علم الله أنني جد حريص على سلامة اللغة، ولكنني أكره
ا التزمت فيها، وأبغض شئ إلى نفسي الإمعان في الجدل إلا جدلا يكشف حقاً، أو يُدحض باطلا، أو يهدي إلى الرشد؛ وقد ضقت ذرعاً بمسائل كثيرة يتعلق بها بعض من حسنت نيتهم، أو ضاق أفقهم، أو استولى عليهم الغرور، وأحب أن يتسع نطاق (البريد الأدبي) بالرسالة الغراء لنشر هذه المسائل؛ فمنها:
١ - يحرص كثير من أهل الفضل والدراية على تغيير لفظ العلَم الكُنْية المصدًّر بأب إذا كان مضافاً إليه؛ فيقولون: مدرسة أبي حمص، ومدرسة أبي المطامير؛ جرياً على قاعدة جر المضاف إليه بالياء إذا كان من الأسماء الخمسة؛ وقد يقعون بحسن نية فيما يدعو إلى السخرية فيقولون (مدرسة بني أبي الريش) يريدون مدرسة البنين ببلدة أبو الريش؛ ولو علموا أنه يجوز حكاية الكنية على أشهر أوضاعها، وهو صيغة الرفع بالواو لأراحوا واستراحوا، وأظن الأستاذ الإمام الشيخ حمزة فتح الله قد عقد بحثاً لذلك في كتابه (المواهب الفتحية) ، وقرأ أحد الصحابة (تبت يدا أبو لهب) كما في تفسير العلامة (أبو السعود) .
٢ - يتشبث بعضهم بوجوب جر كلمة (أثناء) فيقولون ثلا (يلمع البرق في أثناء السحاب) ، وهم يعتمدون في هذا التزمت على ورود الكلمة في جميع المراجع اللغوية التي بأيدينا على هذه الصورة، ويقول النحاة: إن اسم المكان لا يقبل النصب على الظرفية إلا مبهماً؛ وأثناء جمع ثِنْى، وهي في جميع الأوضاع مخصصة غير مبهمة لانحصار حدودها فيما أضيفت إليه؛ وهذا بلا شك كلام صحيح؛ ولكن لم لا يكون نصب الكلمة جارياً على نزع الخافض، وهو كثير جداً في كلام العرب، وجعله بعض العلماء قياسياً في المصادر المؤولة من (أن) وما دخلت عليه بل في غير المصادر من الأسماء الصريحة؟.
٣ - ما زال بعض الأدباء ينكرون كلمة (الهناء) لعدم ورودها مجردة من تاء التأنيث في أشهر الموسوعات اللغوية؛ وقد غاب عنهم ورودها في (المخصص) للعلامة (ابن سيده) في باب ألوان العيش والنعيم (أو كمال قال) ؛ ويعلم الله كم جرى قلمهم الأحمر والأزرق على كلمة الهناء شامخين مزهوين، وكم نال (ابن نباته) الشاعر الظريف من الزراية والاستخفاف حين طرق أسماعهم بيته الرشيق:
هناءٌ محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
٤ - يتمسك كثير من أولئك بوجوب ضم راء (الرصافة) واقفين عند نص (الفيروزبادي) ، ولو أنصفوا لحولوا أعينهم إلى ما كتبه شارح القاموس على هامش المادة، وإذاً لعلموا أن الفتح والضم سيان، وفي ظني أن الفتح في مثل هذه الكلمة أرق وأجمل، وما أحسب (علي بن الجهم) طيب الله ثراه قد نطق بها إلا مفتوحة الراء حين قال بيته الخالد:
عيون المها بين الرصافة والجسر ...
جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري
٢ - أحسن من ذي قبل:
كثيراً ما يعترض القارئْين، ويجري على ألسنة المتحدثين هذا الأسلوب، ومنهم من يكتفي بفحواه وما يتبادر إلى الذهن من معناه، غير باحث فيما بني عليه من أساس لغوي، أو قاعدة نحوية، ومنهم من يحرف الكلم عن مواضعه، فيزعم أن اللفظ الأخير منه وهو (قبل) بفتح الباء لا بسكونها، وينسى أن هذا الضبط يفضي إلى قصور في المعنى وتعسف كبير، إذ (القَبَلُ) هو كل شئ في مستهل وجوده، أو على حد تعبير المعجمات: هو الشيء أول ما يكون؛ وما زالت أبحث في هذه المسألة وأدير الحوار حولها مع الثقاة من أهل البصر باللغة حتى انتهيت إلى ما أعتقده فيها، وخلاصته أن كلمة (قبل) ظرف مبني على الضم لحذف المضاف إليه، ونية معناه كبقية (الغايات) وهي ظروف محصورة في كتب النحاة منها: بعد ووراء وخلف الخ، وأن كلمة (ذي) ليست بمعنى صاحب - كما يتبادر إلى الذهن - ولكنها اسم موصول يستعمل في لغة طْيء للمفرد وغيره مذكراً ومؤنثاً كما هو منصوص في المصادر النحوية كشرح (ابن عقيل) وحاشية (الخضري) ، وإنها قد تأتي مبنية بلفظ واحد وهو (ذو) رفعاً ونصباً وجراً، وقد تعرب بالواو رفعاً وبالألف نصباً وبالياء جراً عند قوم من طْيء فتكون في أحوال الإعراب مثل (ذي) بمعنى صاحب التي هي من الأسماء الخمسة، وعلى هذا الوجه يمكن توجيه الأسلوب، ويكون الظرف المبني على الضم صلة الموصول باعتباره شبه جملة على حسب ما شرحه النحاة.
وإذاً يكون المعنى: هذا الشيء خير من الذي كان قبله، أو
هذه الحالة أحسن من التي سبقتها وهكذا، وبذلك يستقيم اللفظ وينسجممع المعنى المراد، والسلام.
الاسكندريه

