الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 789الرجوع إلى "الرسالة"

، ١ - ولم لا نسأل عن أشياء؟

Share

أهي من عالم الغيب الذي استأثر الله بعلمه؟ أم هي من الأمور  المعلومة من الدين بالضرورة فيكفر جاحدها؟ أم نحن نشك  في روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصورتها الحاضرة؟  أم أغلق باب الاجتهاد في فروع اللغة كما أغلق  عند جمهور العلماء  في فروع الفقة؟ الهم لا هذا ولاذاك؛ وإنما قصدت في كلمتي  السابقة أن التمس الوجه الصحيح الخالي من الحدس والافتراض  والتكلف  لورود كلمة         (أشياء)     في القرآن الحكيم على صورة  الممنوع من الصرف، وإن بدا رأيي جريئاً غير مستساغ عند  بعض الناس فحسبي أن يكون رائدي  حسن النية، وأن فتح  البحث أمام الذين يبحثون في وسائل تيسير النحو في هذه الآونة  على المعلمين حتى اقترحوا حذف   (الممنوع من الصرف)  من  منهج  التعليم الابتدائي لا نزاع في إن البحث من الجفاف بحيث  لا يحمل الخوض فيه على صفحات المجلات، ولذلك عرضته   ملخصاً في الكلمة الأولى وما زلت على  خطتي في هذه الكلمة وأن عسيراً أن أجشم القارئ درس موضوع من أيسر مسائلة  ادعاء بعضهم أن (أشياء) اسم جمع مثل   (طرفاء)  قدمت لأمه   فصار على وزن   (لفعاء) ؛ كل ذلك ليبروا وروده ممنوعا من  الصرف في سورة المائدة، وأنا بلا ريب أستحسن كثرا رأى    (الكسائي)  الذي أورده الأستاذ  الفاضل محمد غنيم في كلمته  القيمة وملخصة أن         (أشياء)     جع   (شئ)  جاء على صيغته  الأصلية، ولكن منع صرفه لكثرة استعماله في الكلام تشبها  له  بالاسم المؤنث المنتهى بالألف الممدودة، هذا أشبه بالحق،  وأدنى إىل حسنا الذوق ولكن ماذا لو التمسنا للمسألة وجها آخر؛  مع التسليم المطلق بصحة الرواية، أنا  لا أزال أقول إن ورود  الكلمة على صورة الممنوع من الصرف مبني على القاعدة النحوية  المشهورة التي أوردها     (ابن مالك)   حيث قال:

ولاضطرار أو تناسب حرف ... ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف

وقد طابق هذه القاعدة كثر من استعمالات العرب،  وخرج عليه بعض آي الذكر الحكيم؛ وقد أشرا إلى ذلك في  الكلمة السابقة؛ والمسألة ترجع إلى الذوق  الموسيقي المعبر عنه

(بالتناسب)  في كلام     (ابن مالك)   وإنه لو وردت         (أشياء)      مصروفه في الآية الكريمة   (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم   تسوءكم)  لتكرر حتما مقطعان بلفظ واحد، وكان ذلك مخلا إلى  حد ما بحسن الجرس والتناسق ولا شك أن القرآن الكريم في  المكان الأول من رعاية هذا  التناسق، والسلامة من كل مظان  التنافر، وهذا - كما قلت - من أعظم وجوه الإعجاز، ولولا  ذلك لجرى على كلمة   (الأشياء)  ما جرى على كملة   (أفياء)   وأمثالها من جموع القلة التى توازنها ولا وجه القياس على التوالي  المقطعين  بتكرار   (إن)  في قوله تعالى:   (ما نزال الله من شيء  إن أنتم إلا في ضلال  كبير)  كما يقول الأستاذ العجمي، فإن  القياس مع الفارق كما يقولون؛ إذ من الممكن بل من الحسن  الوقف على كلمة     (شئ)   في هذه الآية وفي الآية الثانية  التي أوردها  الأستاذ العجمي، ويكون البدء بما بعد كلمة     (شئ)   في الآيتين مما  يزيد المعنى قوة؛ وإذا لا يتوالى المقطعان، على أن همزة   (شيء)   مسبوقة  بحرف لين صامت وهمزة       (أشياء)    مسبوقة بحرف مد  صاعد ولذلك تأثيره في نقل المقطعين، أما كلمة       (أشياء)    في آية  المائدة (وهي محل البحث  فإنها مرتبطة بما يليها من الآية الكريمة  ارتباط الموصوف بصفته؛ والصفة هنا قيد في صاحبها، فلا بد  من وصلها حتى يكون معنى النهي في الآية واضحا ولا بد  إذا  من توالي المقطعين، وهذا ما أجعله علة المنع من الصرف؛ وعلى  ذلك يمكن القول - في غير حرج - أو ورد كلمة       (أشياء)     غير مصروفه راجع إلى  الجو المحيط بها في الآية الكريمة فلو  خرجت منه جاز عليها ما يجوز على سواها.

ولا محل بعد ذلك للاعتراض الذي أدلى به الأستاذ محمد غنيم  وخلاصته أنه لو كانت الكلمة معروفة لضبطت همزتها الأخيرة  بالجر من غير تنوي؛ فأنها بلا  نزاع غير مصروفه   (في الآية الكريمة)   فيجرى عليها حكم الممنوع من الصرف كاملا وتجر بالفتحة؛  ولكن المنع صرفها سبباً فنيا غير الذي قالوه؛ فهو في  رأي المتواضع    (ولا يؤاخذني الأستاذ العجمي)  مبنى على اعتبار حسن الجرس  والتناسب وعند القدامى الذي ندين لهم بالحق وعرفان الجميل مبنى على أسباب شتى ألمعنا إلى بعضها في صدر المقال.

٢ -  أخطاء مشهورة:

كثيرا ما نقرأ في الصحف والمجلات بله كراسات الطلبة  والتلاميذ - كلمات جرت على اللسنة، واستفاضت؛ حتى  ليحسبها من قلت درايتهم بمتن اللغة من  الصحيح؛ ولعل من  الخير للغة ودارسيها، أن يتعقب أهل الدراية هذه الكلمات بالنقد  البريء والإرشاد الهادئ السديد، وعلى منابر الصحافة العالية  متسع لمن  أراد الإصلاح؛ ومن ذلك أنني قرأت أمس في    (الأساس)  لشاعر ناشئ مقطوعة ظريفة بدأها ببيت مشتمل  على كلمة   (النضوج)  وفي باب (الكتب والمؤلفات) في   (الأخوان  المسلمون)  كلمة قيمة في التنويه بديوان   (أبن المفر؟)  للشاعر  النابغة الأستاذ محمود حسن إسماعيل ورد فيها كلمة   ( خصوبة الخيال)

والذي أعرفه أن كلمتي   (الضنوج - والخصوبة)  غير  صحيحتين والصحيح أن يقال:   (النضج والخصب)  أما الكلمتين  الأوليان فليستا من كلام العرب فيما  أعتقد؛ ومن أنكر  فليغير والسلام.

اشترك في نشرتنا البريدية