الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 828 الرجوع إلى "الرسالة"

، خوفاً من أبيه!

Share

 وأخيراً تهالك   (خالد)  على مقعده في قنوط وقد أيقن أنه  فقد ساعته، فلم يترك مكاناً إلا بحث فيه ولا صديقاً إلا سأله عنها

وبالرغم من أن حجرته خالية إلا من أجلاد جسمه، هادئة  إلا من دقات قلبه، فأن طيفاً فارع العود منقبض الأسارير راح  يحدق فيه مستخفاً بذكائه وعلى شفتيه ابتسامة تهكم وفي صوته  نبرة ازدراء!!

وخرج من الغرفة إلى عرض الطريق ضائقاً بذلك الطيف  الذي أعاد إلى خياله صوراً كتلك المواقف التي تكون بينه  وبين والده حين يفقد أحقر حاجاته!!. .

واستقبله الشارع على غير ما تعود. لقد بدا له كالرسوم  الحائلة في كراس عتيق! وكأنما أصوات المارة لضعفها تصل إلى  أذنيه من بعيد. . .

وعجزت أضواء الطريق الألافة ومعروضات المحال المغرية  أن تخرجه عن نفسه أو تبعث إليها شعاعاً من أنس. . .

ولكن محلاً لبيع الساعات في نهاية الطريق استطاع أن  يخترق بأضوائه نطاق كآبته، وأن يستوقفه أمام معرضه، وأن  يتملق نظراته الموزعة بمرأى ساعاته الجذاب. . .

وأخذت عيناه في لهفة ساعة تشبه ساعته في لحجم والغطاء،  وأن كانت دونها في الثمن والرواء!

وهنا افتر ثغره ليبارك فكرة رائعة تفتح عنها ذهنه  المضطرب. إن والده لا يستطيع أن يدرك الفرق الداخلي بينهما؛  وسيكفى شراؤها لتعود المياه إلى مجاريها. . .

ولكن سرعان ما شعر بخيبة مرة تخاذلت لها قدماء وانطبقت  شفتاه على حطام ابتسامة. . . الشراء؟! إن ما معه من المال  لا يبقى منه إذا اشترى الساعة ما يسد عوزه إلى أن تبدأ الإجازة التي سيرجع فيها إلى قريته. . .

وهنا مرت أمام عينيه متلاصقة لتلك المواقف التي  تكون بينه وبين والده حين يفقد شيئاً من أشيائه، ثم تذكر  في مرارة زوجة أبيه وهي تفترص تلك المواقف لتملأ عينها الوقحة  بمنظر دموعه الذليلة وهي تتلمس طريقها على حده الشاحب الهزيل!

وهنا وجد نفسه مدفوعاً إلى شراء تلك الساعة، هازئاً من آلام

الحرمان التي سيلاقيها ما دام يقاسيها وحده ولن يطلع عليها سواه!

وبعد أسبوع كانت مائدته قد سئمت تلك الوجبات الخشنة،  ومعدته قد عافت تلك الأكلات التافهة. وكان قد تعود أن يسمع  رفاقه يتساءلون عن تلك الصفرة التي تغطي وجهه والإعياء الذي  يحد نشاطه! واستطاع أن يجيب رفاقه بما تعود من لباقة،  وأن يتحمل الألم بما أنفطر عليه من صبر. .!!

ولكننا نرى نفسه القوية تنهار في يد الألم وتتخاذل في  حلبة الصراع مع الأقدار، حين يطلب ناظر مدرسته إلى كل  طالب أن يتبرع بعشرة قروش للنشاط الرياضي بالمدرسة!!

لقد شعر بأن القدر يتحداه ويسخر من إيمانه بكرامته!!

إنه لا يستطيع أن ينكص عن دفع هذا المبلغ لشهرته الرياضية  بالمدرسة، ولا يستطيع أن يدفعه إلا إذا قدر أن يبقى يومين بدون طعام وتحامل الشجاع الجريح على نفسه وصوب إلى صدر القدر  آخر سهم من كنانة صبره وإيمانه. . .

وفي اليوم الذي ابتدأت فيه أجازته كان يسرع على إفريز  المحطة ليلحق بالقطار المسافر إلى قريته. .

وفي إحدى عربات الدرجة الثالثة ألقي بجسمه المنهوك وجعل  يستعرض آلامه المضنية التي مرت به، وكأنه جندي مثخن  يشفى غليله بمرأى قتلاه في الميدان!

واختلجت على شفتيه ابتسامة باهتة كانت تسترجع شجاعته  وتستنهض أمله وتزف إليه كرامته في إطار من الثقة. . .

وسمع صوتاً يهتف من أعماقه: مرحى أيها الجندي الباسل!  لقد آن لك أن تلقي الجزاء!! ولكن أي جزاء يا ترى؟؟

لقد راح يتخيل موقف واله منه وقد علم بفقد ساعته وطفق  ينحي عليه بألوان من القسوة وضروب من العنف لتكون فرحته  أشد حين يعلم أن شيئاً من ذلك لن يحدث!! وازدادت البسمة  وضوحاً حين غادر القطار إلى بيته في أقصى القرية، كأنما استردت  نشاطها من طول ما نامت على شفتيه. .

وفي حجرة من حجرات البيت وقف يقبل يد والده قبلة  آلية، ثم رفع رأسه ليرى وجه والده، وكأنما غادر حجرته بالمدينة  منذ أسابيع، وسمعه يقول وعلى شفتيه ابتسامة تهكم وفي صوته نبرة  استخفاف: ما هذا الذهول الذي لا ينفك مستولياً عليك؟  كيف نسيت أن تأخذ ساعتك وأنت مسافر؟!

اشترك في نشرتنا البريدية