اعتادت الآذان في مصر أن تسمع عبارات السخط والنقد تجري على كل لسان . فيندر أن تجد إنسانا يبدي لك ارتياحا إلى شئ مما يقع تحت بصره ، أو تصل أنباؤه إلي أذنه . ويغالي المغالون فيزعمون أن داءنا للزمن يزداد استفحالا ، وأن تدهورنا مطرد ، وألا رجاء في إصلاح .
بل إنك المسمع من بين هؤلاء ، من يقول لك إن المصريين عيوبا خصوا بها دون سائر الناس ، وإن هذه العيوب متأصلة متمكنة لايرجي لها شفاء . فلا عجب إذ لم يبلغوا في مضمار التقدم ما بلغه غيرهم من الشعوب المتحضرة . .
وأبلغ حجة تدحض قول هؤلاء المتشائمين هي تشاؤمهم نفسه . فالشعب الذي يشعر بعيوبه ويمتعض منها ، ويثور عليها ، شعب حي يتوخي التقدم ، ويتوثب إلى الإصلاح . أما الشعب الموغل في التأخر ، المستفحل الداء ، فهو الذي يغفل عن عيوبه أو يستهين بها ، ويرضي بالواقع ويطمئن إليه . وما سخط شعبنا إلا بثير يقظته ، ودليل على أنه يهم بأن يلحق بركب الحضارة .
ومن الخطأ الذائع القول بأن هناك عيوبا أصيلة يصاب بها شعب دون شعب ، وبرزح تحت عبثها أبد الدهر ، ويعجز عن الفوز بالبرء منها مهما حاول وجاهد في تلك السبيل . فالباحث الملم بتطور الأمم ، المتخذ من مجري التاريخ أساسا يبني عليه بحوثه . لا يلبث أن يهتدي إلى الحقيقة التي تدحض ذلك الزعم . فما من شعب خص بعيوب رمته بها الأقدار ، وفرضت عليه الوقوع في ريقتها ما بقى له وجود . فكل شعب من شعوب الأرض لا يبقى طوال الدهر على حال واحدة . فهو ككل ظواهر الوجود متغير متطور سواء أبطأ تغيره أم أسرع ، وهو متأثر بالظروف المحيطة ومؤثر فيها . وتتوقف سرعة تطوره على ما تتيحه له ظروفه من احتمالات سهلة التحقيق أو عسيرته . وكثير ما تطرأ على الشعب الذي خطا في سبيل التقدم خطوات ،
ظروف تعوق تقدمه أو تصيبه بنكسة ، ولكنه لا يلبث أن يعاود نشاطه على أثر تغير تلك الظروف .
ولا يحدر بالرجل المستنير في هذا العصر الذي ازدهر فيه العلم أن يلقي بأحكامه على عواهنها . فهو إذا أراد أن يشخص داء شعب من الشعوب مثلا ، فلابد له أن يسأل نفسه أسئلة عدة . . لابد أن يسأل عن كنه الداء ، ويمحصه حتى يصل إلى أغواره ، ويسأل : أهو قديم أم حديث ؟ وهل هناك شعوب أخرى مصابة ، أو أصيبت به في عصر من عصورها ؛ ثم يجىء السؤال عن أسباب الداء ، وعن الظروف والأحوال التي أدت إلى استفحاله أوساعدت على اضمحلاله . وهل مختلف تلك الأسباب والظروف والملابسات باختلاف الأمم أو تتشابه . . مثل هذه الأسئلة ، والبحث في ثنايا التاريخ عن أجوبتها الصحيحة ، لابد أن ينتهي بالباحث إلى لباب الحقيقة الكامنة وراء الظواهر الخادعة . وما هذه الحقيقة إلا ما سبق قوله من أن كل ما في الوجود دائم التحرك والتبدل ، وأن ذلك يقع نتيجة لتفاعله مع ما حوله .
ولا يعنينا في هذا المقال من المآخذ التي لا يزال يأخذها المصريون على مواطنيهم ، أو يأخذونها بعبارة أصح على أنفسهم ، إلا ما يتعلق منها بالآداب والفنون ؛ فلا يكاد يتعرض متحدث لنهضتنا الأدبية والفنية حتى نراه يبالغ في تعريضه بها ، والنيل منها . فآدابنا في نظر كثرتنا هزيلة ضحضاحة فردية ، وفنونا أتفه من أن تسمى فنونا ، فهي أقرب إلى عبث الأطفال من عمل الرجال . ولا مراء في أن مثل هذا النقد يدل رغم قسوته على تطلعنا إلى السمو بآدابنا وفنوننا فوق مستواها الحاضر ، وهذا كما قلنا يشير بيقظة فكرية توشك أن تؤتى ثمرتها.
