الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 457 الرجوع إلى "الرسالة"

آثار من أولية الشعر

Share

قرأت ما كتبه الأستاذ الفاضل عبد العظيم قناوي في العدد    (٤٥٠)  من مجلة   (الرسالة)  الغراء تعقيباً على مقالي (أثار من أولية الشعر في الشعر الجاهلي) فوجدته يرى أن اضطراب قصيدة عبيد في عصر بلغ فيه الشعر آية الجودة لا يتخذ دليلاً على سنة النشوء والارتقاء؛ مع أن وجود هذه القصيدة في العصر الجاهلي كوجود الأعضاء الأثرية في الإنسان ألان؛ فإذا كانت هذه الأعضاء تتخذ دليلاً على سنة النشوء والارتقاء في الإنسان  مع بلوغه آية الجودة في الخلق، فكيف لا تتخذ هذه القصيدة  في الشعر الجاهلي دليلاً على سنة النشوء والارتقاء. ولا يمنع من ذلك بلوغه آية الجودة التي يذكرها الأستاذ، وان كان كثير  من الباحثين يرى فيه كثيراً من النقص، ويرى أن تقليد ذلك

النقص فيه هو السبب في تأخر الشعر العربي الآن وقد ذكر الأستاذ أن عبيداً لم يكن شاعراً بسليقته،  وان اضطراب شعره يرجع إلى هذه الناحية فيه، وهذا قد  أشرت إليه في مقالي حين جعلته من الشعراء المتخلفين في عصرهم، وهم الذين يتشبثون بآثار الماضي، ولا يجارون شعراء الطليعة  المجددين ولا يتأثرون بابتكارهم وتجديدهم

أما قياس قصيدة عبيد   (أقفر من أهله ملحوب)  على محاولات المبتدئين في عصرنا فقياس غير ناهض، لأن قصيدة عبيد معدودة  من عيون الشعر العربي، ولم يؤخذ عليها إلا اضطراب الوزن  والقافية، ولم يكن إلا بعد أن استقر أمر الوزن في الشعر،  وجرى على سنة مطردة لا يشذ أحد عنها. أما في عصر عبيد  فلم يؤخذ عليها شيء من ذلك، بل كانت تعد فيه آية من آيات الشعر العربي، وهذا يدل على أن مسألة الوزن لم يكن ينظر إليها  في هذا العصر كما نظر إليها بعد، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بقرب عهده من عصر كان الوزن لا يراعى فيه مراعاة دقيقة، وكان  الشعر فيه أشبه شيء بما نسميه الآن الشعر المنثور. ولعل الأستاذ قناوي يقتنع بعد هذا برأيي في قصيدة عبيد

وقد ظهر رد آخر على رأيي في قصيدة عبيد للأستاذ الفاضل  محمود عزت عرفة في العدد   (٥٤٦)  من مجلة الرسالة، وهو ينظر إلى تلك القصيدة نظراً يختلف إلى حد بعيد عن الرد السابق، فيبرئها من كل عيب، ويرفع من شأن عبيد في مغالاة ظاهرة، مع أني  لم أطعن في قصيدته إلا من جهة الوزن، وهذا لا يحط قدرها من  جهة اللفظ والمعنى، وعيب الوزن فيها معروف لدى جمهور العلماء، ولم يأت الأستاذ عرفة في نقضه بشيء، وقد ذكر أن بيت عبيد  المختل الوزن صحته:

وقالوا هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعده ولكن هذه الرواية غير متفق عليها، ومن الجائر أن تكون  محاولة من بعض الرواة لتصحيح وزن البيت، على أن الأستاذ عرفة يكاد يتفق معي في أن قصيدة عبيد يجوز أن تكون على وزن  أو أوزان هجرتها العرب في أواخر جاهليتها

ومما ألاحظه على كلا الردين أنهما لم يتعرضا لرأيي في الإقواء  ونحوه من عيوب القافية، والأمر عندي لا يقف في هذه الآثار

عند الحد الذي ذكرت، بل يتعداه إلى ما حذفه الخليل عند تدوين العروض من الأوزان الشاذة، فلا شك عندي في أن هذه  الأوزان كانت تمثل كثيراً من أولية الشعر، وأنها لو وصلت إلينا  لعلمنا منها ما له قيمة كبيرة عن حال هذه الأولية المجهولة

اشترك في نشرتنا البريدية