استراحت الدنيا من جهنم الحرب ، فأخذ كل واحد من الناس ينظر إلي عواقبها من زاوية ، واوحت هذه العواقب إلي كل واحد منهم وحيا خاصا ، فما شغل خاطري شئ من هذه العواقب مقدار ماشغلته خطب اعاظم الحلفاء يوم النصر . لسنا معاشر الأدباء من رجال الحرب حتى نظر في الأسباب التي افضت بفريق إلى النصر وبفريق إلى الانكسار . ولسنا من رجال السياسة حتى نبحث عن الأسباب النفسية التي من أجلها اخفقت المانيا ونجحت انجلترة وحلفاؤها ، ولكن أعمالنا تتعلق بالألفاظ ، وإذا توسعنا في التعبير ، بالأجسام التي تنطوي عليها هذه الألفاظ ؛ فمن مهمتنا ان ننظر في هذه الخطب التي خطبها أعاظم الحلفاء يوم النصر ، وان نستنبط منها اشياء غير الأشياء التي يستنبطها رجال الحرب والسياسة ، إن من وراء هذه الخطب أفقا مديدا من الأخلاق
مارست البشرية حربا لم يعرف التاريخ لها مثيلا في عصوره ، قتل فيها من الخلق ما لم يقتل مثله في حروب شتى ، وظهر فيها من الآلات ما لم يتصوره عقل الناس في الماضي ؛ فالأمة التي كتب لها النصر في هذه الحرب لا تشبه الأمم التي كتب لها النصر في القديم ، فقد صبرت كثيرا ، وألمت كثيرا ، وبلغ منها الجهد كل مبلغ ، فما عرفت الراحة في ضياء النهار ولافي ظلمة الليل ، ولا خلت دار من دورها ولا قرية من قراها ولا مدينة من مدنها من جريح او قتيل أو ضحية أو تدمير ؛ فإذا افتخرت هذه الأمة بعد هذا كله بالنصر فمن حقها هذا الافتخار ، وإذا غضت من عدوها فمن حقها هذا الغض ، واذا تنطع رجالها في خطبهم فمن حقهم هذا التنطع . ولكن العجب كل العجب أنا لم نر أثرا لهذا الفخر ولهذا الغض ولهذا التنطع في خطب طائفة من رجال الحلفاء ؛ فقد خطب ملك الانجليز ورئيس
الولايات المتحدة ورئيس وزارة الانجليز ، فما وردت في خطبة واحد منهم لفظة تدل على شيء من الزهو اوالعنجهية ، وما شاعت في خطبة واحد منهم لفظة تدل على شيء من الجبروت ، فلم ينس ملك الانجليز ان يشكر الله تعالى الذي أراح الأمم من هذه الحرب ، ولم ينس رئيس الولايات المتحدة ان يخصص يوما للصلاة والشكر ، فليس في كلامهما ما يشير إلى سحق عدو ما عرف التاريخ له نظيرا فى القوة . ارجو أن يملأ كل اديب ذهنه من هذه الخطب ، إنها لا تحتوي علي محاسن الأدب ، فليس فيها براعة في تشبيه أو مجاز أو استعارة ، وليس فيها مهارة في انتخاب الألفاظ ، ولكن فيها البساطة والعظمة ، فيها البلاغة المجردة من المحسنات اللفظية الفارغة ، فيها صورة أصحابها وصورة أخلاق الأمم التي ينتسبون اليها ، فيها بلاغة القوة .
غدا سيتفرغ رجال السياسة لتدوين تاريخ الحرب من النواحي السياسية ، وسيهتم رجال الحرب بتدوين هذا التاريخ من النواحي الحربية ، وسيعني رجال الاقتصاد تدوينه من نواحيه الاقتصادية ، والخلاصة غدا ستكثر الكتب التي تتعلق بهذه الحرب ؛ فتكشف الغطاء عن أسبابها وعواملها ، وعن اسباب النصر والانكسار فيها ولكن شيئا واحدا يهمنا معاشر الأدباء في هذا الوقت ، وهو الأفق الخلقي في خطب رؤساء الحلفاء .
لقد كانت هذه الخطب عبرة لنا في بلادنا الشرقية ، علمتنا كيف ينبغي لنا أن نضع الألفاظ في مواضعها ، وأن نقيسها على مقادير معانيها ، فلا نعطى المعنى اكثر مما يستحق من الألفاظ ، فقد تحتاج خطبنا السياسية إلي هذا النمط من البلاغة ، تحتاج خطبنا السياسية إلى بساطة التعبير ، ووزن الكلام ، إلى البساطة الدالة على العظمة والأدب والأخلاق ، المجردة من الزهو والباطل ، المصفاة من الفاظ العنجهية كالسحق والتحطيم والتهشيم ، إن ادب النصر الذي أشرت إليه إنما هو أدب أمم بحذافيرها ،
مطابق لأخلاق هذه الأمم ، ولئن كان للآلات فضل في هذه الحرب فان للأخلاق فيها فضلا اعظم . لقد بدأت الحرب وبعض الحلفاء لا نسبة بين عدتهم وعدة عدوهم ، قصبروا ولم يتضعضعوا ، فقاسوا ما قاسوا ، ونسوا نضارة عيشهم ، واحتملوا خشونة الحياة ، وقلقت خواطرهم . وخربت دورهم ومدنهم ، فلم يدخل اليأس على قلوبهم ولا ضاقت اخلاقهم ، حتى ادركوا ما ادركوا ، ونعموا بما نعموا ، فكان انتصارهم بأخلاقهم أكثر من انتصارهم بآلاتهم ، فإذا وجدنا عظمة في خطب رؤساء حكوماتهم فلا نعجب من هذه العظمة لأنها صورة عظمة شعوبهم ، وعظمة أخلاق هذه الشعوب .
