الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316الرجوع إلى "الثقافة"

آدب الجهاد فى سبيل الله

Share

- ٢ كانت السنة الأولى من حياة الرسول بالمدينة سنة بناء للوحدة ، ودعم للحياة السياسية بين المهاجرين والأنصار واليهود ، وهم الطوائف الثلاث التى أصبح الاجتماع المدنى يقوم عليها إلى حين . وقد فصل الرسول حقوق كل من هذه الطوائف وواجباتها فى وثيقة من أدق الوثائق السياسية التى خلفها تاريخ ذلك العصر والتى عنى العلماء المحدثون - ولا سيما المستشرقون - بدراستها وتحليلها ، وفيها يقول " نيكلسون " ( صاحب كتاب التاريخ الأدبى للعرب) : " إن قلهوشين قد حلل هذه الوثيقة تحليلا دقيقا ، ولا حظ أنها لم تكن موثقا بقبله ويمضيه ممثلو الأحزاب الذين يهمهم الأمر ، ولكنها كانت اعلانا من جانب النبى مبنيا على ظروف موجودة من قبل ، وقد تطورت منذ وصوله إلى الدينية . وفى الوقت نفسه ما من أحد يدرس هذه الوثيقة إلا تملكه الإعجاب بالعبقرية السياسية لمؤلفها ، فهى فى ظاهرها إصلاح حذر لبق ، ولكنه فى الحقيقة ثورة وانقلاب فإن محمدا لم يجرؤ أن يوجه طعنانه صريحة إلى استقلال القبائل ، ولكنه قضى عليه فى طريقة عملية بأن حول مركز القوة من القبيلة إلي الجماعة . ومع أن الجماعة انتظمت يهودا ووثثنين بجانب المسلمين فإن محمدا أدرك - وذلك شيء لم يستطع خصومه أن يدركوه - أن المسلمين هم فى ذلك الوقت الشركاء النشيطون العاملون ، وأنهم سيصبحون بعد لا محالة الشركاء الغالبين فى الدولة الجديدة " .

وقد كانت هذه المعاهدة خطوة ضرورية فى سبيل استقرار الأمور ، وتنظيم شئون البيت - كما يقولون - قبل أن يضطلع المسلمون بالهمة الجديدة التى أذن لهم فيها - مهمة القتال في سبيل الله . وتم الاتفاق على أن يكون

لليهود نصيب فى المغم إذا قاتلوا مع المسلمين ، كما شرط عليهم النفقة مع المسلمين فى الحروب .

وصل الرسول المدينة في ربيع الأول - على أشهر الروايات - وبدأت سراياه وغزوانه لأعدائه فى صفر التالى . وكانت أول مناوشة ذات خطر بينه وبينهم أن أرسل سرية - فيها أبن عمته " عبد الله بن جحش " ومعه ثمانة رهط من المهاجرين - إليى" مخله " ليرصدوا بها قريشا حتى بأنواع منهم بخبر . فما نزلت السرية هذا المكان حتى مرت بهم عبر لقريش - فيها " عمرو بن الحضرمي " - تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش . فقتلت السرية ابن الحضرمى ، وأسروا اثنين من رفاقه - ( وهما عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان) . واستاقوا العير . وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من جمادى الآخر ( أو نهاية رجب وهم يظنه غرة شعيان - على رواية أخرى ) فقالت قريش : استحل محمد الشهر الحرام - شهرا يأمن فيه الخائف ويتفرق فيه الناس إلى معايشهم ! وشق ذلك على أصحاب السرية ، وقالوا : ما نبرح حتى تنزل توبتنا . فلم يلبث الوحي أن نزل بالآيات التالية ، من سورة البقرة :

" كتب عليكم القتال وهو كره لكم ؛ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون . يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ؛ قل قتال فيه كبير ؛ وصد عن سبيل الله ، وكفر به ، والمسجد الحرام ، وإخراج أهله منه ، أكبر عند الله ؛ والفتنة أكبر من القتل ، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم " .

هذه الآيات ذات شأن فى موضوع الجهاد ، من

حيث إنها - على ما يظهر - أول آيات صريحة نزلت فى شأن القتال ، بعد أن أذن فيه . وطابعها فى التحريص على القتال - وتبريره حتى فى الأشهر الحرم - قوى ؛ وأسلوبها بليع مقنع ، وردها على السؤال صريح جازم لا غموض فيه . فالقتال فى الأشهر الحرم حقا كبير ، وتحريمه كان حكما معمولا به من عهد إبراهيم واسماعيل ، وقد جعله الله مصلحة لأهل مكة ، ولكن قريشا فعلت ما هو أكبر منه عند الله : " فقد كفرت بالله ، وصدت عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، وأخرجت أهله منه ، وابتليهم بضروب من الفتنة - والفتنة أكبر من القتل ، وستستمر تقائل المسلمين حتى تردهم عن دينهم إن استطاعت ، وفى الارتداد بلاء وخسران مبين .

ومن السهل أن يتبين القارئ فى هذه الآيات جلال الأسلوب وروعة النظم : فجملة " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " أدل فى موضوعها ، وأكبر أثرا فى الذهن من يسألونك عن القتال فى الشهر الحرام ؛ والمناسبة فى التنكير بين " قتال فيه " وما تلاه من المبتدأت جعل لأجزاء الآية الطويلة طابعا منسجما معينا ، والأسباب التى تبرزر القتال فى الأشهر الحرم منظومة نظما خطابيا متلاحقا ينتزع ما حاك في صدور أصحاب السرية من محرج ومشقة ، ويهيئهم لتوطين العزم على مواصلة القتال ، ويحذرهم مغبة التراخى والتهاون ، ثم يطئمنهم أن لهم رحمة الله وغفرانه

هذا - إذا - مثل من التحريض القرآنى ؛ أحكم ما يكون التحريض نظما ، وأنفذ اثرا ، وأبلغ إقناعا ، وأحسم للشك ، وأدل على المراد من أوضح طريق . وإنك لتبحث عما قد يكون هناك من أدب آخر يصور تلك الحادثة التى ابتدأت سلسلة الحروب بين الأسلام وقريش ، فلا نجد إلا أبياتا ينسبها القصص إلى " أبى بكر " ويرجح " ابن هشام " أنها لعبد الله بن جحش ، وهى :

تعدون قتلا فى الحرام عظيمة

وأعظم منه - لو برى الرشد راشد

صدودكو عما يقول " محمد "

وكفر به - والله راء وشاهد

وإخراجكم من مسجد البيت أهله

لئلا يرى لله فى البيت ساجد

فإنا - وإن عبرتمونا بقتله

وأرجف بالإسلام باغ وحاسد

سقينا من " ابن الحضرى " رماحنا

- بنخلة لما أوقد الحرب واقد

دما ، وابن عبد الله عثمان بيننا

ينازعه غل من القد عائد

وسواء أصحت نسبه هذه الآبيات إلى أحد الصحابين ، أم كانت من وضع القصاص ، فظاهر أنها محاولة من نوع عادي لتصور المنهج القرأنى فى قالب شعرى : فمنطفها من منطق الآيات ، والعناصر هى العناصر وربما كان من الراجح أنها نظمت بعد أن سمع صاحبها ما نزل من القرآن فى الموضوع . ومن الملاحظ أن القرآن فى هذه الحادثة وغيرها من الحوادث ينكب عن ذكر الأسماء جانبا ( إلا فى النادر القليل ) ويصور الموضوع من جهاته الإنسانية العامة .

