- ٧ -
تشاترتن والانتحال
لم يكن أحد من معاصري تشاترتن يشك في صحة ادعائه أن هذه الأشعار منسوبة إلى الكاهن رولي، بل كلهم يوقنون أن تشاترتن إنما عثر على هذه المنظومات في مخطوطات الكنيسة وسجلاتها، فنقحها ونشرها في مختلف الصحف، معلناً أنها اكتشافات أدبية جديدة.
لهذا كان في برستل أدبيان كبيران من هواة الأدب الرولي، هما جورج كتكوت catcott وهنري برْجمْ burgum هذان حفزهما الولع بهذا النوع من الأدب إلى جمع كلّ ما يعزى إل ى ذلك الكاهن الخيالي؛ من ذلك مخطوطة أدبية وضعها تشاترتن، ونسبها إلى رولي، فابتاعها برْجمْ منه بخمسة شلنات، ظاناً أنها بقلم الكاهن رولي.
ولقد بلغ بتشاترتن طموحه الأدبي إلى مراسلة الصحف، سنة ١٧٦١، حين بلغ السابعة عشر من العمر، أن أعلن اكتشافه لقصائد شهيرة (من نظم كاهن من كهنة برستل، اسمه رولي، عاصر هنري السادس، وإدوارد السابع) ، لكنه لم يتلقّ جواباً مرضياً شافياً؛ لهذا بعث إلى الأديب النبيل هوراس ولبول horace walpole مؤلف قصة (قلعة أوترانتو) castle of otranto ينبئه باكتشافاته الأبية. فردّ عليه الأديب ولبول رداً حسناً، يستزيد فيه معرفة عن ناظم هذه الأشعار، وعن مقدارها، واعداً أن ينشرها على نفقته الخاصة.
وما كان من تشاترتن إلا أن عاد فبعث إليه بكتاب رقيق، يشرح فيه بؤسه وفقره، ويتوسّل إليه في إيجاد عمل له، يستطيع
به أن يسد عوزه؛ وأرفق ذلك الكتاب ببعض الأشعار الرولية الممتعة. غير أنه ما كاد ولبول يتسلم هذه الأشعار، حتى سرّ بها سروراً دفعه إلى إطلاع أصدقائه عليها؛ من هؤلاء الشاعران الكبيران طوماس جري gray وميسن mason فأدهشهما الأسلوب الرائع، والفن البديع، والنفَس الشعري العالي إدهاشاً خالطت معه أفكارهما الريبة في أمر انتسابها إلى كاهن قديم العهد. فكان ذلك بدء المشكلة الرولية في عالم الأدب الإنكليزي.
لكن المشكلة لم تتطور وتتعقد إلا بعد وفاة تشاترتن، فقد جمعت هذه الأشعار ونشرت في مجلد خاص، كما بينا، سنة ١٨٠٣؛ فأحدث نشرها ضجة صاخبة في عالم الأدب لم تخمد حتى يومنا الحاضر.
عندئذ بادر علماء اللغة إلى دراسة لغة هذه الأشعار دراسة وافية دقيقة، استطاعوا بها أن يكشفوا بعض الكشف عن حقيقة الأمر. فقد توصلوا في بحثهم إلى الاعتقاد الجازم بأن لغة هذه الأشعار لا يمكن أن تنسب إلى الشاعر رولي، إذ كيف يصح ذلك وكثير من مفرداتها لم تتسرب إلى اللغة الإنكليزية إلا بعد القرن الذي عاش فيها الكاهن رولي؟
وأخيراً استدلوا من بحثهم العميق على أن تشاترتن كان يعتمد في كتابة أشعاره على قاموسين في الاشتقاق للعالمين اللغويين بيلي nathan bailey وكَرْسي kersey فقد كان دأبه في بدء الأمر جمع كل ما تقع عليه يده من المعاني والمفردات القديمة البالية؛ ثم كان ينحت ما يستطيع نحته منها، إذا رأى أن الوزن والقافية لا يستقيمان بغير ذلك.
ولقد أدرك علماء اللغة، وخاصة العلامة اللغوي الشهير ولتر سكيت أنه كان يكتب أولاً بلغة عصره، وبعد ذلك يحوله بمضاعفة حروف المفردات وغير ذلك من السبل الحاذقة إلى أسلوبه ولهجته الخاصة، بطريقة يحافظ فيها على جمال الأسلوب الشعري وروعته الفنية.
ولقد عثر علماء اللغة في شعر تشاترتن المنسوب إلى رولي على اقتباسات من شعر سبنسر spencer وشكسبير، ودرايدن dryden وبوب، وقري، لكنها موضوعة بطريقة لا يشتم منها سرقة أدبية، وإنما تدل على ذاكرة حادة، وعتْ هذه
الأشعار، وأرسلتها في شتى المناسبات، بطريقة يتعذر معها على القارئ التمييز بين ما هو لتشاترتن، وما هو لغيره. وذلك مما يدل كل الدلالة على أن هذه الأشعار من نظم تشاترتن، لا الشاعر الخيالي رولي. إذ كيف يصح ذلك، ورولي - في رأي تشاترتن - عاش في عصر متقدم على هؤلاء الشعراء جميعاً؟
ومما زادهم ريبة وشكاً في أمر هذه الأشعار الرولية، إدراكهم - على ممر الأيام - حذق تشاترتن ومهارته في تقليد أساليب الكتاب والشعراء المعاصرين تقليداً يتعذر معه على القارئ التمييز بين أدب تشاترتن وأدب غيره. فكان مثلاً ينشر في مجلة country magazine & town ومجلة middlesex journal مقالات رائعة، حاكى فيها أسلوب جونيس junius (1) محاكاة مدهشة؛ ليس هذا فحسب، بل دفعه حذقه في فنون الكتابة وأساليبها الشعرية والنثرية إلى تقليد صمُلِتْ smollet (2) وتشارتشل churechill (3) ومكْفرسن في أوشان ossian وبوب في أسلوبه الكلاسيكي، وقرى وكولنز collins (4)
وقد طرق - فرق ذلك - معظم أبواب الأدب فخلّف آثاراً قيّمة في الرسائل السياسية، وأناشيد الرعاة edogues والشعر الغنائي lyric والهجائي، والرواية الملحّنة opera ومن أشهر آثاره في هذا الباب أوبرا (الثأر) the revenge والحاصل أن دراسة تطور اللغة، واشتقاق مفرداتها؛ وعثور العلماء على معان في شعر تشاترتن مقتبسة من شعراء متأخرين، وإدراكهم حذقه في محاكاة الأساليب والفنون النثرية والشعرية، ونفي المؤرخين زعم تشاترتن بوجود كاهن اسمه رولي عاش في القرن الخامس عشر وعرفه الناس واستمعوا إليه - جميع هذه
أظهرت بجلاء واضح بطلان زعم تشاترتن، ودلّت دلالة صريحة أن هذه الأشعار لم تكن في الحقيقة إلا من نفثات براعة ذلك الشاعر الشاب، وأنه إنما اخترع الكاهن رولي اختراعاً لتمثيل فكرة أو نحو خاص في حياته، أو ليلهي به الناس، وليُرضي به حاجة أدبية أو خلقية في نفسه.