اعتقد أن أدبنا في عصر من العصور لم يخل من هذه العظمة التي نشاهدها في خطب رؤساء الحلفاء ، لان ذلك الأدب كان صورة أخلاق رفيعة ، كان بسيطا لان البساطة والعظمة متلازمتان ، وإذا استشهدت بخطبة من هذا النمط فلا استشهد بغير خطبة عبد الله بن الزبير حين قدم على عثمان بن عفان بفتح افريقية ، وقص عليه كيف كانت الوقعة ، فأعجب عثمان ما سمع منه وطلب إليه ان يقوم بمثل هذا الكلام الذي سمعه على الناس ، فقام عبد الله خطيبا ، وخطب خطبته المشهورة التي قال في بعضها :
" أيها الناس ، رحمكم الله ! إنما خرجنا للوجه الذي علمتم ، فكنا مع وال حافظ ، حفظ وصية أمير المؤمنين ، كان يسير بنا الابردين وينخفض بنا في الظهائر ، ويتخذ الليل جملا ، يعجل الرحلة من المنزل الجدب ويطيل اللبث في المنزل الخصب ، فلم نزل على احسن حال نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى افريقية فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح ، فأقمنا أياما نجم كراعنا ونصلح سلاحنا ، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه ، فأبعدوا منه ، فسألناهم الجزية عن صغار او الصلح ، فكانت هذه أبعد ، فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم وتختلف رسلنا إليهم ، فلما يئس منهم قام خطيبا ، فحمد الله
وأثنى عليه وذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر ، واحتسب ، ثم نهضنا إلى عدونا وقاتلناهم اشد القتال يومنا ذلك ، وصبر فيه الفريقان ، فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة ، واستشهد الله فيهم رجالا من المسلمين ، فبتنا وباتوا وللمسلمين دوي بالقرآن كدوي النحل ، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم ، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا الذي كنا عليه بالأمس ، فزحف بعضنا على بعض ، فأفرغ الله علينا صبره وأنزل علينا نصره ، ففتحناها في آخر النهار فأصبنا غنائم كثيرة وفيئا واسعا " .
هذه خطبة إذا دلت على شيء فانها تدل على أخلاق عظيمة . لم يكن فتح ) فريقية بالأمر اليسير ، فقد كان هذا الفتح بابا لفتح الأندلس ، وتاريخ الأندلس مفخرة من فاخر العرب والإسلام ، فلم يرد في خطبة ابن الزبير ما يشتمل على شيء من الزهو والباطل ، فيها صورة القائد الرءوف بجنده ، الحريص على راحتهم وطمأنينتهم ، وفيها صورة أمة كانت تقاتل في سبيل مذهب من المذاهب ، في سبيل الإسلام ، وفيها صورة رجال جعلوا باب السياسة قبل باب الحرب ، فلم يقاتل المسلمون أهل تلك البلاد إلا بعد ان يئسوا منهم ، وفيها صورة القواد الصادقين الذين لا يخفون على الرعية شيئا من احوال الشدة ، فقد كان في فتح إفريقية قتلى كثيرون من المسلمين ، وفيها صورة الأمة التي تنعم بمثل على في الحياة ، وما دوي المسلمين بالقرآن إلا مظهر من مظاهر هذا المثل الأعلى . والخلاصة انطوت خطبة عبد الله ابن الزبير على البساطة والعظمة ، فلم يفتح المسلمون إفريقية ، وإنما الله عز وجل هو الذي انزل عليهم نصره !
فما أشبه الروح التي تشيع في خطب رؤساء الحلفاء يوم النصر بالروح التي تشيع في خطبة ابن الزبير يوم فتح إفريقية . لم تكن أشباه هذه الخطب مجرد ألفاظ يفتش الأدباء عن محاسنها او مساوئها . وانما هي صور اجسام ناطقة فيها لحم ودم وروح ، فإذا بحث الادباء فيها فإنهم يبحثون عن الأخلاق التي تشتمل عليها ، ثم يخرجون من
مباحثهم بنتائج في علم الأخلاق تكاد تكون ثابتة على وجه الدهر ، وهي ان الأمة لا تعلو في عظمتها إلا علت في أخلاقها ؛ فكأنما العظمة والأخلاق متلازمتان في الأمم . ولقد اجمع كثير من علماء الاجتماع على أن أعلي الحيوان اخلاقا اقواه وأشده ، وطبقوا هذه القاعدة على الأفراد والجماعات والأمم فقالوا : أرفع الأمم أخلاقا أقواها وأشدها وأسفلها أخلاقا أضعفها ، وإذا صدق هذا القول في أمة فانه يصدق في العرب في صدر امرهم . وما خطب رؤساء الحلفاء التي اشرت إليها ، وما خطبة ابن الزبير إلا عناوين عظمة امم اصحابها ، ولقد ظهرت هذه العظمة في ادب النصر فمتي يغرف رجال سياستنا من بحر هذا الأدب !
