كتب الأستاذ هارون محمد أمين في بريد الرسالة الأدبي عدد ٧٦٥ تعليقا تحت عنوان (لن لا تفيد تأكيدا ولا تأييدا) تعقب فيه ما جاء في كلام معالي عبد العزيز فهمي باشا من إفادتها لذلك وقال (والذي أعلمه أن لن كما ذهبت إليه جمهرة النحاة لا تقضي تأييد النفي ولا تأكيده ولم يقل بذلك إلا الزمخشري) الخ. ثم ذكر في التدليل على إبطال ما ذهب إليه الزمخشري قوله (واذكر في الرد عليه أدلة منها أنه لم يقم دليل على كونها للتأييد وأنها لو كانت كذلك للزم التناقض بذكر اليوم في قوله تعالى: فلن أكلم اليوم إنسيا، وللزم التكرار بذكر الأبد في قوله تعالى: قل لن تخرجوا معي أبدا) ولا ريب أن ما ذكره الأستاذ هارون مبين في مثل القاموس والمغني وغيرهما؛ غير أن كثيرا من المحققين قد بحثوا هذا الموضوع وأتوا بما يختلف مع ما نقله الأستاذ هارون فرأيت أن ألفت النظر إليه:
ذكر الإمام الزمخشري في كشافه ومفصله: أن لن معناها
تأكيد النفي، ووافقه على ذلك كثير من النحاة كما ذكره الصبان في حواشي الأشموني والجلال السيوطي في همع الهوامع. ونقل الأخير في الإتقان أن العرب تنفي الشكوك بلا، والظنون بلن. وفي كلام سيبويه ما يؤيد هذا الرأي
إذ يذكر أن لا نفي ليفعل، ولن نفي لسيفعل والأخير مؤكد في الإثبات فكذلك يكون نفيه. وقال السعد: إن منع إفادتها للتأكيد مكابرة.
أما دلالتها على التأييد فقد نسبت للزمخشري في بعض نسخ أنموذجه وبعضها الآخر يتفق مع الكشاف والمفصل في التعبير بالتأكيد دون التأييد. ومهام يكن فنقطة الخلاف بين ما نسب إلى الزمخشري وبين الجمهور هي: هل أن لن تستعمل على وجه الحقيقة في غير التأييد أم تختص به؟ فالجمهور يقول بالأول والزمخشري بالثاني. قال ابن مالك في التسهيل: (وينصب المضارع بلن مستقبلا بحد وبغير حد، خلافا لمن خصها بالتأييد) . وانتقد رأي الزمخشري هذا بما ذكره الأستاذ هارون. واتهمه ابن مالك بأن الحامل له على دعوى التأييد اعتقاده بأن الله لا يرى في الآخرة. وانتصر له بعض المحققين وأجاب عن التناقض المزعوم في قوله تعالى: فلن اكلم اليوم إنسيا. بأن
الزمخشري لا يمانع في استعمالها في غير التأييد مجازا حتى يحصل التناقض. وعن التكرار في: قل لن تخرجوا معي أبدا بأنه على تسليم وجوده لا محذور فيه؛ إذ التكرار يرد في كلام البلغاء للتأكيد. ورد على ابن مالك في توجيه تلك التهمة بقوله: (إن ذلك خروج عن منصب المباحثة؛ إذ يعد ثبوت إمامته في العربية باتفاق أئمتها كيف ينسب إليه مثل ذلك الذي لا يصدر عن الجهلة؟ فالإنصاف أن اجتهاده في العربية المسلم له المبني على تتبع مواطن الاستعمال قضى بحسب ما ظن بتأييد نفيها؛ وعليه خرج الآية الموافقة بحسب ظاهرها لمذهبه، فقد بنى مذهبه على الاستعمال اللغوي دون العكس. على أن في هذا البناء توقفا، إذ لا يمنع من التجوز في الألفاظ، فليس لما ذهب إليه كغيره من طائفته إلا الأدلة العقلية المبينة بردودها) ومما تقدم يتلخص أن لن تفيد تأكيد النفي عند كثير من المحققين كما أنها تستعمل حقيقة في الدلالة على تأييده وإن لم تتعين له خلافا لما جاء في كلام
الأستاذ هارون، وأن الزمخشري لم ينفرد إلا بدعوى التعيين، على أن هذه الدعوى قد وافقه عليها ابن عطية أيضا.
طرابلس الغرب