وثمين بنا قبل تمحيص هذا النقد أن نفرق بين ما يتعلق منه بالآداب وما يتعلق بالفنون حتى يقع قولنا واضح المعالم .
وقد تحدثنا في مقال سابق عن الظروف التي حالت دون نهوض آدابنا إلى المستوي المرجو . وسنقصر اليوم حديثنا في هذا الصدد ، على الظروف التي حالت دون انطلاق آدابنا من دائرة الفردية الضيقة إلى فسحة الوجود .
يقصد أولئك النقاد بالفردية التي يشيرون إليها أن الكاتب الوصوم بها ينحصر حين يمسك بقلمه في ذاته . فلا يفكر إلا فيها ، ولا يعبر إلا عن خوالج نفسه ، وعن رغباته وأماله وآلامه الخاصة دون ما اهتمام بما يشغل مجتمعه أو بني جنسه من خوالج ورغبات وآمال . وعلى ذلك يتسم إنتاجه الأدبي بالأثرة البغيضة ، ويلزم دائرة شخصه الضيقة المحدودة ، ولا يفيد منه القراء إلا أن يزداد كل منهم استغراقا في ذاته ، وانطواء على نفسه . ويكون الفرق بين قيمة مثل ذلك الإنتاج وبين قيمة الأعمال الأدبية الموضوعية لدى التقدير كالفرق بين قيمة الفرد في ذاته ، وقيمة المجتمع في عمومه . ونحن نقول مع القائلين بأن ألوان آدابنا من شعر وقصة وسيرة ونقد ، مطبوعة على الأغلب بطابع الفردية . ولعل السبب في ذلك يرجع إلى تأثرنا من الآداب الغربية بما تميز منها بذلك الطابع . فقد طغي الأدب الفردي على سائر ألوان الأدب في أوربا منذ قيام نهضتها الصناعية الكبرى ، ثم صادف هوي من نفوسنا فاحتذيناه دون الأدب الموضوعي الواقعي ؛ وجدير بنا أن نشير إلى الأسباب التي أفسحت له في مجال الذيوع هنا وهناك .
من العلوم أن نهضة أوربا الصناعية إبان العصر الحديث أسفرت عن تقلص نفوذ الأشراف ، وتبددد سلطانهم ، وظهور الطبقة المتوسطة ، وحلو لها محلهم ، وتمتعها بأوفر مما تمتعوا به من جاه ومال . ولم يعد النفوذ والسلطان والجاه والمال وقفا على أفراد معينين يتوارثونه ، ولكنه أصبح في متناول كل من يسعى إليه ، ويوفق في الحصول عليه . وقد عبرت الفلسفة حينذاك عن طابع عصرها ، فجاءت بنظرية الانتخاب الطبيعى ، وتنازع البقاء وبقاء الأصلح . ولم يعد الفرد يفكر في ذلك المعترك الجديد إلا في التنكيل بمزاحمه لإصابة هدفه . فتملكته الآثرة ، وكبلته الفردية . ولما كان أدباء ذلك العهد من أبناء تلك الطبقة المتوسطة فقد جاء أدبهم كذلك معبرا عن فرديتهم ، متغنيا بالحرية التي انتزعوها من يد الأشراف ، مشرئبا إلى السعادة التي يحلمون
بها ، معبرا عما يمتعون به أنفسهم من متع الحياة وملذاتها .
