في أوائل شهر سبتمبر أقيم في مدينة ماكون بفرنسا عيد أدبي مؤثر؛ وماكون هي مسقط رأس الفونس دي لامارتين ومرتع طفولته وحداثته؛ ولكن العيد الأدبي الذي أقيم بها لم يكن خاصاً بشخص لامرتين، بل بإحدى منظوماته الشعرية الشهيرة، ونعني (جوسلين) التي مضى على صدورها مائة عام.
احتفل إذن بالعيد المئوي (لجوسلين) في ماكون، وأثيرت ذكرى الشاعر الكبير، ورأس هذه لحفلات المؤثرة مسيو هنري بوردو عضو الأكاديمية الفرنسية، وكان من ضمنها حج أصدقاء الشاعر إلى ضيعته (ميلي) التي قضى فيها أعذب أعوامه وشاد بذكرها في (مذكراته) وإلى قصر سان بوان حيث قضى أعوام مجده، ثم إلى قصر مونصو حيث قضى أعوامه الأخيرة في غمر من البؤس والنسيان.
ما منظومته (جوسلين) التي عرفت أيام صدورها منذ مائة عام أعظم ظفر أدبي يمكن تصوره فتكاد تنسى اليوم إلى جانب منظومات وروايات أخرى للامارتين؛ ذلك أنها لم تكن خير ما نظم من حيث الصناعة والصقل، ولكنها كانت من أبدع ما نظم من حيث الروح، والقوة، والطابع الغنائي.
وجوسلين قصة شعرية كبيرة في أكثر من ثمانية آلاف بيت، وكانت حسبما يريد ناظمها أول قسم من ديوان شعري ضخم يسمى(الرؤى) visions وبطلها جوسلين وهوفتي يتيم وولد قروية فقيرة، حملته ظروف الأسرة على الالتحاق بمدرسة الكهن ة على رغم إرادته؛ وكان ذلك أيام الثورة، فلم يلبث أن طرد من المعهد قبل إتمام دروسه؛ وعندئذ فر إلى الجبال ليتقي المطاردة التي كان يعرض إليها رجال الدين يومئذ، وعاش في كهف في الجبال، وعطف عليه راع كان يمده خفية بالطعام والشراب.
وفي ذات يوم رأى جوسلين شيخاً وفتى يطاردهما القتلة فتقدم لعونهما، وأسلمه الشيخ فتاه، ولكن لم ينج من رصاص لقتلة فخر قتيلاً، بينما التجأ ولده ناجياً إلى كهف جوسلين.
وعاش جوسلين مع هذا الفتى الحدث في وئام وحب أخوي؛ ولكن حدث ذات يوم أثناء هبوب العاصفة أن جرح الفتى، ولاحظ جوسلين دهشاً مرتاعاً، أثناء العناية به، أن يعني بفتاة لا بفتى، فعندئذ هام جوسلين بالفتاة (لورانس) ، وأخذ يحلم بالاقتران به.
ولكن الدهر لم يلبث أن فرق بينهما. ذلك أن جوسلين دعاه أسقفه ومربيه وهو على أهبة الموت ليقوم له بالواجبات الأخيرة، ولم ير جوسلين بداً من قبول التضحية، فهرول إلى الأسقف، وقام بواجبه. وفي أثناء ذلك تركت لورانس العنان
لأهوائها وغدت فتاة خاطئة، ودارت الأيام دورتها، فالتقى جوسلين ثانية بلورانس يطلب إليها الصفح ويحمل إليها الغفران.
تلك هي خلاصة (جوسلين) والمعروف أنها صورة لقصة واقعة بطلها راهب من أصدقاء الشاعر يدعى الأب (دومون) ، كان من رجال الدين أيام الثورة، فعهد إليه ذات يوم أحد أصدقائه الأشراف بصغرى بناته لكي ينقذها من خطر السجن والإعدام فهام كل منهما بالآخر، وأثمر الحب ابنة سميت الآنسة ميلي؛ وعاش القس محترماً مبجلاً يزاول مهنته بعطف ورقة حتى توفي؛ ونظم لامارتين فيه قصيدة مؤثرة؛ وما زال قبره في تلك الأنحاء يعرف بقبر (جوسلين) بطل منظومة لامارتين.

