١ - في كتاب (النثر الفني) للدكتور زكي مبارك جزء أول ص٢٥ ما يلي (أذكر أنني كنت أحاور المسيو مرسيه في تطور السجع فأخرج رسائل الجاحظ وفيها هذه العبارة: (إن معاوية مع تخلفه عن مراتب أهل السابقة أملى كتاباً إلى رجل فقال فيه (لهو أهون علي من ذرة، أو كلب من كلاب الحرة) ، ثم قال: (امح من كلاب الحرة واكتب من الكلاب) كأنه كره اتصال الكلام والمزاوجة، وما أشبه السجع، ورأى إنه ليس في موضعه) وكان المسيو مرسيه يظن أن في هذه العبارة دلالة على أنهم كانوا إذ ذاك لا يستحبون الكلام المسجوع، فوجهت نظره إلى أن لهذه العبارة معنى آخر، ذلك أن السجع فن رقيق لا يصلح في ذلك المقام، وهو مقام تهديد ووعيد)
إلى هنا انتهى كلام الدكتور. وقد قرأت في كتاب (عبقرية محمد) للأستاذ العقاد ما يلي: (أجاب الرسول أبا سفيان عندما خيره بين نصف نخل المدينة أو الخراب والدمار فقال: (وصل كتاب أهل الشرك والنفاق، والكفر والشقاق، وفهمت مقالتكم، فوالله ما عندي جواب إلا أطراف الرماح، وأشفار الصفاح!)
(فهذا السجع في هذا المقام أصلح لخطاب الجاهلين لأنهم يعرفون منه معنى التوثيق والتمكن، كما يعرفون منه معنى المناجزة والتخويف)
هذان رأيان في السجع متعارضان. أما الدكتور زكي مبارك فهو يرى أن السجع فن رقيق لا يصلح في مقام التهديد والوعيد، وأما الأستاذ فيرى في السجع ضخامة وفخامة وهما أصلح في المناجزة والتخويف. . . فما رأي الأستاذين؟
٢ - يخبرنا الدكتور زكي في كتابه (النثر الفني) ص٦٤ أن المسيو مرسيه والدكتور طه حسين ومن شايعهما قرروا
أن السجع لم يلتزم إلا في القرن الرابع، وأن المسيو مرسيه وجد كتاباً لمؤلف قديم اسمه الأخضري، وأنه منسوب إلى القرن الثالث، وأصر مرسيه على ضمه إلى كتّاب القرن الرابع ووافقه الدكتور طه لهذا السبب. وللأستاذ أحمد أمين حادثة مثل هذه؛ ففي كتاب ضحى الإسلام ص٢٣٦ج١ أنكر نسبة كتاب (الرد على ابن المقفع) إلى القاسم بن إبراهيم وكانت حجته (أن القاسم عاش في النصف الأول من القرن الثالث والكتاب مسجوع. ونحن نعلم أن هذا العصر (عصر الجاحظ) لم يتكلف فيه سجع، ولم تؤلف فيه كتب مسجوعة. . .)
ولكن ما رأيهم في كتاب (الحاسد والمحسود) الذي كتبه الجاحظ نفسه، ونظرة فيه تقنعهم بأن نظريتهم خاطئة، أو على الأقل مبالغ فيها إلى حد بعيد. فكتاب الجاحظ في الحسد أغلبه سجع متكلف. وإني أورد هنا بعض فقرات منه لأثبت ما أقول: (الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد، ويفسد الأود، علاجه عسر، وصاحبه ضجر. . . قاطع كل رحم بين الأقرباء، وملقح الشر بين الخلطاء. . . والحسد هو الذي جعل (ابن آدم يلقى على أخيه الحجر شادخاً، فيصبح عليه نادماً صارخاً. . . وعبد الله بن أبي تبين للناس عقله، وافتقدوا منه جهله، ورأوه لذلك أهلا، لما أطاق حملا. . . والمحسود لولا عناية الله لأمسى وماله مسلوب، ودمه مصبوب، مهراق مسفوك، وعرضه بالضرب منهوك. . .
ثم ختم الرسالة بقوله: وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا السرور إلا في افتقاد وجهه، ولا الراحة إلا في مرم مداراته، ولا الربح إلا في ترك مصافاته، فإذا فعلت ذلك فكل هنيئاً، واشرب مريئاً، ونم رخياً، وعش في السرور ملياً. . .)
هذه فقرات من كتاب (الحاسد والمحسود) والمطلع عليه يجد السجع فيه غالباً، فهل ننكر نسبته إلى الجاحظ؟ أم هل نزحزح الجاحظ إلى القرن الرابع؟؟
٣ - في الحق أن أصحاب هذا المذهب غالوا وبالغوا في تعنتهم وغلوهم وما كان ذلك منهم إلا ليثبتوا نظرية نادوا بها من قبل، وهو أن السجع من الزخرف الفني الذي اكتسبته العربية من
اتصالها بالفارسية واليونانية. والواقع أن السجع كما يقول الدكتور مبارك (من مميزات البلاغة الفطرية) ، وقد اعترف المسيو مرسيه بذلك عندما قال: (وكأنهم بدءوا يكرهون السجع في العصر الأموي) أي إنه اعترف بأن كان هناك سجع ثم بدأ الناس يكرهونه، والسجع من الزخرف الفني الذي زعموا أن العربية لم تعرفه إلا بعد اتصالها بالفارسية واليونانية.

