الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 355الرجوع إلى "الرسالة"

، حول الأمومة عند العرب

Share

اطلعت على الجزء الأول من مقالة الأستاذ رفعة الحنبلي    (الأمومة عند العرب)  المنشور في العدد   (٣٥٤)  فاستوقف  نظري قول الكاتب نقلاً عن أحد المؤرخين اليونانيين القدماء  وهو   (سترابون)  إن العرب في الجاهلية لم يكونوا يعرفون الزواج  الشرعي الدائم، وإنه يفشو بينهم تعدد الأزواج، وإنهم كانوا  يتصلون بأمهاتهم

وجواباً على المسألة الأولى أقول: إن الزعم بأن العرب  في الجاهلية لم يكونوا يعرفون الزواج الشرعي الدائم هو زعم  غير صحيح

فقد روى البخاري في صحيحه وأبو داود في السنن عن  عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: كان النكاح في الجاهلية  على أربعة أنحاء   (أنواع)  نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل  وليته أو ابنته فيصدقها، ثم ينكحها: ثم ذكرت الأنواع الثلاثة  تتمة الأربعة وفيها تعدد من يتصلون بالمرأة؛ إلى أن قالت: فلما  بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح لجاهلية كله  إلا نكاح اليوم. التاج ج ٢ص ٣٦٨

ويعلم المطلعون في التاريخ الأمة العربية أن الشعوبية - من أعداء  الغرب وشانئيهم - هم أول من عمد إلى الطعن في أنساب العرب  ووضعوا أخباراً ولفقوا كتباً في مثالبهم وتحقير شأنهم، ومن  أشهر هؤلاء الشعوبية الهيثم بن عدي، وكان دعياً، فألف كتاباً  في مثالب العرب أراد به أن يعرّ أهل الشرف تشفياً منهم. قال  الألوسي: (ثم نشأ غيلان الشعوبي الوراق - كان زنديقاً ثنوياً -  فعمل لطاهر بن الحسين كتاباً خارجاً عن الإسلام بدأ فيه بمثالب  بني هاشم، وذكر مناكحهم وأمهاتهم، ثم بطون قريش، ثم سائر  العرب؛ ونسب إليهم كل زور ووضع عليهم كل إفك وبهتان)  ص ١٦٠ ج ١

وقال في ص ١٧٣ج ١:   (إن جميع ما ذكره الشعوبية  في شأن مناكح العرب وما أوردوه من باب الطعن في أنسابهم  بما كانوا يتعاطونه في الغارات من سبي للنساء واسترقاقهم ووطئهم  من غير استبراء من طمث ونحو ذلك لا أصل له. وكتب التواريخ  صارخة بتبرئتهم مما رماهم به خصومهم وأعداؤهم، وقد نطق الشعر  الجاهلي بما كانوا عليه من الحمية والغيرة ومزيد الاعتناء بأنسابهم  وحفظ حريمهم والذب عن أحسابهم وعشائرهم)

وجواباً على المسألة الثانية أقول: ليس صحيحاً أن العرب  في الجاهلية كانوا يتصلون بأمهاتهم، لأن هذه عادة مجوسية،  ولأن الله تعالى نهاهم في القرآن عن محرمات النكاح ولم يذكر أنهم  فيما سلف كانوا ينكحون أمهاتهم، بل خص ذلك بزوجة الأب  والجمع بين الأختين. فقال سبحانه:   (ولا تنكحوا ما نكح  آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء  سبيلا)  وقال عز وجل:     (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد  سلف)   ويدل على هذا ما روى هشام بن عبد الله عن الإمام محمد بن  الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال: (كان أهل الجاهلية يعرفون  هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية وهي:   (حرمت  عليكم أمهاتكم وبناتكم)  الخ إلا اثنتين إحداهما نكاح امرأة الأب  والثانية الجمع بين الأختين. ألا ترى أنه قال: (ولا تنكحوا ما نكح  آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف،     (وأن تجمعوا بين الأختين  إلا ما قد سلف)   ولم يذكر سائر المحرمات   (إلا ما قد سلف)   قرطبي ص ١١٩ ج ٥ وبعد أقول ليس بعيداً أن يكون ذلك المؤرخ الأجنبي الذي  نقل عنه الكاتب أن العرب في الجاهلية كانوا يتصلون بأمهاتهم

قد ألتبس عليه الحال فتوهم أن امرأة الأب - التي كان بعض  العرب في الجاهلية يتزوجونها - هي الأم مع أنها غيرها قطعاً  ولو فرض أن هناك رجلاً أو نفراً من الجهلاء العرب كانوا قد  اقترفوا هذا الإثم واتصلوا بأمهاتهم فليس من الصواب جعل هذه  النقيصة عامة لكل رجال الأمة العربية   (ولا تزر وازرة وزر  أخرى)  وأختم كلمتي هذه بتوجيه نظر حضرة الكاتب وغيره  ممن يخوض في مثل هذا البحث الدقيق ألا يهملوا الاستدلال  بما في المراجع العربية فهي المصدر الذي اقتبس منه المستشرقون  كما أنها هي التي عنيت بتفنيد ورد ما افتراه وضعه الشعوبيون

اشترك في نشرتنا البريدية