هذه المعركة الصغيرة لم تكن إلا مقدمة المعركه التى عليها بعد شهرين ، والتى شهدها الرسول نفسه فى جمهرة أصحابه ، وأقبلت إليها قريش - كما قال الرسول - بخيلائها وفخرها تحاد الله وتكذب رسوله . تلك كانت موقعة بدر التى بدأت كسابقتها ، فقد سمع الرسول " بأبى سفيان بن حرب " مقبلا من الشام ، فى عير عظيمة ، فيها أموال لقريش وتجارة من مجاراتهم ، فندب المسلمين إليها ، وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم ، فإخرجو إليها أهل الله ينقلكموهما . فانتدب الناس فخف بعضهم ، وثقل بعضهم . وظاهر أن الرسول هنا خطا الخطوة الثانية فى سياسته العامة وهى ضرب نوع من الحصار الاقتصادى

على المسكين ، وقطع الصلة بينهم وبين العالم الخارجى . هذه خطة إذا أفلحت آتت ثمرة أخرى هى نكثير موارد

المسلمين بما بقى الله عليهم من خير . وقد وعد الله رسول فى بدر إحدي الطائفتين - قريش والعير ، ولكن فريقا من المسلمين كانوا أحرص على الثانية منهم على الأولى ؛ وكانوا يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم ، فلما خرج الرسول إلى القتال خرجوا معه وهم كارهون يجادلونه فى الحق بعد ما تبين كأنما يسافون إل الموت وهم ينظرون ؛ هم يريدون العير والغنائم ويريد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل ويقطع دابر الكافرين . وقد جهد الرسول نفسه فى الدعاء والاستغاثة فاستجاب له الله وأمده بالملائكة ، وجعل هذا الإمداد بشرى المسلمين واطمئنانا لقلوبهم ، ثم غشاهم النعاس أمنة منه ، وأنزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به ويذهب عنهم رجز الشيطان وليربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم ، وأوحى إلى الملائكة أنى معكم فتثبتوا الذين آمنوا ، سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان . وعلم المؤمنين شئون القتال فقال : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ، الله يعلمهم ، . وإذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين . ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرأ ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ، واذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وانى جار لكم ، فلما تراءت الفئتنان نكص على عقبيه وقال إنى برئ منكم ، وإنى أرى مالا ترون ، إنى أخاف الله والله شديد العقاب .

وقد علم الله رسوله والمؤمنين كيف يقسمون الغنائم بعد انتهاء المعركة ؛ وذكرهم ما كان لله يوم التقى الجمعان

من تدبير ظهرت أسراره فى سير الموقعة ونتائجها فقال : " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ، والركب أسفل منكم ، ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ، ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم . إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ، ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر ، ولكن الله سلم ، انه عليم بذات الصدور ، واذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا ، وإلى الله ترجع الأمور " .

هذا هو هيكل الصورة التى ترسمها سورة الأنفال لوقعة بدر ؛ وهى صورة واضحة المعالم ، صادقة التعبير ، أنيقة الأسلوب ، فى تلخيصها تقليل من روعتها ، فلكل عنصر من عناصرها مكانة من الشكل العام ، ولكل آية من آياتها نصيب فى جمال السورة الفنى . ومن أظهر ما يستلفت النظر فى هذا التصوير شيئان : الاول أن لله جنودا ، منها ما أنزله على رسوله والؤمنين من السكينة والطمأنينة والأمنة وثبات الأقدام ، ورؤية الكفار قليلا فى أعينهم ؛ ومنها ما أودعه قلوبهم من وحدة الغرض ، وحسن الصبر ، وجلال الطاعة ، وحرارة الإيمان ؛ والأمر الثانى أن سياسة الإسلام منذ بدأ حروبه قامت على اعتبار الفتح والغنائم وعرض الدنيا أمرا ثانويا بجانب المقصد الآسمى ، وهو إحقاق الحق ، وإبطال الباطل . وإعلاء كلمة الله .

هذه هى الصورة القرآنية لأول ملحمة كبيرة فى الإسلام انتصر فيها المسلمون وهم قليل ، ورجعوا إلى المدينة بالأسرى والغنائم ، وففسدت فيها مكة فلذات أكبادها ، وخلفتهم وراءها في جوف القليب وإن جلال هذه الصورة وروعتها ليزدادان وضوحا إذا وضعت بجانبها الصورتان الآخريان : النثر القصصى فى كتب السيرة ، والشعر الذى ردد صدى القرآن وصدى الحوادث التاريخية ترديدا ليس بذى خطر فنى كبير .        ( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية