الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الثقافة"

، عشرة ايام في العراق

Share

٣ - في الطريق بين دمشق وبغداد :

في الصحراء وعند الظهر غادرنا دمشق فاصدين بغداد في سيارة كبيرة تتسع لعشر بن راكبا تابعة لشركة حميد الانكرلي ، وهي معدة إعداوا خاصا لسفريات الصحراء ، ومزودة يخزان للماء وتقاعد مريحة تنزلي إلي الخلف في حالة استخدامها في الليل كسرير و للنوم ، وكان معظم الركاب من الأطباء الذاهبين لحضور المؤتمر الطبي العربي الذي كان على وشك الانعقاد ببغداد أثناء عطلة عبد الأضحي

وكان سائقنا فتى من أهل دمشق عاقلا رزينا ، واثقاً  بنفسه ، خبيرا بعمله ، عارفا للطريق ، يتقى المزعجات ،  ويطمئن عند « المطبات ) ، ويفتخر بأنه عبر الصحراء مالة  مرة من غير أن يضل مرة ، أو تصاب سيارته بسوء !  اخترقنا شوارع دمشق وبساتين الغوطة ، ثم وصلنا  إلى نقطة الجرك بين العراق وسوريا على حدود الصحراء ، فاشر عماله على جوازات السفر ، ثم دخلنا بادية الشام  فضاء شاسع ، أرضها صفراء حمراء ، كلاها قليل .  وماؤها نادر ، يسقط عليها المطر في الشتاء أحيانا فيجعل  سطحها لينا لزجا ، تسيخ فيه عجلات السيارات فتترك وراءها  على الأرض شريطة غائراً ممدوداً، بين الغوطة بالشام وقلعة  الرمادي على الفرات، تتبعه السيارات في عبورها الصحراء  في الذهاب والعودة بين سوريا والعراق

كان قد طال بنا السفر فتحادثنا طويلا ، وسكتنا طويلا ، وتسامرنا طويلا ، وتمازحنا طويلا ، وتراشقنا طويلا بالنكات ، وضحكنا طويلا للحلو منها والبائخ ، وتالمنا طويلا وشكونا واشتكينا وتشاحنا وتراضينا ، وثرنا وهدأنا ، وأ كلنا وشربنا وتثتءبنا وغفونا وصحونا ، والساعات تمر تلو الساعات والصحراء كما بدأناها لها أول وليس لها آخر : وقبيل الغروب ابصرنا عن يسارنا قلعة على ربوة بالقرب من الطريق برفرف على ساريتها العلم الفرنسي ، وهي بالقرب

من خط الحدود بين سوريا والعراق ، وبعد قليل عبرنا الحدود بين قائمين من الحجر طلى سطحهما بالجير

أدبر النهار وأقبل الليل واشتد البرد ، وبدت الصحراء موحشة مخيفة يسودها سكون رهيب كسكون المقابر وتملكنا الملل وحل بنا التعب فخففت اصواتنا واسترخت أجسامنا ، وانكمشنا في المقاعد ، واحكمنا سد النوافذ ، وسحبنا المعاطف ، وأملنا الرؤوس واطبقنا الجفون ، وأطفـ السائق النور ، وهذا الغطيط وعلا الشخير بنغمات وتوقيع ، بين تمديد وتقصير ، وتشديد وتبسيط ، وقطع وتوصيل وصفير وزحير وزئير ، وطال الحال علي هذا المنوال حتى خلت ان جوف السيارة جوفة بتباري افرادها في عزف انكر الأصوات ، كل هذا وسيارتنا تجد إلي الإمام بعزم شديد لا تخاف ولاتنزعج ولا تثنى ولا تنحني ، ولا تكل ولا تمل ولا تئن ، تهب الأرض تهيئا وتطوي المسافات طيا ، تواصل السير بالنهار وبالليل ، لا تبالي بحلكة الظلام ولا بوعورة الطريق

استيقظت على صوت حركة عبر عادية بين الركاب ، وابصرتهم يتطلعون جهة الشرق إلي بصيص من ضوء بلمع تارة ويخبو تارة ، والسائق بقول لسائيله : ها قد وصلنا بئر الرطبة ، ونظرت إلي الساعة فإذا الوقت منتصف الليل ،

ثم وقفت بنا السيارة امام بوابة كبيرة يحرسها جندي في لباس عربي شاكي السلاح ، ثم اقبل نحو السيارة ضابط عراقي في كامل بزته العسكرية وسأل السائق : هل سعادة محمد العشماوي بك وكيل المعارف المصرية بين الركاب ؟ فأجاب السائق بالإيجاب

فتقدم الضابط نحو العشهاوي بك ، وبعد ان رفع بدء بالتعظيم ، قال بصوت جهوري : يا سعادة الضيف العظيم ، إني موقد من قبل حكومتي للترحيب بكم ولا كون في معيتكم ، وسيكون لي عظيم الشرف في قيادة حرس الشرف لسيارتكم حتى قلعة الرمادي ، فتلفاء العشماوي بك واقفا مرحبا ، وبعد ان شكر حكومة العراق على هذا التكريم البالغ بعبارات تناسب المقام ، دعاء الضابط ورعا معه جميع الركاب لتناول الشاي في القشلاق

