درجت أفهم في صحيح اللغة أن المضارع الواقع في موضع خبر (كاد) لا يقترن ب (أن) وذلك هو القياس المطرد، وكل ما جاء على خلاف فهو من الضرائر - إن كان شعراً - ومن الشذوذ - إن كان نثراً - كقول رؤبة:
ربع عفاه الدهر طولاً فانمحى ...
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
قال سيبويه: وقد جاء في الشعر (كاد أن) يفعل شبهوه بعسى؛ قال رؤبة: (قد كاد من طول البلى أن يمصحا) ؛ وكقول آخر:
وجدت فؤادي كاد أن يستخفه ... رجيع الهوى من بعض ما يتذكر
فهو أيضاً من الضرائر الشعرية وليس بأصل كحد قول الآلوسي في (ضرائره) . وقد كنت هكذا أفهم استعمال (كاد) وخلو خبرها المضارع من أن؛ حتى طلع علينا الأستاذ الزيات صاحب الرسالة وأستاذ البلاغة بالخبر اليقين حين قال: (إن حالتها (تكاد أن) تكون طبيعية. . .) فآمنت بخلاف ما كنت أؤمن، وقوي إيماني به في حينه ما ورد على الخاطر مما ورد في صحيح البخاري (وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) ثم ما جاء في الحديث أيضاً - وهو نادر - (كاد الفقر أن يكون كفراً) .
وبعد. فهذا الذي سبق هو مفهومي من القول الفصل مع قصر الباع والذراع. . . وعلى المريدين أن يدلوا بدلوهم في الدلاء كل على قدر شطئه ورسنه. . . والسلام.
(الرسالة): الذي نذكره على البعد من كتب المراجعة، أن الأفعال الناقصة التي يجب أن يكون خبرها فعلاً مضارعاً يحب اقترانه بأن في أفعال الرجاء، وممتنع في أفعال الشروع ويجوز في أفعال المقاربة على قلة في بعضها وكثرة في البعض الآخر، كما نذكر كذلك قول البحتري: أتاك الربيع الطاق يختال ضاحكاً ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما
المصحف المبوب:
ما كنت أظن أن تجد فكرة المصحف المبوب معارضاً، لأنها أمنية طالما تمناها كبار العلماء لتظهر بها كل سورة من سور القرآن الكريم متسقة المعاني، منتظمة المباني، معروفة الأغراض، محددة الأبواب، وليس هذا علم الله في القشور، وإنما هو لب اللباب، وحدث عظيم في ترتيب المصحف. ولكن كيف يمر هذا من غير معارض، وقد طال بنا إلف كل قديم، حتى صار السكون عندنا بركة، وكرهنا كل حركة، وأسأنا الظن بكل جديد، وأخذنا الجديد النافع بذنب الجديد الضار.
وماذا في فكرة المصحف المبوب من الضرر؟ يقول الأستاذ الفاضل عمر إسماعيل منصور إنه يود أن يشعر المسلمون بأن كتابهم مقدس، وليس عرضة لكل مبتكر، إذ من الجائز أن يختلف والتبويب، فيظهر المصحف في عدة طبعات، فإذا بوبه اليوم فلان، فسيبوبه غداً غيره، فيقولون قرآن فلان، ومصحف فلان، وتكون فتنة، وكلما تفلسف شخص أضاف فكرة جديدة، ما دمنا قد فتحنا هذا الباب.
فالأستاذ عمر إسماعيل منصور في هذا يكره الابتكار لذات الابتكار، ولا يفرق فيه بين نافع وضار، ثم يوهم أن التبويب سيحدث تغييراً في نظم المصحف، مع أنه سيكون بهامشه ولا يدخل في صلبه، فمثله كمثل المصحف المفسر الذي ظهر منذ سنتين، وتناوله عدد من المفسرين، ولكل عدد منهم طريقته في تفسيره، وفي موضعه من المصحف باختلاف طرقهم في التفسير ووضعه، بل اختلفت القراءات بيننا، وقيل قراءة فلان وقراءة فلان، وهو اختلاف يرجع إلى لفظ القرآن، فلم يحدث منه فتنة أيضاً، وسيكون هذا شأن المصحف المبوب، إن شاء الله تعالى.

