ذكرت في مقالي السابق أنني أرجو أن أكتب عما عثرنا عليه حول مقبرة (حما كا) بعد إعادة البحث حولها من جديد ، وكشفنا عن المركب المقدس الذي كان في الجهة البحرية منها ، وكنا نظن أنه لم يبق من الصطبة شيء لم تكشفه ، وعلى هذا الزعم نشرنا مؤلفا خاصا بها ؛ ولكن بعد عثورنا على هذا المركب ، او بتعبير اصح على ما بقي منه ، رأينا ان نقوم بالبحث حول الصطبة من جميع جهاتها .
وقبل أن أتكلم على ما عثرنا عليه ، أري من واجبي أن أفسر للقارئ الكريم كلمة مصطبة وكيف استعملت أنا كلمة مصطبة هذه فهي الكلمة التي تطلق على المقاعد الكبيرة المستطيلة الشكل التي يبنيها القروبون عادة بجوار منازلهم في الريف ، ولعل اشهر مصاطب القرية مصطبة العمدة ، فلما كان ماريت باشا يقوم بالحفر في منطقة سقارة عام ١٨٥١ ، كان العمال عند كثفهم عن الحزه الظاهر المقبرة وهو مستطيل الشكل لا يرتفع كثيرا عن الأرض ، كان هؤلاء يطلقون اسم مصطبة على هذا الجزء ، فكان ان استعمل ماريت باشا هذه الكلمة وتبعه في استعمالها جميع علماء الآثار الأجانب ، ووضموها في مؤلفاتهم كما هي على اختلاف لغاتهم
وهناك حكثير من الأسماء التي أطلقت على الأثار وأصبحت مشهورة بعرفها الجميع ، والعمال هم مصدر هذه التسمية وليس العلماء . وأظن أن كثيرا من الناس قد سمعوا بتمثال شيخ البلد ، إن لم تكن قد سمحت لهم
ظروفهم برؤيته في دار الاثار المصرية . ولم يكن هذا التمثال إلا لعظيم من عظماء الأسرة الرابعة ، عثر عليه ساريت باشا بدهشور ، فما إن راء العمال حتى صاحوا : (هذا شيخ البلد)، فلما سألهم ماريت باشا عن السر في هذه التسمية اخبروه ان هذا التمثال يشبه شيخ بلدتهم إلي حد بعيد ، فكان أن أطلق هذا الاسم على التمثال وعرف به
ولنرجع الآن بالقاريء الكريم إلي المصطبة التي نحن يصدرها فنجدانها كانت مكونة من جزأين . جزء سفلي يصل إليه الإنسان بدرج بني جزء منه بالطوب اللبني (الذين) وتحت الباقي في الحبل ( طبقة الأرض الجبلية ) حتى ينتهي في حجرة كبيرة تحتت في الجبل وبها ثلاثة أبواب يصل كل منها إلي حجرة متوسطة الحجم . وكانت هذه الحجرات الثلاث معدة لدفن صاحب المصطبة وما معه من الاثاث الجنأزي ، وقد كشف هذا الجزء من قبل ووجد مسروفا أكثر من مرة .
أما الجزء الثاني فهو جزء المقبرة الظاهر فوق الأرض والذي سميت المقبرة من أجله بالمصطبة لما بينهما من تشابه ؛ وهذا الجزء مستطيل الشكل طوله حوالى خمسة وسبعين مترا ، وعرضه قرابة الستة والعشرين . وقد بنيت جهاته الأربع على شكل البراويز التي يسميها رجال الآثار الأبواب الوهمية ، وكان الاعتقاد السائد ان هذا الجزء اصم ، حتى أعدنا البحث فوجدناه بحوي مخازن كان عدوها في الأصل ثمانية واربعين تهدم منها ثلاثة وقد وجدنا من هذه المخازن ثمانية وعشرين خالية تماما ، ووجدنا بالسيعة عشر
الباقية بعض ما تركه اللصوص ، ولم نعرف بالضبط كيف ترك اللصوص هذه التحف ؛ وأكبر الظن انها لم تكن في نظرهم ذات قيمة ؛ والمعروف لدينا انهم كانوا يبحثون بصفة خاصة عن المعادن وأهمها الذهب .
ومن أهم ما عثرنا عليه مخازن وضعت فيها مئات من أواني الفخار الكبيرة الحجم ، ذات سدادات مخروطية الشكل من الطين . وليست أهمية هذه المخازن لما احتوته من الأواني وإنما لما عثر علي سداداتها من الكتابة الهيروغليفية التي تعتبر عند رجال الآثار أهم من أي تحفة أثرية . إذ بقراءة ما كتب على هذه السدادات يمكن معرفة اسم صاحب المقبرة والزمن الذي عاش فيه ، وفي كثير من الحالات اسم الملك الذي كان يعاصره . فلما قرآنا ما كتب فوق هذه السدادات عرفنا ان صاحب المقبرة كان من كبار الموظفين بدعي " حما كا " . وكانت له بعض الألقاب (كحامل أختام الملك ) و " المتربع في
قلب "الملك" أي المقرب إليه . وكان يعيش في أيام الملك " أوديمو " أو " دن " .
أما المخازن الباقية فكانت بها مجموعات مختلفة ذات قيمة فنية ، لم يعثر علي مثيل لها بين الآثار التي وجدت من قبل ، وكان بينها بعض الآثار عليها اسم " مما كا " . وقد غير هذا الكشف رأي علماء الآثار الذين كانوا يعتقدون أن الفن في الأسرة الأولى كان في نشأته الأولى ، وأصبحوا بعد ذلك يرون رأيا غير هذا الرأي ؛ وقد سلم كثير منهم بأن لابد هناك حضارة سابقة لهذه الحضارة العظيمة ؛ فما لا يقبله العقل أن تكون أمثال هذه التحف النادرة بدء الفن ، بل لا بد من أجيال طويلة سبقته نشأ فيها وتطور حتي رقي وازدهر .