عندئذ سما تشاترتن في أعين الأدباء وكبر، وأصبح ديوانه خير ما يمثل عبقرية الشباب في ميدان هذا الفنّ الجميل.
الكرك - شرق الأردن
الشاعر وسريره للشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير في عزلتي - والصمت في أفقها ... وفي ثراها الوحشة القاتلة - أدير عينيّ فما إن ترى ... عيناي إلا ظلمة شاملة! تقطّعت فيها خيوط المنى ... يا ويلتا. . حتى المنى الباطلة!! كنت بها أمرح في جنَّةٍ ... تسخر منها النُّوَب الهازلة وحين غابَتْ فتلمستها ... دوَّتْ بسمعي ضحكة هائلة! عدتُ بها أحمل جَنْبي إلى ... سريريَ المضطرب الحائرِ كبائس أضناه فرط الطوى ... مرّ بقصرٍ شامخٍ عامرِ خارت به أركانه فارتمى ... وا رحمتا للحَدَث الخائر! يرنو إلى النور. . ويُذكي الأسى ... في قلبه قهقهةُ السّامر! مثل أغاني الموت طنانة ... في أُذن المحتضَر البائر! ويح سريري! هو بي مشفق ... يوسعني عطفاً وتحنانا يحضنني جذلان. . . حتى إذا ... أدرك ما بي ارتدّ أسوانا! كم وَدّ أن يسلس جنبي له ... فما ارتضى جنبي ولا لانا! لا. . يا سريري، خلّني والأسى! =نَمْ. لا تُبَلْ فوقك سهرانا! ما كان أحراك بتنفيس ما ... يبهظني لو كنتَ إنسانا! أُقسُ على جنبي ترفِّه به ... عنّي، ففي لينك آلامي! يُذْكِرُني لينَ الرضى والهوى ... ولين آمالي وأحلامي ولن أُعافَى ما تذكّرتُها ... ناكئةً في قلبي الدامي! أعدُّ ساعاتيَ. . . يا ليتني ... أسهو فلا أحسب أعوامي! يا ليت لليأس سبيلا إلى ... قلبي فَأُوقَى سُخْر أيامي! يا ليت لليأس سبيلا إلى ... قلبي فأحيا بفؤاد خلي واعجبا منّيَ أَستَنْجِد الْ ... يأس كأنّي لم يمتْ مأملي! ما أنا فيه اليأسُ! لو لم أكن ... عن راحة اليائس في معزل!! مصيبتي هذا الشعور الّذي ... يربط ماضيَّ بمستقبلي مَنْ لي بإِنسائيَ نفسي، فلا ... أذكر ما اسمي: خالد أم علي؟! نجمة المساء ' لألفريد دي موسيه ترجمة أحمد فتحي مرسي يا رسولَ السماءِ في ذلك الليْ ... لِ ويا بهجة الظلام المهيبِ من سُجوفِ المساء جبهتكِ الغرّ (م) ... اء لاحت تنيرُ بعد الغروبِ ما الذي ترقبين - من قصركِ الأز ... رق - في ذلك الفضاءِ الرحيبِ هدأت ثورةُ الرياح وقرَّت ... وبدا الكونُ غارقاً في السكونِ وغصون الرياض في الليل تبكي ... فيهُز الربى بكاءُ الغصون والفراش الجميلُ في هدأةِ الليْ ... لِ يجوب الحُزونَ إثْر الحُزونِ هو ذا ضوؤُك البهيج تجلى ... وبدا زاهياً على الآكامِ أنت في الليل دمعة من لجينٍ ... تتلألأ على رداءِ الظلامِ ترقبين المروجَ والراعيَ الشي ... خَ يجوب الربى مع الأغنامِ ما الذي تنشدين يا نجمتي الزه ... راَء في ذلك الوجود الغافي فوق هذي التلال قد بتُّ أرعى ... وجهك الضاحك الجميل الصافي أظلم الليلُ غير نظرتك الحيْ ... رى تجلّى وضوئك الرجَّافِ فلسطين للسيد جورج سلستي إِيْ فلسطين، قطعةً من سماءِ ... كنتِ قبلاً، وجنَّةً من رُوَاءِ تملأُ العينَ ساحراتُ مغاني ... ك وتسبي الفؤاد منكِ المرائي فالجمالُ المئنافُ ما شعَّ إلاَّ ... تحت أَجوائِك الحِسانِ الوِضاءِ! يطفحُ السهلُ منكِ بالرونق الضح ... يان، والسفحُ بالسنى والسناءِ وترفُّ الأمجادُ فوقكِ يا أرضَ الن ... بوءاتِ، رفَّةَ الأَضواءِ وجلالُ الماضي المضمَّخ بالسؤ ... ددِ والعزِّ والعلى والإِباءِ! كم تهاديتِ فوقَ هام التواري ... خ، دنيا سحريَّةَ الأنحاءِ يلعبُ النور فوق ضاحي صياصي ... ها ويلهو على ثرى الأَوْداءِ! كم تجلَّيتِ في الوجود سماءً ... رصَّعتْها كواكبُ لأنبياءِ! تنفحُ الناسَ بالعدالة والسل ... م وبالحلم والتقى والإِخاءِ! إِيْ فلسطينُ، مهبطَ لوحي والإل ... هامِ والدينِ والهدى والحياءِ جنةً كنتِ فاستحلتِ جحيماً ... بوجود اليهودِ والأوصياءِ! كنتِ بالأمسِ ملْءُ باحاتكِ السلمُ ... فأصبحتِ ساحة الهيجاءِ! قَثراكِ الفسيحُ قد غصَّ (بالتَنْك) ... وبالطائراتِ رحبُ الفضاءِ وتبارى بأهلك العُرْب تمثي ... لاً وفتكاً، جندُ الوصيِّ المرائي! فاستحلوا قتلَ البريء، فما يُبْ ... صَرُ إلاَّ مضرَّجٌ بالدماءِ وأديمٌ مخضَّبٌ وصعيدٌ ... قد علتْهُ نثارةُ الأشلاءِ إن تحت الدم المرقرقِ أفوا ... ها وطئ الأشلاءِ رجْعَ نداءِ تستفزّ النفوس للأَخْذ بالثأْ ... رِ وللانتقام للشهداءِ! والميامينُ لا تنامُ على الضي ... م ولا تستكينُ للأعداءِ ودماءُ الأحرارِ مَهْرُ المعالي ... وصَداقُ الحريَّةِ الحمراءِ!! اصعدي، اصعدي، فأنَّ الضحايا ... يا فلسطينُ سُلَّمُ العلياءِ القصص قصة مصرية قبلت زواجها للأستاذ دريني خشبة (الحوار في الأصل باللهجة المصرية) جلس (عم حامد) على حفافي الماء يغسل آثاراً من الدم الأحمر القاني في ملابسه، ثم توضأ وولى وجهه شطر القبلة وطفق يصلي. . . ولكنه كان يصلي صلوات غير منتظمة ولا متساوقة. . . فتارة كان يطيل الركوع جداً، وتارة كان يخطفه خطفاً. . . ومرة كان يطيل السجود حتى يظن أنه نائم، ومرة أخرى كان لا يكاد يمس الأرض جبينه حتى يستوي جالساً؛ وكان مرة يصلي ركعة واحدة ويسلم، ثم يصلي ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً. . . ومرة كان يستمر في صلاة طويلة لا تكاد تنتهي!. . . عشر ركعات أو خمس عشرة ركعة. . . وهكذا!! وكان يعود إلى الترعة فيتوضأ ويتوضأ، ثم يعود فيصلي ويصلي. . . وكان يرفع كفيه إلى السماء، ويعلق عينيه المغرورقتين بزرقتها، ثم يلهج بذكر الله، ويصلي على نبيه، ويكثر من قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله!!) ولكنه كان يكثر كذلك من قول: (عمر، عمر، عمر!) ثم يبكي بكاء مرا! وكان كلبه الأمين يُقعي بعيداً عنه، وينظر إليه ويتعجب! - (من عمر يا عم حامد؟ السلام عليكم!) . - (أوه! عبد الله! تعال يا عبد الله نصلي ركعتين لله!) . - (أي صلاةٍ الآن؟ باق على الظهر ساعة يا عم حامد!) . - (ساعة على الظهر! والله يا بني أنا فاكر أن لشمس لم تطلع بعد!) . - (لا يا عم حامد! نحن في الشتاء والغيوم تحجب السماء، ولكن من عمر الذي تناديه يا عم حامد؟) . - (عمر؟ عمر من؟ عمر بن الخطاب!) . - (وماذا تريد من عمر بن الخطاب في هذا البرد القارس؟) . - (لا شيء. . . فقط. . . ذكرته في جاهليته وقد خرج الفجرَ ليدس ابنته في التراب وكانت الطفلة تعبث بشعر ذقنه فينظر إليها ويبكي. . مسكين سيدنا عمر! كان له حق! كان له حق. - (كان له حق حين ذهب يدفن ابنته حية؟! يا للقسوة؟) . - (والله كان له حق يا عبد الله! البنات! آه من البنات يا بني!) . - (استغفر الله يا شيخ! مالك مضطربً هكذا يا عم حامد؟) . - (أستغفر الله!؟ صحيح! أستغفر الله، أستغفر الله) . - (الله أكبر. . . ما هذا الدم يا عم حامد!) . - (دم! أيّ دم؟ آه! هذا من جرح بسيط في ذراعي يا عبد الله) . - (وماذا جرح ذراعك؟) . - (وقعت على هذا الحجر وأنا أتوضأ، وكانت عنده زجاجة. . . هل بذرتم البرسيم؟) . - (بذرنا البرسيم؟ نحن (نعلف) بهائمنا منه وأنت تسأل عن بذره؟ ماذا بك يا عم حامد؟). - (لا شيء! اتركني يا عبد الله! أود أن أنام قليلاً، أنا متعب يا بني، لم أنم طول الليل. . .) . - (السلام عليكم يا عم حامد، كان الله في عونك! كان الله في عونك يا شيخ) . وانصرف الشاب الفلاح وفي قلبه وسواس يشغله؛ فهو لم يعهد عم حامد، الرجل الطيب، كما عهده اليوم شديد الحيرة بادي الارتباك مغبر الوجه؛ وعهده به الشيخ الهادئ الدمث المشرق الجبين الضاحك المُحَيَّا؛ ولكن الشاب مع ذلك لم ير أن يلحف حتى يقف على سر الفلاح الشيخ، الذي لا يوجد في القرية بأكملها من يصلي أكثر منه، أو يعطف على الضعفاء والمحتاجين كما يعطف هو على الضعفاء والمحتاجين. . . ثم تعب عم حامد من كثرة ما صلى وناجى ربه، فنام على الحشيش اليابس المنتثر في المصلى، وطرح فوقه ذلك (البشْت) الذي صنعه بيديه من الصوف الغليظ الذي لا يُرى الشيخ إلا وهو يغزله، واسترسل في سبات عميق ممتلئ بالأحلام المخيفة والرُّؤى الدامية. وأقبلت فتاة جريحة. . . فلاحة ساذجة، تضع فوق رأسها (طرحةً) من الشاش الأسود مسبلة على العنق الطويل المربوط برباط كبير من الشاش الأبيض انتفخ القطن من تحته ليدل على جرح كبير في مكان خطر؛ وربطت كذلك ذراعها اليسرى كما ربطت عنقها. أقبلت هذه الفتاة نحو المصَلى، ووقفت عند رأس عم حامد تنظر إليه في ذلة و؟ انكسار، وترسل من عينيها الدعجاوين دموعاً كالمطر حارَّة سخينة كأنها تفور من قِدْر تغلي. . . وكانت ثيابها البسيطة تزيد في جمالها الهادئ الحزين، وتبرز من الصدر ثديين ناضجين ينحدر عليهما الجلباب الفضفاض فيجعلهما كتماثيل مختار، وتبدي من أسفل قدمين صغيرتين بَلُّوريتين هدأ على كعبيهما خلخال كبير فضي تمتاز به أقدام الغيد الأماليد من قرويات مصر، وهو دائماً فتنة الأنظار في الريف المصري. على أن وجهها الشاحب المنزعج كان هو الآخر فتنة المفاتن! حاجبان رفيعان مقوسان تحت جبين ناصع فوق عينين كبيرتين حوراويْن، تضاعف سحرهما أهداب طويلة كحيلة، تلقي ظلالاً من الجمال المصري على الخدين البارزين المثمرين. . . كأنما خلقها الله محوراً لأمور جسَام تقع في ذلك البيت الصغير من تلك القرية الكبيرة البارزة في ريف المنوفية، توكيداً لخلق الفلاح المصري الذي يقدس العفاف في الفتاة، ولا يسمح أن يُفتَحَ قلبها إلا عن طريق أبويها. وكان عم حامد يتقلب على شوك أحلامه، ثم استيقظ فجأة ليرى فوق رأسه (ثُريّا) ابنته. . . ثريا. . . التي حسب أنه قتلها وعشيقها بمحشّته الكبيرة. . وفرك عينيه مرتين أو ثلاث مرات، ولكنه تأكد أنها هي. . . هي ثريا من غير شك. - (بنت؟. . .) . - (. . .؟. . .) . - (ثريا؟!) . - (أبي. . .) . - (وكيف تركت محمود؟) . - (حالته خطرة جداً. . . قد يموت بعد ساعات) . - (آه. . . يا رب. . . يا رب. . . يا لطيف! غفرانك يا لطيف!) . وصمت لحظة، ثم نادى ابنته. . . - (ثريا. . . سامحيني يا ثريا. . . سامحيني يا ابنتي. . . سامحيني. . . قولي الله يسامحك يا أبي. . . قولي. . . الله! لماذا تبكين؟ الجروح تؤلمك؟ لا، لا. . . ستشفى هذه الجروح إن شاء الله. . . تعالي يا ثريا، تعالي، اجلسي إلى جانبي؛ تعالي، أنت خائفة! اطمئني يا بُنَية! اطمئني. . . لقد غسل دمك ودم محمود كل ما كان في قلبي من غيظ. . . الله يشفيه محمود ابن خالي، هل كنت تحبينه يا ثريا؟). - (والله يا أبي لقد كان يبشرني بأنه سيخطبني إليك اليوم!) . - (لا حول ولا قوة إلا بالله! ولكن! على كل حل كان يجب ألا تسمحي له بتقبيلك. . . أنا ظننت، لا سمح الله، أن بينكما. . . (شيئاً حراماً) !). - (لا والله يا أبي، ما كان بيننا إلا كل طهارة) . - (لا عليك يا ثريا إذن. . . الله يشفيه يا بنية ويتزوجك وتتمتعان بشبابكما. . . لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا (أخطأت) لا ريب في ذلك. . . صحيح، أنا تسرعت. . . ولكن الحمد لله. . . لا بد أن أصلي ركعتين شكراً لله على سلامتك يا بنتي!). وذهب عم حامد إلى الماء وتوضأ ثم راح يصلي صلاة خاشعة هادئة منظمة. لقد كانت خلية من النحل تطن في رأس ثريا من أجل محمود، فلقد كانت تحبه، بل تعبده؛ ولقد كان يحاول أن يحملها بين ذراعيه الواهيتين الضعيفتين بعد أن فاجأهما عم حامد يتناجيان في منزله الخالي، فضربهما بمحشته تلك الضربات التي حسبها قضت عليهما، وغسلت عن عرضه عار الفضيحة التي زعمها تلحقه في ابنته. . . ولكن محموداً، القوي الجبار ذا العضل، عجز حتى عن حمل نفسه، لأن جروحه كانت أكبر، ولأن الدماء ظلت تتفجر منها وتنهمر، فسارت ثريا إلى جنبه تسنده على رغم ضعفها وإعيائها حتى بلغا دار حلاق الصحة القريبة، حيث وجداه يطبب فلاحين كثيرين ثمة، وحيث كان ابنه يضع (العَلَقَ) على أورام العجائز، أو يعالج الحمص في مرضى مساكين. - (عم أبا طالب. . وحياة أبيك تلحق، اربط جروح ثريا، و. . . جروحي بعد ذلك. . .) . - (لا. . . لا يا عم أبا طالب. . . الحمد لله. . . عليك بمحمود أولاً!) . ولم يكن أحد من المرضى الكثيرين في دار عم أبي طالب من أهل القرية لحسن حظ الجريحين، فكانا يتكلمان بجرأة وصراحة، وأراد عم أبو طالب أن يصيد سمك الجنة من دماء الفتى والفتاة، فقال: (الله أكبر، ما هذه الجروح؟ هذه جناية بالتأكيد! لا بد أن أُبلِّغ! سأبلغ الشرطة لضبط الحادثة. .) وترك ما يشغله من عمل بالفعل، ثم لبس معطفه الكحلي الكبير ويمم شطر الباب يوهم الجريحين أنه منصرف إلى مركز الشرطة للتبليغ عن الحادث. - (يا عم أبا طالب! يا عم أبا طالب! خذ من فضلك!) . وكان صوت محمود وهو ينادي حلاق الصحة ضعيفاً وانياً. - مالك يا سيد محمود؟ هذه جنية ولا بد أن أبلغ. . . ثم اقترب الحلاق من الجريح البائس الذي لم يكن يمتلك أكثر من عشرة قروش، ومد يده. - (هاك (بريزة) يا عم أبا طالب، ولما (أخف وتخف) ثريا. . .). - (بريزة! م شاء الله، والله إنها مسألة لا يكفيني فيها جنيه وغرارتان من الأرز. . .) . - (لك ذلك يا عم أبا طالب. . . أسرع وحياة أبيك) . ورفضت ثريا أن تضمد جروحها قبل محمود، وحاول محمود أن يؤثرها على نفسه ولكن الحلاق الذي لا يعرف هذه العواطف تقدم بقطع القطن والشاش القذر وصبغة اليود والمرهم، فضمد جروح الفتى، ثم جروح الفتاة). - (كيف حال محمود يا عم أبا طالب؟) . - (اسكتي، حالتك أحسن منه بكثير، مسكين، ربما لا يأتي عليه ثاني يوم يا. . . على كل حال الجنيه وغرارتا الأرز لا آخذهما إلا منك. . . وإلا. . . فالفضيحة إن شاء الله!!) - (ربنا يستر يا عم أبا طالب. . . إن شاء الله ربنا يشفي محمود، ويرى خاطرك) . وتركت ثريا حبيبها في منزل الحلاق وتهالكت على نفسها إلى الحقل لتلقى أباها، لأنها أعرف به، ولأنها واثقة أن ثورة الغضب التي سيطرت عليه لابد أن تكون قد هدأت وسكنت ريحها. . . ثم هي عارفة بورعه وتقاه وقلبه المؤمن الذي لا يحب لصاحبه أن يكون سافك دماء زكيه بغير جرم غير الظن، وكم من الظن ما هو إثم لو تدبر صاحبه. . . ذهبت إليه إذن. . . وكانت ألف فكرة تزدحم في رأسها طيلة الطريق. . . (تُرى؟ كيف أكلمه؟ وكيف أبدأ حديثي معه؟ هل سكن روعه؟ أم هو حين يراني ما أزال على قيد الحياة يثور ثائره ويتمم المأساة؟ آه يا ربي! أنحلم بالزواج وتأبى المقادير التعسة إلا الفضيحة؟. . ) . واختتم الشيخ المحطم صلاته، ونظر إلى ابنته بعينين رجراجتين تفيضان بدمع غزير، ثم دعاها لتجلس إلى جانبه فامتثلت ثريا، ودنت منه وقلبها يخفق وجسمها يرتجف، ثم جلست معه في المصلى، وبدلاً من أن يضغط بذراعيه على عنقها فيخنقها كما كان يخيل إليها، تناول رأسها لجميل فطبع على جبينها قبلة هادئة صامتة، وتحدرت دموعه على خديها، ثم جعل يرجو منها أن تسامحه! وصمت الوالد وابنته لحظة، ولكن صراخاً مرعباً ارتفع فجأة من جهة القرية، فنظرت ثريا، وهالها أن ترى نسوة متشحات بالسواد يجتمعن قرب الحارة التي فيها دكان الحلاق! - (أبي!. . أبي!. . محمود!. .) . - (محمود؟ ما له يا ثريا؟. . .) . - (مات!) . - (مات! لا حول ولا قوة إلا بالله. . . مسكين محمود!) . ومرّ غلام بهما مقبلاً من جهة القرية فسألاه: من مات؟ فأجابهما: (إنه محمود ابن عم حنفي. . مات عند حلاق الصحة من جروح في عنقه. . قتلوه! الله ينتقم منهم! قتلوه من أجل قفة ذرة!) . واسودت الدنيا في عيني عم حامد، وأيقن أنه ممض بقية حياته في غيابة السجن، وما كان أحوجه إلى نهاية مريحة ناعمة. . . أما ثريا، فقد انهدت قواها، وطار لونها، وامتلأت عيناها الجميلتان الحزينتان بأشباح الوحشة، وفكرت في أحلامها التي طاشت، فكانت تتراءى لها طيوراً سودا كالخفافيش تملأ الغرب الذهبي الذي أوشكت شمسه أن تغيب! - (أبتاه!) . - (نعم يا ثريا!) . - (لازم نروح!) . - (إلى أين يا بنتي؟) . - (هناك! عند. . . أل. . . (عزا ) ) . - (طبعاً يا بنتي. . . هي. . . لا عليّ أن يضعوا الحديد في يديّ! هذا أمر الله وقضاؤه! وإذا سألوك فيجب أن تعترفي بالحقيقة يا ثريا. . . لا حول ولا قوة إلا بالله. . . وسار الشيخ المسكين وسارت في إثره ابنته، حتى إذا بلغا القرية ويمما شطر منزل حلاق الصحة لم يجدا أثراً لجنازة أو نحوها، فظن عم حامد أنهم ذهبوا بالميت إلى مسجد لقرية للصلاة عليه، ولذلك انثنى ليأخذ طريقه إلى المسجد، ولكن رأسا برز من نافذة في باب الحلاق أخذ يناديه فجأة: (يا عم حامد. . . يا عم حامد. . . هات ثريا وتعال. . .) . ونظر الشيخ، فرأى الحلاق نفسه هو الذي يناديه، فذهب إليه وصمت لحظة وهو يرمقه، ثم قال له: - (أبا طالب! استرني يسترك الله! أنا ما صنعت ذلك إلا دفاعاً عن عرضي! هل بلّغت لشرطة؟) . - (اطمئن يا عم حامد، اطمئن، ولكن قبل كل شيء كم جنيهاً ستعطيني؟) . - (كل ما تطلب يا أبا طالب!) . - (خمسة جنيهات على الأقل يا عم حامد؟) . - (لك ذلك يا ولدي. . .) . - (تعال إذن. . . شرّف منزلي. . .) . ودخل الرجل. . . ودخلت في إثره ابنته، يحملان هموم الدنيا والآخرة! يا للعجب! ماذا يرى؟ هاهو ذا محمود. . محمود حي لم يمت! وهو يدخن لفافةً بشغف ولذة. . . وإلى جانبه مأذون القرية، ورجلان من أكرم رجالها. - (قبلت زواجها!) . - (قبلت زواجها!) . - (قولي يا ثريا. . . وأنا قبلته بعلاً لي!) . وتقدم الغلام الخبيث الذي كان أخبرهما أن محموداً قد مات، فسقاهم شراب الليمون المعطر بماء الورد. . . دريني خشبة البريد الأدبي نظريات في الحرب الجنرال لودندورف من أعظم قواد ألمانيا في الحرب الكبرى وأعظم الخبراء العسكريين المعاصرين، وله في الحرب ووسائلها وغاياتها نظريات خاصة بسطه في كتاب وضعه بعنوان: (الأمة أثناء الحرب) ، وقد ظهرت أخيراً ترجمة إنكليزية لهذا الكتاب بنفس لعنوان وفي هذا الكتاب يحمل الجنرال لودندورف على نظريات كلاوزافتش في الحرب، وخلاصتها أن السياسة يجب أن تكون أداة للمشرعات العسكرية، وأن هذه المشروعات يجب أن تكون طريقاً مباشراً للحرب؛ ومع أن نظريات كلاوزافتش تعتبر في كثير من الأمم ولا سيما إنكلترا نظريات متطرفة خطرة، فإنها تعتبر في رأي لودندورف لينة قاصرة؛ ذلك لأنها في نظره تفسح للسياسة مجالاً أكثر مما يجب، ولأنها لم تدرك أهمية السيطرة العسكرية المطلقة. وكل ما يسلم به الجنرال لودندورف من نظريات سلفه هو أن الحقيقة الخالدة في الحرب (هي حصر الأغراض العسكرية في سحق جيوش العدو خلال الحرب) . أم ما تبقى من نظريات كلاوزافتش فيرجع إلى ماض انقضى وحل محله عهد جديد. ويرى لودندورف أن الحرب الحديثة لم تبق حرب جيوش وقوى عسكرية فقط هـ وإنما هي حرب مطلقة تقوم على حرب الأمم ضد الأمم. ويجب بناء على ذلك أن تضع الأمة كل قواها العقلية والأدبية والمادية في خدمة الحرب، وأن تكون هذه القوة أثناء السلام مخصصة للحرب التالية. ذلك لأن الحرب في نظر لودندورف هي أعظم تعبير عن إرادة الأمة في الحياة، ولهذا يجب أن تكون السياسة عبداً مطلقاً للحرب وأداة مطيعة لها. ويرى لودندورف أن الحرب وسيلة لا غاية لها؛ ولهذا يجب