الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 218 الرجوع إلى "الرسالة"

آراء جديدة في العقاب

Share

تطورت فكرة العقاب في القرن الماضي تطورً عظيماً، ثم هي  لا زالت تتطور اليوم. وقد أصبحت الغاية الأولى من العقاب هي  الإصلاح الاجتماعي بعد أن كانت هي الزجر والردع. وللعلامة  الألماني الدكتور هانس فون هنتج كتاب في هذا الموضوع  ظهرت أخيراً ترجمته الإنكليزية وعنوانه   (العقاب؛ أصله، وغايته  ونفسيته) . ويقول الدكتور فون هنتج في تصديره إنه يقصد  بمؤلفه أن ينفذ إلى ذهن الرجل العادي قبل الأستاذ الباحث؛ لأن  الرجل العادي هو المسئول في الواقع عن وضع التشريعات الحسنة  والسيئة؛ ويتناول فكرة العقوبة والعقاب من ناحية جديدة،  ويضع للعقاب تعريفاً جديداً، ويصفه بأنه نوع من التطعيم لخطر  صناعي لا يقل شبهاً عن الأخطار التي تفرضها الطبيعة ذاتها لصون  قوانينها، ويعرفه في مقدمته بما يأتي:   (العقوبة تعني إنشاء خطر  صناعي، والعقاب إضرار منظم، وصدع للحياة منظم في شكل  قوانين يستعملها المجتمع ليعود الإنسانية على تجنب بعض طرق  العمل التي تخاصمها أو تؤذيها)

ويرى الدكتور فون هنتج أن فرض العقوبة لا يبرره سوى  السعي إلى تخفيف الضرر الإنساني، وعنصره القانوني يتوقف  تماماً على مقدرته في التأثير في غرائز الفرد ومشاعره، فالرجل الذي  لا يشعر مثلً شعوراً قوياً بغريزة الاحتفاظ بالنفس لا تؤثر فيه العقوبة  كثيراً؛ وكذلك لا يكون للعقوبة قيمة اجتماعية إذا كان اكتشاف  الجريمة التي توقع من أجلها العقوبة أمراً عارضاً. ويقدم لنا المؤلف  أمثلة عملية عديدة يرى أن العقاب فيها لا أثر له ولا وازع، ويقول  لنا إن مضاعفة العقوبة في مثل هذه الأحوال إنما هي قسوة همجية  لا تحقق شيئاً من الردع المقصود؛ بيد أن القانون قد أعتاد هنا  أن يضاعف العقوبة، دون أن يحاول صقل الجهد في الإثبات  والاكتشاف؛ في حين أنك ترى مثلاً فتى مغامراً يعتمد دائماً  على حقه في الإفلات من العقوبة، وبذل لا يخشى العقوبة إلا  بقدر ما يخشى جهنم

والعقوبة المادية ليست كل شيء في تحقيق فكرة العقاب؛  فمشاق السجن مثلاً يستطيع الكثيرون تحملها، ولكن الضرر  الحقيقي هو في الحياة التي تلي حياة السجن. والواقع أن معظم

العقوبات القانونية قاصرة عن تحقيق الأغراض التي وضعت لها؛  ومن الواجب أن تكون القوانين في الدولة المثلى، سواءاً كانت مدنية  أو جنائية، سائرة وراء معيار الإنسانية في تقدير الخطأ والصواب

ويعالج الدكتور فون هنتج موضوعه الدقيق بوضوح يقربه إلى  فهم القارئ العادي، ويجعله في نفس الوقت مرجعاً قيماً للباحثين

اشترك في نشرتنا البريدية