الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 347الرجوع إلى "الرسالة"

، مجلة العصبة في عامها السادس

Share

دخلت زميلتنا       (العصبة)    في يناير عامها السادس وهي أقوى  ما تكون إيماناً برسالتها العظيمة وصبراً على جهادها الجاهد.  و(العصبة)    - كما يعلم قراء   (الرسالة)  - مجلة شهرية للأدب والفن  يصدرها في سان باولو الأستاذ المجاهد   (حبيب مسعود)  وتحررها  جماعة العصبة الأندلسية، وهي بحق سفارة الأدب العربي بين أهله  في الموطن وبينهم في المهجر، تصل ما بينهم بوشائج روحية  من نسب الفكر والبيان والأمل والذكرى، وتلقي في روعهم  على الدوام أن لهم تاريخاً ولغة وأدباً وأمة حتى لا يفقدوا على  تراخي الزمن ونزوح الدار مقوماتهم الجنسية والوطنية فيذوبوا  في عمار الأمم

وبين يدينا الآن عددها الممتاز الذي اعتادت أن تصدره  في آخر كل مرحلة من مراحلها البالغة؛ وهو طرفة من طرف  الأدب النادرة يقع في نحو ١٨٠ صفحة ويمتاز من سوابقه بغزارة  مادته ووفرة صوره وجمال تنسيقه وتنوع موضوعاته، وكان المظنون  أن يكون أبناء العروبة في أقطارها عوناً لهؤلاء الأدباء المجاهدين  الصابرين على رفع لوائها في بلاد العرب، ولكنا نستنتج وا أسفاه  من فاتحة هذا العدد وخاتمة هذه المرحلة أن الأدب الحر والصحافة  الرشيدة هما في كل مكان تضحية ومحنة. فقد قال محررها الفاضل  فيما قال:

(. . . أما عدتنا فمحدودة، لأن الفئة التي تقبل على صحيفة من  طراز       (العصبة)    قليل عددها بالنسبة إلى تلك الفئة التي لا يهمها  من الصحيفة غير أن تكون متحفاً للأشخاص لا معرضاً للأفلام

حبذا لو أننا عند آخر كل مرحلة نقول: لا علينا ولا لنا.  غير أن   (على)  حليفتنا الأمينة. وما في ذلك لغز وإبهام، لأن ما ننفقه  مستمد أكثره من المشتركين لا من موارد أخرى تغني عن  الاشتراكات. ومع ذلك ليس للتذمر مجال في أنفسنا، لأن  الجندي في ساحة الحرب لا يتطلب مائدة تبسط عليها ألوان

الطعام والشراب ولا فراشاً وثيراً. وحسبنا من جهادنا أن نترك  صفحة نقية في تاريخ الصحافة العربية في المهجر. . .)

اشتراك   (العصبة)  في السنة ستة دولارات أمريكية  وعنوانها:

بين بشر وشاكر

الزلزلة تفيد في اللغة معنى الاضطراب والتقلقل، ولكن هل  هذه الإفادة تجيز أن يقال إن   (الأذن تزلزل طربا)  بمعنى  الاضطراب والتقلقل؟

الدكتور بشر فارس يجيز هذا، لأنه يرى مجاورة في لغة  العرب بين الزلزلة والطرب، وهو يسوق على ذلك الشواهد ويعزز  رأيه بنصوص من كلام البلغاء، ولكن يغيب عنه أن هذه المجاورة  - في كل الشواهد التي جاء بها - تعتمد على أساسين: جواز  الاضطراب والتقلقل على الشيء أولاً، وإن كان الإحساس والشعور  بهذا الاضطراب والتقلقل ثانياً.

وقد لمس الأصل الأول منهما الأستاذ المحقق محمود محمد شاكر،  ومن هنا كانت موضع مؤاخذته على صاحبه أن يقول:   (أذني  زلزلت طربا) . وهو يقرر أن شرط مجاز الزلزلة أن يكون الشيء  يتحرك ويضطرب ويتقلقل. ومن هنا يصح عنده القول إن الرجل  يتزلزل، والأقدام والأيدي والرؤوس والقلوب وما إليها من سائر  أعضاء الإنسان المتحركة حركة ما، وكذلك الحيوان كالإبل جاء  راعيها   (يزلزلها) ، ولكن لا يصح عند ظنه القول بأن الأذان  تتزلزل من الطرب أو الغضب   (أو تحت تأثير أي انفعال آخر) ،  لأن الأذن لا تتحرك، وهذا صحيح!

ولكن الدكتور بشر فارس يرى الأذن تهتز طبلتها على جانب  المماثلة لحركة مصدر الصوت، ومن هنا يجوز عنده أن يقال إن الأذن  تتحرك ويصح رأيه في أن الأذن تتزلزل طرباً. ولكن هذه  الحركة الاهتزازية لا يمكن الشعور بها، وشرط مجاز الزلزلة  ليس الحركة وحدها، وإنما الحركة أولاً، ثم وجوب الشعور بها  ثانياً. ومن كل الشواهد والأمثلة التي دارت على قلمي المتناظرين  تجد أن الإحساس والشعور بالحركة شرط مجاز الزلزلة للشيء  المتحرك. ومن هنا نرى أنه لا يجوز لغة القول بأن الأذن تطرب

  (أو تنفعل)  زلزلة، لأنه لا يمكن الإحساس والشعور بحركة  اهتزاز طبلة الأذن. . . على أن تخريج الدكتور بشر بالموضوع طريف، وطرافته تجيء  من جهة أن كل عضو من أعضاء الحس تهتز دخائلها. وهذا

الاهتزاز حين ينتهي إلى مراكز  الإحساس في الدماغ يحدث  الشعور بالإحساس. ومن هنا  يمكن أن نقول إن العينين تتزلزلان  من الجمال. . . ومن الواضح  سخافة مثل هذا المجاز!. . .

ومن المهم أن نقول إن نزعة  الدكتور بشر فارس التجديدية،  وجريه وراء مذهب المجددين  المغرقين في تجديدهم في الغرب،  هي التي أملت عليه هذه الصورة  الشعرية النابية عن الذوق وفن  اللغة عامة والمجاز خاصة. ألا ترى  بيراندللو يقول في مسرحية له:    (واضطربت أذنها وتقلقلت من  موسيقى الجاز المزعجة التي كانت  تدق في القاعة)    (أنظر فردريك  نارديللي في كتابه - الإنسان  المقدس - حياة وآلام بيراندللو،  الترجمة التركية، استانبول ١٩٣٩  ص ١١٨ - ١١٩) . إن في هذه  الصورة أصلاً لتعبير الدكتور بشر:    (أذني زلزلت طرباً) ؛ الموروث  من طبيعة بدوية، أعرابية،  فجاء متخذاً هذا الكساء.

والدكتور بشر على الرغم من حبه للتجديد فيه لوثة أعرابية  على حد تعبير أسود بن أبي خزيمة   (البيان للجاحظ ج ١ ص ٧٠  طبعة مصر)

(الإسكندرية)

اشترك في نشرتنا البريدية