أن تعد الأمة للحرب، وأن تكون دائماً على قدم الاستعداد له. ويرجع لودندورف هزيمة ألمانيا في الحرب الكبرى إلى الدعاية النصرانية والدعاية اليهودية، ويقول إن العقيدة النصرانية، والحياة التي تترتب عليها، لها أهم أسباب الانحلال القومي في الحرب المطلقة؛ ولهذا يجب أن تستبدل بهذه العقيدة أخرى تقوم على العقائد الجنسية، أو بعبارة أخرى تقوم على الإيمان (بألمانيا) وألمانيا وحدها؛ ومن ذلك تتفجر الوطنية الصحيحة. وتؤمن المرأة بأن أعظم واجباتها ينحصر في إنتاج أبناء أقوياء للأمة يحملون أعباء الحرب المطلقة، ويخصص الرجال كل قواهم لهذه الغاية. والخلاصة أن لودندورف يرى أن الغاية القومية المثلى هي أن يربى الشعب ويعد لغاية هي الحرب. كتاب عن لوبية نظمت في العام الماضي بعثة إنكليزية لتكتشف مجاهل صحراء لوبية بالسيارة، وأسندت رياستها للمستر كندي شو. وقد قطعت البعثة في جولاتها في الصحراء أكثر من ستة آلاف ميل؛ وأصدر أخيراً مستر ماسون هودر أحد أعضاء البعثة كتاباً عن هذه الرحلة الصحراوية عنوانه: (جنة الجهلاء وفيه يصف رحلة البعثة منذ قيامها بالسيارات من القاهرة واختراقها لصحراء لوبية جنوباً حتى الفاشر من أعمال السودان على خط ١٤ شمال خط الاستواء، ثم عودها إلى سواحل البحر الأبيض من طريق آخر، واختراقها (بحر الرمال الأعظم) الذي يغمر واحة سيوه. وقد كانت البعثة تجري في جولتها مباحث جيولوجية وجغرافية ونباتية وحيوانية لحساب الجمعية الجغرافية البريطانية التي جهزتها. وقد لقي أعضاء البعثة حتفه أثناء السير، وهو الكولونيل ستروث. ويغرق مستر ماسون في وصف أهوال الصحراء ويقول لنا: إن الإنسان في الصحراء يفقد حواسه الحقيقية، ويرى في السهل الشاسع، وفي ضوء الشمس الساطع، الأرض المنبسطة تغلي وتترنح في السراب، وتملأ العين هواجس متعبة؛ وتُرى أشياء لا توجد، على حين لا تُرى أشياء خطرة، وقد لا ترى حتى يقع المكروه. ويقول مستر ماسون: إن أغرب ما يلفت النظر وجود الحيوانات في هذا القفر الشاسع الذي لا توجد فيه قطرة من الماء؛ وكذلك مما يدهش الإنسان أن يرى في قلب الصحراء وادياً عجيباً تظله الأشجار الباسقة هو (وادي حوار) وهو واد لا يصل الماء إليه من أي النواحي. معلومات عن بلاد التتار وقعت في بلاد التركستان الصينية منذ ثلاثة أعوام حوادث عسكرية وسياسية خطيرة لن تتضح حقائقها لبعد الشقة وانقطاع المواصلات، ولكن جريدة (التيمس) الإنكليزية أوفدت إلى الصين مراسلاً خاصاً لها هو المستر بتر فلمنج ليقف على سير الحوادث بنفسه ويعلنها للعالم، فسافر مستر فلمنج إلى الصين، وانقطعت أخباره شهوراً عدة حتى ظن أنه قتل أو ضل؛ ولكن ظهر فيما بعد أنه اضطر أن يخترق الصين كلها من بكين إلى الغرب ليصل إلى مدينة كشغر عاصمة بلاد التتار (التركستان الصينية) ، وأنه نجح في مهمته، ودرس الحوادث والشئون في تلك الأنحاء درساً حسناً. وقد أصدر مستر فلمنج أخيراً كتاباً جامعاً عن رحلته بعنوان (أنباء من بلاد التتار ويستخلص من رويته أن حكومة سنكيانج (التركستان الصينية) التي يرأسها الجنرال شنج واجهت ثورة خطيرة قام بها التتار والتونجان، وكادت الثورة تكتسح كل شيء لولا تدخل السوفييت العسكري ومعاونتهم للجنرال على تثبيت أقدامه؛ وكان الجنرال شنج قد قبض على زمام الحكومة منذ سنة ١٩٣٣، وأرغم حكومة نانكين الصينية على الاعتراف بمركزه. والآن يسود حكم الجنرال شنج في معظم بلاد التتار، ولكن السلطان الحقيقي في يد السوفييت الذين يحتلون مراكز السلطة في البلاد كلها، ويحاذر السوفييت الآن من بث الدعوة الشيوعية في بلاد التتار، ولكنهم يبعثون أبناء الكبراء والموظفين في كل عام مجاناً إلى طشقند ليتعلموا في مدارسها، ويعدون بذور دعوتهم من طريق النشء. وكتاب مستر فلمنج جدير بالقراءة، لأنه يتحدث عن بلاد شرقية لا نعلم الكثير من شؤونها. وقد كتب بأسلوب شائق. النشيد القومي - (الغلطة الثانية) نبهنا إلى الغلطة الأولى في هذا النشيد الذي يراد فرضه على مصر، وطلبنا الرد عليها وانتظرنا ثلاثة أسابيع فلم يرد أحد، وعلى ذلك فقد سلموا بها تسليماً تاماً بلا قيد ولا شرط، وأصبح قول ناظم النشيد: (سأهتف باسمك ما قد حييت) كاملاً معكوساً فاسداً يخالف العربية والعامية. والآن نذكر الغلطة الثانية، ونحن على يقين أن صاحب المعالي وزير المعارف الرجل العالم والأديب سيكتفي بالغلطتين. أما القراء فلابد أن ينتظروا إلى نهاية العدد. يقول ناظم النشيد: غرامك يا مصر لو تعلمين ... قصارى شعوري (دنيا ودين) قصارى شعوري معناها غاية شعوري ونهاية شعوري. ومن الطريف أن بعض قراء الصحف قرأ هذه الكلمة (قَصَارِى) بفتح القاف وكسر الراء! ولكن ما هو إعراب (دنيا ودين) ؟ أهي مرفوعة؟ لا. أهي مجرورة؟ لا. إذن هي منصوبة ولا وجه لنصبها إلا على التمييز، فهل تصلح تمييزاً أولاً؟ يشترط في التمييز أن يكون رافعاً لإبهام. والشعور هنا جنس مبهم يحتاج إلى تمام يفسر معناه، كالحب أو الكره أو الغضب وغير ذلك من أنواع الشعور. ولكن (الدنيا) ليست من أنواع الشعور فلا تصلح لرفع الإبهام عنه وتفسيره إلا إذا صح أن يقال: غرامك ي مصر غاية شعوري قمحاً وبناً وسكراً، أو نهاراً وجبالاً وحيواناً وسماء وأرضاً. وهذا كلام فاسد لا معنى له. ثم أن الدين ليس شعوراً، بل هو عقيدة وعمل، فهو كذلك لا يصلح للتمييز هنا؛ وإذ صلح فأي مسلم يتجرأ على أن يعتقد أن غاية الشعور ونهايته من الدين الإسلامي غرام مصر؟ إذا اعتقد المسلم هذا ونادى به فهو زائغ العقيدة، ويكون النشيد القومي ضلالة يجب محوها، ويحرم على جميع المسلمين أن يقبلوه. وإذا أريد من (دنيا ودين) الحياة الدنيا والحياة الأخرى كان هذا أقبح وأسخف. وأي مسلم يتجرأ على أن يقول: إن غرام مصر غاية شعوره من الحياة الآخرة؟ س. ط بكلية الآداب أقصوصة حب اللحم علقت الرسالة على أقصوصتي (حب اللحم) تعليقاً فهمت منه أنها لم تفطن للسبب الذي من أجله آثرت هذا الحل الذي لم يرقها والذي (لا يرضي الخلق الجميل) على حد تعبيرها - ولعل الأستاذ المحترم صاحب التعليق فاته أن (روحية) هي بطلة القصة، وأنها لم تكن موافقة على تلك الجريمة التي دبرها صلاح. ولذلك قالت له: (حرم عليك يا صلاح. . .) ثم راعها أن تسمع السيارة تنقذف في النيل، فقالت: (وَيْ. . . اسمع! لقد انقذفت السيارة في الماء!!) فلما قال لها صلاح: (بمن فيه طبعاً!) لم تزد على أن قالت: (يا للقسوة!!) وقد أخطأ الصفاف، فجعلها (يا للقوة) مُسْقِطاً السين. وأحسب الأستاذ صاحب التعليق يعلم أن بطل القصة عادة يحمل رأي الكاتب وإن لم يكن هذا شرطاً غاماً، فقد تكون القصة كلاًّ لا يتجزأ، وقد تكون - بل ينبغي أن تكون عادةً - درساً يرمي إلى غرض ما. ومن سياق القصة تحس الكراهية الشديدة لقصر العلاقة بين الزوجين على الجنس دون القلب، وكان بيومي أفندي رمز الجنس في القصة، وكان صلاح رمز الروح فيها. فأي شيء لا يرضي الخلق الجميل في أن ينتصر الروح على الجنس ويقذف به في النيل؟ واحسبني أهيج زعماء ثقافة اليسار إذا قلت إن القانون لجنائي في الشريعة الإسلامية معطل في مصر، فكيف يكون القصاص من زوج زان وسكير ومبذر تضبطه زوجته غير مرة زانياً وسكيراً ومبذراً؟ هل تملك تطليقه؟ هذا ولا يفوتني أن أعتب على صاحب التعليق أسلوبه، فأنني لا أنشد بقصصي الكثيرة إلا خُلُقاً جميلاً. دريني (الرسالة) نوافق الأستاذ الدريني على أنه ينشد بقصصه الخلق الجميل، وهو ولا شك يوافقنا على أن الدين والقانون هما جوهر الخلق الجميل، والدين يأذن للزوجة المضرورة أن تطلب الطلاق وتثبت الضرار فيحكم القاضي بالتفريق، والقانون لا يجيز لحبيب الزوجة ولا لغيره أن يقتل الزوج وعشيقته على هذه الصورة. الكتب الحياة الجديدة تأليف الأستاذ نقولا يوسف للأستاذ دريني خشبة للأستاذ سلامة موسى في مصر مدرسة عرف تلاميذها بالدؤوب والنشاط الذهني، وهم جميعاً من الشباب المثقف المتشوّف دائماً لمستقبل حافل مليء بالأماني والآمال والأحلام. وهم دائما يفخرون بأنهم يمثلون ثقافة اليسار في مصر خاصة والشرق عامة، ومن هنا نزوعهم إلى الثورة في تفكيرهم، ومن هنا أيضاً تبرمهم بثقافة اليمين وتحرشهم بزعماء مدارسها. ونحن لا يسعنا إلا أن نمتدح تلاميذ هذه المدرسة بالرغم مما يتورط فيه بعضهم من البذاء والتطاول، وبالرغم من أن الأستاذ سلامة نفسه يفسح في مجلته لهذا البعض من السفهاء مجالاً واسعاً يهرجون فيه تهريجاً لا يتفق ومقام الأستاذ ومكانته الرفيعة في نهضة هذا البلد. بيد أن للأستاذ تلاميذ بارزين، استطاعوا بعد كفاح عظيم وجهد متصل أن يفسحوا لأسمائهم أماكن ظاهرة في محيط التفكير المصري. ولعل من أفضل هؤلاء التلاميذ لأستاذ المفكر المطلع صديقنا (نقولا يوسف) الذي أخذ نجمه يتألق في السياسة الأسبوعية، ثم في عشرات من المجلات والصحف والأندية، عُرف فيها جميعاً بسمو الغاية في تفكيره وحرارته الوطنية في حبه لمصر، ومحاولته دائماً الاندماج في الأوساط المختلفة ليترك فيها خمائر من ذهنه الخصب وثقافته الواسعة واطلاعه الشامل. ولقد بدا للأستاذ الصديق أن يجمع كل ما كتب، ويصدره في مجلد حافل غني (عن دار المجلة الجديدة) وكتب إلي يسألني عن رأيي في كتابه هذا. . . ولا أحسب في ذلك توريطاً لي من قلمه البارع يجعلني أثني على عمله الثناء كله من دون أن أعرض لبعض نواحي الكتاب بنقد شديد يكاد يشبه الذم. جمع الأستاذ فصوله القيمة وجعلها في ثلاثة أبواب، أولها (بحوث عالمية) من مثل (فن الحياة، الإنسانية بين الحرب والسلم، في الوحدة العالمية، في الأدب الجديد. . . الخ) . وثانيها (شئون مصرية) من مثل: (في الأدب المصري. الكاتب المصري بين البيئة والوصف، تجديد الموسيقى المصرية، احتضار الحجاب، الفلاح، وتجديد القرية. . الخ) . وثالثها (دراسات أدبية وفنية) من مثل: (في الفن الإغريقي، شعراء الأرستقراطية، في الأدب الهندي، ساعات مع بوذا وطاغور وملتون وشالي، ولز والعصر الجديد. . . الخ) . ولست أدري لماذا حشد الأستاذ كل هذه الفصول في كتاب واحد؟ ولم لم يصدرها في ثلاثة كتب حتى يكون من الممكن أن يستقل كل منها بفكرة متحدة وغاية واحدة؟ إن الكتاب كبير ضخم، وهو بضخامته غير المتناسبة يتخم القارئ ويصده عن متابعة القراءة، خصوصاً وأكثر القراء كسالى، وأكثر بحوث الكتاب دسمة غزيرة الفكر، والكتاب ليس قصة يغري أولها بآخرها، ولكنه حشد من الآراء التي لا يربطها في الظاهر أي رابط، وإن رَمَت في النهاية إلى التثقيف العام. إن القسم الثالث من الكتاب، وهو أمتع أقسامه الثلاثة، كان يمكن أن يكون كتاباً مستقلاً يكاد لا يكون له نظير في المكتبات العامة. وإن أي بحث من بحوثه ليشهد للكاتب بسعة الاطلاع وعظم الجهد الذي عانى في كتابه بعد تحضير مواده الكثيرة. . . فالبحث الأخير مثلاً (ولز والعصر الجديد) هو عصارة شهية لهذا الكاتب الإنجليزي المأسوف عليه، لقي في إعدادها حضرة الكاتب كل عناء ومشقة؛ ويكفي أن تعرف أنه تناول أكثر كتب ولز، فلخصها وشرح لك طريقته في كتابة كل منها؛ لتعلم أي جهد جبار كان يبذل أديبنا عندما اعتزم كتابة فصوله في هذا القسم الثالث من الكتاب. ومثل هذا الفصل لا يمكن أن ينتهي منه الكاتب في أقل من شهر تقريباً. أفليس من الحرام إذن أن يجتمع ذلك البحث الكلي و (شؤون مصرية) أو (تأملات على شاطئ البحر) في كتاب واحد؟! ما لولز وما لهذه الموضوعات (وليست المواضيع يا أستاذ نقولا!) الإنشائية يا صديقي؟ ما لولز وتنيسون وطاغور وبوذا وأندريه شينيه وهوراس. . . وما لخواطر في مقبرة وخواطر في حديقة وخواطر في الطريق وفي العمل؟! أفلم يكن أخلق بهذه التراجم العالمية أن تستقل في كتاب واحد يكون له خطره وفائدته؟! وقل مثل ذلك في القسمين الآخرين. هذا من حيث شكل الكتاب، وإن يكن إغفال الصور - خصوصاً للمترجم لهم - قد شوه بعض جمال هذا العمل. أما من حيث موضوعه، فأكاد أمدحه (على طول الخط) لولا هذا الغلو في الدعوة إلى العالمية في زمن تقوم فيه دكتاتوريات تريد أن تلتهم العالم وتذل الحريات. أجل، إن الإخاء الإنساني الذي يراد أن يشمل قارات الأرض جميعاً حلم جميل، ولكنه في زمننا هذا يعتبر حلم الضعفاء والنَّوْكي والمهزومين؛ ونحن في عصر تنشد فيه مصر من أبنائها وطنيةً حادةً متأججة، وطنية الدبابات والطائرات والغازات السامة التي هي أسلحة هذا الزمان الظالم المقاحم. . . الزمان الذي شهد بعينيه الكليلتين سقوط عرش أسد يهوذا تحت سنابك نيرون! أنا أعرف أن الأستاذ نقولا رجل الأحلام والشعر والموسيقى، ولن أنسى مطلقاً رنين كلماته في أذني في ليالي أسيوط المقمرة. . . ولكني أوقظه في غير رحمة ولا عطف، ليقرأ بعينيه النفاذتين بنود المعاهدة المصرية الإنجليزية، والبرقيات المخيفة المزعجة عن تسلح الدول. لنعطف ولتسِلْ نفوسنا رقة ورحمة، ولكن على المصريين. . على أنفسنا. . . أما على الثعابين والعقارب، فلا! وليثق الصديق نقولا أن ولز الذي مات فلم يشعر به أحد، كما مات توماس مور فلم يشعر به أحد كذلك، لا بد أنه ندم على جميع طوبوياته التي كتبها. وليفكر الصديق نقولا أيضاً في مصر اليوم فقط، أو إلى ما بعد عشرين سنة فحسب. . . أما في العالم بعد ألفين سنة، فهذه أضغاث أحلام. . . عمل جليل لا شك يستحق من أجله نقولا يوسف ألف تهنئة، وهدية سنية من المجلة الجديدة. دريني خشبة
1- Encyclopeida Brit 2- Samuel Johnson's journey to the western islan of scotland 3- Dr. D. Hyde's Who were the Finians? 4- Alexander Machian's Transactions of the Gaelic Society of Galsgow 5- Cambell of Istoy's Popular Tales of the west Highlands 6- Sir J. Sinclair's Dissertation on the authenticity of the poems of Ossian (1806) 7- The Poems of Ossiant, tr by James Macpherson, with nones introduction by william sharp (edinburght- 1926) 8 charles D. Warner's Library of the world's best literature, Voll. III 9- Prof. Byron Smith's Lecturesoon the Hist. of Eng. Lit. in the American University of Birut. 10- Harvey's Oxford Companion to Eng. Lit