وقد ذكرت في مقالي السابق أمثلة من هذه التحف ، وجميعها الآن معروض في إحدي قاعات دار الاثار المصرية . كان عثورنا على هذه التحف عام ١٩٣٦ ، وفي الموسم
التالي انتقلنا إلي مصاطب أخري ، وما عتمنا أن عثرنا على المركب الذي ذكرناه سابقا ، فرأينا أن نعيد البحث حول الصطبة من جديد ؛ وبينما كنا نعمل في الجهة القبلية
(الجنوبية) منها عثرنا على قبر صغير ( لحد) تبينا أنه لشخص من العامة لفقره . وقد لفت أنظارنا أن الطوب الذي بني به هذا القبر يشبه كثيرا الطوب الذي بنيت به المصطبة الكبيرة ؛ وكذلك كان الشبه عظيما بين أواني الفخار التي وجدت وتلك التى وجدت في المخازن . كل هذا شجعنا على توسيع نطاق الحفر حتي عثرنا على صف من المقام الصغيرة يفصل الواحدة عن الآخرى جدار رقيق من الطلوب ، وكلها متشابهة بنيت على نمط واحد ؛ وقد بلغ عدوها تسع عشرة مقبرة ، هدمت المصاطب المتأخرة منها خمسا ، وكانت في كل منها جثة ملفوفة لفا محكما في قماش رقيق ، وموضوعة في صندوق صغير من الخشب على جانبها الأيسر . وكان الجسم موضوعا بحيث يمثل الجنين أي كمن يجلس الفرقصاء . وقد وضع خارج كل صندوق عشرة آنية من الفخار أسطوانية الشكل صغيرة الحجم . وإناء كبير الحجم من الفخار يظن أنه كان للخمور ، وقد وجد في بعض هذه القبور أطباق من الفخار وفي بعضها آنية بها فواكه .
وقد اتضح من البحث أن هذه القبور الصغيرة جميعا بنبت في وقت واحد ، ودفن بها الموتى في وقت واحد ؛ إذ وجدت فوقها جميعا طبقة من الطلوب الذي استعمل في بناء المصطبة الكبيرة ، وهذه الطبقة من الطوب تمتد من إفريز المصطبة وتغطي القبور الصغيرة ونتهي وراءها . وليس هناك إلا تعليل واحد لهذا كله . وهو أنهم بعد أن أنموا بناء الصطبة ودفن بها صاحبها قتل عدد من خدمه ، ودفن في هذه القبور الصغيرة ليقوم بخدمته في العالم الآخر كما كان يقوم بخدمته في حياته . وقد زودوا جميعا بما يلزمهم في حياتهم الثانية .
وعثرنا في الجهة الشرقية للمصطبة على صف آخر من القبور الصغيرة تشبه القبور التي في الجهة الجنوبية من المصطبة إلا أنها أصغر منها حجما . ولم يبق بهذا الصف إلا أحد عشر قبرا فقط . وجدنا بالثلاثة الأولى منها جثث طيور لفت في قماش رقيق ووضت في صناديق صغيرة من
الخشب . كما وجدنا في سبعة قبور أخري جثث كلاب ملفوفة في قماش أيضا ، وموضوعة في صناديق من الخشب ، وقد وضع في كل قبر إناء من الفخار الأسطواني الشكل أما القبر الحادي عشر ، ويقع في آخر الصف ، فقد عثرنا فيه على جثة شخص دفن كالأموات الذين عثرنا عليهم في
الجهة الجنوبية وكان معه انيه من الفخار كالتي وضعت معهم أيضا وكانت الارض التي تمتد من افريز المصطبة تغطي هذه القبور وتمتد الى ما وراءها ايضا ومن المرجح
إن هذه الطيور والكلاب لم تكن إلا طيور حماكا المحببة الية وكلابه التي يعتز بها وما الرجل الذي وجد مدفونا بجوارها الا حارسها دفن بقربها ليسهر على خدمتها في العالم الاخر كما كان شأنه معها في حياته
ومما جعلنا نفكر في أن هؤلاء الموتى لابد وأنهم قتلوا يوم وفاة "حما كا"ودفنوا معه ، و كذلك الطيور والكلاب ،
أنه من غير المعقول أن يموت عشرون رجلا وخمسة طيور (١) وسبعة كلاب موتا طبيعيا في يوم واحد . ولما كانت المصطبة قد تم بناؤها وجهزت بالمخازن والحجرات لتوضع فيها جثة صاحبها عند وفاته ، وكذلك أثاثه الجنائزى ؛ فلا يدعن أن تكون القبور الصغيرة قد بنبت ودفن بها الخدم والطيور والكلاب وحارس الطيور والكلاب يوم وفاة " حما كا " ليكونوا في صحبته ، وليقوموا علي خدمته في الحياة الثانية التى كان قدماء المصريين مهتمون بالأستعداد لها استعدادا كبيرا ، إذ كانوا يعتقدون أن حياتهم فوق الأرض ما هي إلا فترة قصيرة ، أما الحياة الحقيقية الطويلة فهي حياة الخلود في العالم الآخر .
ولعل الأصل في وضع التماثيل الصغيرة المعروفة باسم " المجاوبين " وتماثيل الخدم والحيوانات الأخرى المحببة إلي الإنسان ، في مقابر الملوك والأفراد ، ابتداء من عصر الدولة الحديثة ، كان لاجتناب تضحية هؤلاء الخدم والحيوانات أنفسها ، وإلا كتفاء بقيام هذه التماثيل بالغرض المطلوب بعد قراءة بعض التعاويذ السحرية .

