الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 42الرجوع إلى "الثقافة"

آثار الآسرة الأولى بسقارة

Share

في بدء الموسم الماضي لأعمال الحفر في نوفمبر سنة ١٩٣٨ جلست مع زميلي المستر إمري نتحدث عن توفيقنا في الموسم السابق بالعثور على مقبرة الملك ( حور احا ) الذي يطلق عليه المورخون اسم مينا او ميتيس أول من ضم مملكة الشمال إلي مملكة الجنوب ، فأصبح بذلك أول ملك حكم على المملكة المصرية من أقصى الجنوب إلي اقصي الشمال . جلسنا نتحدث عما لدينا من براهين دامغة تفوق بكثير ما ارتكن عليه علماء الآثار الذين سبق لهم الحفر والكشف الاثري ، وقالوا إن مقبرة الملك مينا قد وجدت في العراب المدفونة ، وكيف انهم كانوا موقتين من ان مدينة العرابة المدفونة ( ابيدوس ) هي المقر الذي كان يدفن فيه ملوك الأسرة الأولى .

ولكن كشفنا عن مقبرة أول ملك من ملوك الاسرة الأولى في سقارة ، ومن قبل ذلك عثورنا على مقابر كبيرة الحجم جدا لموظفين كبار تقلدوا الوظائف العليا في عهد الملك " أوديمو " أو " دن " خامس ملوك الأسرة نفسها ، وكذلك مقبرة موظف من عهد الملك عدزإبب من نفس الأسرة ، وآخرين من عهد الملك كاع آخر ملوك الأسرة - كل هذا جعل الشك ينطرق إلى النظرية القديمة القائلة بأن مدافن الآسرة الأولى لم تكن بسقارة ، بل كانت في العرابة المدفونة .

وقد كانت المقابر التي دفن فيها الموظفون من عهد الملك ( أوديمو ) كبيرة الحجم جدا . وعدد هذه المقابر ثلاث يجاور بعضها بعضا ، وكانت الأولى للوزير حماكا ، وكان عدد الحجرات التي على سطحها ثلاثا واربعين ، ومن

حسن الحظ أن عثرنا في كثير من هذه الحجرات على قطع أثرية ثمينة تعتبر من آيات الفن ، إذ لا تقل قيمتها من حيث الصناعة والفن عما صنع في أرقي عصور الحضارة المصرية ، أى في عصر الآسرتين الرابعة والخامسة ؛ وجميع هذه الآثار موجودة في المتحف المصري . والمقبرة الثانية كانت للوزير ( عنخ كا ) ولو انها اقل من سابقتها في عدد الحجرات ، إذ تبلغ ثمانيا وثلاثين فقط ، إلا أن بناءها يعتبر من إبداع الفنان المعماري في هذا العصر السحيق ؛ وأغرب ظاهرة في هذه المقبرة انها كانت ذات ثلاث طبقات ، مفروشة بالخشب على أحدث طراز . أما المقبرة الثالثة فكانت لموظف يدعي ( نيت كا ) وفكرة بنائها تخالف المقبرتين السالفتين، إذ بناها صاحبها على شكل الهرم المدرج ، فغير ذلك ما كان يزعمه علماء الآثار من قبل أن فكرة التدرج في البناء لم تعرف إلا في " الأسرة الثالثة " عند بناء هرم سقارة المدرج .

ومما لم يكن يعلمه رجال الآثار - إذ لم يسبق العثور علي يؤيده - عبادة العجل ابيس في الأسرة الأولى . فقد كان من الراسخ في الأذهان ان عبادة العجل ابيس ابتدات في الأسرة الثانية أيام الملك " نسترمو " أو " نترإن "  ولكن بعد ان عثرنا على لوح صغير من الحجر الجيري عليه رسم هذا الحيوان المقدس في إحدي حجرات مقبرة الوزير ( حما كا ) لم يبق للنظرية الأولى ما يسندها ، وثبت بالدليل المادي أن عبادة ابيس بدأت في الاسرة الأولى ، او انها كانت معروفة في الأسرة الاولى ، إذ ربما كشف البحث عن وجود هذه العبادة من قبل .