والقشلاق بناء كبير يحيط به سور ، وفي شماليه مطار الرطبة ، وداخل السور ثكنات الجنود ولوكاندة معدة للنوم والطعام لمن يريد بأجر لا يزيد على نصف جنيه في الليلة وفي (ميس) الضباط تناولنا الشاي والكعك والفواكه وسط مجالي الترحيب والتبجيل ، ومحطة الرطبة تضاء بالكهرباء وتسقي من أبار في نفس المنطقة وعندها تتلافي عدة طرق برية وهوائية

وبعد ساعة استأنفنا السير ، وسيارة مدرعة يقودها الضابط تتقدمنا وسيارة اخري تتبعنا ، وقد كان استقبال العشاوي بك هذا الأستقبال الفخم مفاجأة سارة ، كما كان موضع إعجاب الركاب وحسن تقديرهم ومدار حديثهم فترة طويلة . ولم تلبث طويلا حتى غلبنا النعاس ونمنا.

واستقبلنا صباح اليوم التالي بوجوه شاحبه وعيون ذابله ورؤوس مصدوعة وشعر منفوش وعينه رنة. وأليقت إلى  الصحراء بنظره فاذا هي كما بدأناها لها أول وليس لها آخر

وفي الضحي ظهرت بوادر العمران : الله أكبر هذه أسراب القطا تحوم فوقنا ، وذاك قطيع من الجمال يرعى، وهؤلاء، بعض البدو على ظهور الخيل أوقفوها لينظروا إلينا ، وهذه خيامهم ، وهذه طريق معبدة تسير في محاذاة انابيب البترول الذهبة عبر الصحراء إلى فلسطين ، وهذه قرية وسط النخيل ، وهذه بساتين ، وهذه قلعة الرمادي ، وهؤلاء ، رجال ونساء وصبية وقفوا على تل يلوحون لنا بأيديهم ، وهذا شارع المدينة تدخله ، ثم تقف السيارة قرب نهايته أمام ديوان الحكومة ، وإذا بحاكم الولاية ورئيس الشرطة وكبار الموظفين والأعيان وبعض الأنسات المعلمات يخرجون للترحبيب بسعادة العشماوي بك ايضا باسم الحكومة ، وبعد التحيات والتسليمات دعونا لتناول طعام الغداء في لوكاندة قريبة ، وذهبت توا إلي دورة المياه فغسلت وجهي وتوضأت وأصلحت هندامي ، وصليت ركعتين ، ثم دعيت للجلوس بجانب العشماوي بك على مائدة الرياسة على يسار حاكم الولاية ، وبعد أن أكلنا هنيئا مريئا استأنفنا السير جهة الجنوب في طريق معبدة ، على هامش الصحراء متبعين مجري نهر الفرات

وبعد ساعة مررنا بسن الدبان حيث يوجد مطار كبير للقوة الجوية الانجليزية ، وبعد ساعة اخري عبرنا الفرات على جسر من الحديد إلي شاطئه الايسر عند بلدة  فلوجه اتجهنا نحو الشرق في طريق تخترق صحراء ، فاحلة بين الفرات ودجلة ، وعند تمام الساعة الرابعة مساء وصلنا اطراف

الكرخ ، إحدي ضواحي بغداد ، وهنا انتظرنا قليلا علي جانب الطريق حتى مر جلالة الملك غازي ذاهبا إلي قصره خارج بغداد ، وكان راكبا سيارة صغيرة لونها أصفر يقودها بنفسه ويتقدمها عسكري مرور علي "موتسيكل" وقصر الملك لا يبعد كثيرا عن الطريق العام ، تحيط به حديقة وأشجار عالية وفي مواجهته على الجانب الآخر من الطريق قصر الأمير عبد الإله

وقبيل الغروب وصلنا مبني إدارة الجمارك حيث كان في استقبالنا جمع غفير من كبار الموظفين والأطباء والأعيان ، فتقدم سعادة السيد طه الراوي وكيل وزارة المعارف العراقية مرحبا باسم وزارة المعارف ، والسيد الدكتور الزهاوي كبير أطباء العراق مرحبا باسم ادارة الصحة العامة نائبين في ذلك عن الحكومة

وفي فناء الجمارك ودعنا مطية الصحراء شاكرين ، وركبنا السيارات فدرجت بنا في شوارع منسفة مغروس على هوامشها أشجار وحدائق ، وعند مدخل الكرخ شاهدنا تمثالا للمغفور له الملك فيصل ،يمثله ممتطيا صهوة جواده ، وبعد قليل عبرنا نهر دجلة على جسر من القوارب إلي الرصافة حيث نزلنا بلوكاندة " مود " ضيوفا على الحكومة العراقية .               (لها بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية