلك النصب يضيء بعبارة ساذجة هذا نصها: "مات وهو يتسم الجبل" الجبل الذي يطعن في أديم السماء بروقيه ويخوض في بحر الثلج بقدميه. الجبل الذي لا يقوى على تصعده الناس إلا وهم يحملون في أيديهم عصيا في طرفها حديد مدبب يعاونهم في التسلق.
وقد قال أحدهم: ليس معنى الظفر على أحداث الحياة ألا نتعثر ونكبو ونحن نصاولها، فإن هذا محال، بل معناه أن ننهض من كبوتنا مستبشرين غير مخذولين ولا هيابين، ثم نقف على أقدامنا راسخين ونتصدع الأطواد الشوامخ ، ونواصل تسور شرفاتها وسوامق قنتها ، ونموت ونحن نتابع تصعدها.
وتقول الشاعرة الموهوبة فرنسس كيمبل: "إن الحياة التي نتطلع بها، نير مقدس وحمل سماوي، فانظر إليهما وأرفعهما في وقار وخشوع، ثم انهض واحملهما في ثبات. وإياك إياك أن يقدحك الحزن أو تدلحك الخطيئة فيتكاءرك الثقل ، ويقوض قواك ويقرص نفسك، ويرزح عزيمتك، ويرزم همتك، بل انأل (٢) بحملك وامتد إلي ما هو قدام، وارق إلى العلاء، حتى تستقصي الغاية وتستعلي الحجة"
وإذا رأيت العبء يشعب أمره
شعب العصا ويلج في العصيان
فاعمد لما تعلو ذلك بالذي
لا تستطيع من الأمور يدان.
هذا وهل فينا من يستطيع أن ينسي تلك الكلمة الخالدة التى كانت آخر ما سجله الذين راقبوا رجال "افريست(١)" حين خرجوا لاقتحامها سنة ١٩٢١ فقالوا منهم: "إنهم مضوا أقوياء أشداء لبلوغ تلك النبوق المشمخرة الصعود".
وهل يمكن أن يمدح فرد منا في أي زمن من الأزمان بما يفوق هذا الإطراء البليغ ، سيما حين نلج آخر شوط في مضمار الحياة؟.
"أيها الناس إن لكم معالم فانهوا إلي معالمكم ، وإن لكم نهاية فانهوا إلي نهايتكم ، فإن العبد بين مخافتين، أجل قد مضي لايدري ما الله فاعل به، وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات. فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة والنار".