ولا يغيبن عن القارئ أن نهضتنا الحديثة قائمة على العصامية بعد اندثار عهد الماليك ، على أن عصاميتنا ما زالت محصورة في دائرة نهضتنا المحدودة ، وهي ما زالت تشرئب لتحاكى عصامية الغرب . ولكن أين نحن من أولئك الذين جابوا المحيطات ، وفتحوا الأمصار ، وهيمنوا على موارد العالم الاقتصادية ، وفرضوا سيادتهم على الشطر الاكبر من أصقاع المعمورة . . إن تلك العصامية العرمة الجبارة استطاعت أن تخلق من أبنائها أدباء ذاتيين وضعوا للعالم أدبا في مثل فنونها . أما أدبنا الفردي فقد جاء على غرار عصاميتنا التى تحاول كما قلنا تقليد جبابرة الغرب . فهو لا يزال يحبو ، وهو لا يزال في طور المحاكاة . إننا ننقل عن الغربـين نتاج نهضتهم دون أن تمر بمراحل التطور التي مروا بها ، فلم نقد المران والخبرة والتجربة التي أفادوها ، ولابد من مرور الوقت الذي يكفي لاكتساب ما اكتسبوا حتى ندانيهم في نهضتهم . فلا أساس إذا لما يزعمه الزاعمون وما تلوكه ألسنة المتشائمين من أن داء المصريين أصيل مزمن ، وأنهم بدعة بين الشعوب ، فما نحن إلا شعب يتوق إلي الأسمي فيضيق ذرعا بالواقع
على أن سورة الفردية أخذت تفتر في الزمن الحاضر ، وازداد الشعور في الشرق والغرب بأهمية المصالح العامة . والتيقن من أن التعاون أجدى على الفرد نفسه من محاولة تفرده بالغنم ، حدا بالحكومات إلي الأخذ في كل تقنين جديد بمبدأ حماية المجموع من استغلال الأفراد ، وحث الناس على التعاون ، وإحاطة الجمعيات التعاونية برعايتها وتشجيعها . وان يحل التعاون الجماعي المثمر محل التنافس الفردي المخرب حتى ينفسح المجال لنهوض الأمم نهضة حقة ، وتتحول الآداب والفنون من جانب الفردية إلى جانب الموضوعية ، ويكون ذلك إيذانا بحلول عهدهما الذهبى . وقبل الانتقال إلي الشطر الآخر من المقال تجب الإشارة إلى وجوب التمييز بين الأدب الموضوعى البدائي ، وبين الأدب الموضوعي الحي الجدير بالاحتفال . فرجال الأدب والفن الموهوبون هم الذين يشعرون قبل غيرهم بكل تحول جديد في ميول الرأي العام ومعتقداته ، وينحون اتجاهاته الخافية على الغافلين ، ويتأثرون بها ويعبرون عنها . . وحين يتم هذا يقع التجاوب بين النهضة الفكرية وبين النهضة الأدبية
والفنية ، ويتاح بذلك لكل منهما التقدم المنشود .
أما فنوننا فلا تزال دون مرتبة آدابنا ، ولعل ذلك يرجع إلى أنها تتفاعل على الأغلب مع جمهرة شعبنا التي لم تتأثر بنهضتنا الحديثة تأثر الطبقة المتوسطة التي أخذت تهتم بالأدب وتمده بالكتاب والقراء . وقد قال الساخطون عليها إنها منقطعة الصلة بالحياة ، فإنك إذا سمعت من الآثار الفنية الأوربية مقطوعة غنائية ، أو لحنا أو سيمفونية موسيقية ، أو شاهدت لوحة أو تمثالا ، فإن أول ما يروعك منها حيوية دقاقة لا تلبث أن تدب في أصالك ، فتنفض منك تراخيك ، وتصلك بالحياة ، وتنفث فيك حرارتها وتوثبها . أما المستمع لآثارنا الفنية ، أو الناظر إليها ، فإنه لا يشعر قط بشيء من هذا ، بل إنه يبلو عكس هذا . فإن فنوننا تنفث التراخي والخمول في نفس اليقظ المنحمس ، وتقطع صلته بالحياة ، وتنقله إلى عالم الأوهام والأضاليل . ففنوننا تجفف نبع الوجود ، وتعطل حركة الحياة ، وتمرض النفوس . ولا يتعلق بها هوانها إلا ليأسهم من واقع حياتهم المريرة . فهم يتوسلون بها للهروب من واقع حياتهم إلى عالم الأحلام المريضة ، وكان
أولى بها أن تنفث فيهم الهمة ، وتدفعهم إلى العمل على تحسين واقع حياتهم . .
ولكننا نقول رغم اعتراض الساخطين إن فنوننا تأثرت هي كذلك بنهضتنا الحديثة . وإذا كان قسطها من التأثر أضأل من قسط غيرها لظروفها الخاصة ، فإنها تحاول أن تستعيض اليوم بعض ما فاتها . ولا شك أن مجانية التعليم ستحدث اثرها في تنشيط تقدم فنوننا وآدابنا .
ولا شك كذلك أن معاهد الفنون المختلفة ستتحدث من ناحية أخرى أثرها في تنشيط حركة التفاعل والتجاوب بين هواة الفن وبين الفنانين الذين يتدرجون في مدارج الرقي . إن نهضة الفنون والأداب متصلة أوثق الاتصال بالنهضة العامة ، وإذا تأخر أى فرع من فروع الثقافة عن غيره فإنه لن يلبث أن يلحق به بعد أن يقع التأثير المتبادل بينه وبين غيره ، وكل ما نرجو أن يدرك من بيدهم الأمر أهمية التقدم الثقافي في دعم نهضتنا العامة فيبذلوا الجهد الجدي في سبيل تنشيط تقدمه .