ولما كانت السفن المقدسة قد وجدت في الأسرة الرابعة ، فقد ظن كثير من العلماء ان عبادة الإله رع بدأت في الأسرة الرابعة فقط . ولكن عندما وجدنا مقبرة الوزير ( عنخ كا ) عثرنا في الجهة البحرية منها على سفينة من هذا النوع ، كان لابد من وجودها بجوار المقبرة كي يشترك الميت بها في موكب الإله رع ، ويكون بذلك في ركابه . وهذا دليل على ان عبادة الإله رع كانت معروفة أيام الأسرة الأولى .

ولرب معترض يقول إن وجود سفينة واحدة لا يكفي لإثبات نظرية مهمة كهذه . ولعل من حسن التوفيق اننا قد عثرنا على سفينة ثانية في الجهة البحرية من مقبرة الوزير ( حما كا ) بعد إعادة البحث حولها لظروف نرجو أن تتمكن من الكلام عنها في مقال آخر . ولم نلبث ان عثرنا على سفينة ثالثة في الجهة البحرية من مقبرة الملك " حور أحا " أول ملوك الأسرة الأولى . وأظن أن في وجود هذه السفن الثلاث اكبر دليل على صحة النظرية الجديدة وجعلها ارسخ قدما مما كنا نظن ؛ إذ وجدت القوارب المقدسة هذه عند بدء الاسرة الاولى ، وكذلك استمرت إلي عهد الملك الخامس " أوديمو " .

بدأت مقالي هذا بأننا كنا نتحدث عن العثور على مقبرة الملك ( حور آحاا ) واننا كنا نؤمل في أن نوفق إلي العثور على مقبرة ملك آخر من ملوك الأسرة الأولى أيضا . ولقد كان أملنا ضعيفا جدا في تحقيق ما كان يجول بخاطرينا إلا أن حياة المشتغلين بالكشف من رجال الآثار مليئة بالمفاجات . وقد يكون بعض هذه المفاجات مؤلما يحز في النفس ، كما أن بعضها مفرح .

ولكن كانت المفاجأة التي قوبلنا بها من النوع السار . إذ لم تمض وقت طويل بعد حديثنا حتى عثرنا على مقبرة

الملك (جر او زر) الذي يرتبه علماء الآثار الثاني بعد الملك ( حور أحا ) أول ملوك الأسرة الأولى .

وكان من حسن الحظ - رغم احتراق المقبرة - أن عثرنا في إحدي الحجرات التي تلي حجرة الدفن مباشرة على عدد عظيم من الأواني النحاسية والأدوات والآلات وأهمية هذا الكشف هي في عثورنا على أشياء لم يسبق ان عثر أحد العلماء على شيء يماثلها ، اللهم إلا مرسومة فقط فوق جدران المقابر في الأسرات الثالثة والرابعة والخامسة وما بعدها . اما العثور على هذه الأشياء نفسها فقد كان يعتبر ضربا من الخيال ، إذ ظن كثير من علماء الأثار ان مصر لم تكن تعرف مثل هذه الأدوات إلا بالتخيل فقط .

ومن بين هذه الأشياء سيوف دقيقة الصنع رقيقة الطرق ، لها ايد من الخشب ، وخناجر على احسن ما تكون صنعة الخناجر ، ذات مقابض خشبية . ثم هناك كثير من

السكاكين والفؤوس والقواديم والمثاقب . وكل هذا في أعداد كبيرة .

أما الأواني النحاسية فمن بينها أباريق ذات صنابير قد ثبتت في الأواني بمسامير دقيقة من النحاس أيضا . وأطباق مختلفة الأشكال والأحجام لا تقل عن أطباق هذا الزمن في شئ . ولعل اغرب ما وجد بين هذه الأشياء جميعا إبر الخياطة . فقد وجدنا ما يزيد على المائتين من هذه الإبر ، ذوات أحجام كبيرة ومتوسطة وصغيرة . وقد بلغ بعض الإبر من الصغر حدا كبيرا ، حتى إنه ليحسب وصفي له بذلك على سبيل المبالغة . أما ثقوب هذه الابر فإنها تجعل الإنسان يطيل الفكر في دقة الخيوط التي كانت تستعمل في هذه العصور السحيقة في أعمال الخياطة والتطريز .

اشترك في نشرتنا البريدية