يخطئ من يرمى المرأة المصرية بالخيال ، والتطرف ، والتسرع ، وعدم تقدير الواقع ؛ إذ تطالب بحقوقها السياسية في الانتخاب وفي التشريع
هم يقولون ساخرين : كيف تطالبين بما لم توفق إليه المرأة الفرنسية أو الانجليزية ؟ هذا مضحك ، والحق إن الذين يدفعون دعوتها بمثل هذه الحجة ، وهي كل سلاحهم في الأقناع ، هم أكثر الناس حبا للمكابرة ، وأبعدهم عن الانصاف .
ليست مصلحة الوطن وفقا علي فرد دون فرد ، ولا هى من حق طائفة دون اخرى ، ولا هى من حق جنس دون جنس ، بل هي إرث مشترك بين الجميع ، لا فضل فيه لرجل علي امرأة ، إذ الكل أبناء الوطن .
وليس يتحقق ذلك إلا إذا ادى الجميع تلك الواجبات الوطنية المقدسة التي تكفل لهم حرياتهم وتصون حقوقهم ، والتصويت العام اساس الدموقراطية الصحيحة ، ولكنه بمعناه الصحيح لم يكتمل بعد ، فقد حرمت النساء من حق الاشتراك مع الرجال في هذا الواجب ، ولو أن بعض الممالك أخذت في تدارك هذا النقص منذ نهاية القرن التاسع عشر ، كما يشاهد في السويد واستراليا وزيلندا وانجلترا . اما في انجلترا بلاد الديموقراطية العريقة ، فقد عولج النقص تدريجا ، فتم اعظم إصلاح شاهدته انجلترا في نظامها النيابي ، وهو إعطاء النساء حق الانتخاب في سنة ١٩١٨
فصار لهن ما للرجال من الحقوق السياسية ، ومن ثم اصبح البرلمان في انجلترا مثل الأغلبية العظمي من الشعب .
وفي فرنسا وطن الحرية والمساواة وافق مجلس نوابها سنة ١٩٣٤ بأ كثرية ٤٥٣ صوتا ضد ١٢٤ صوتا على منح المرأة حق التصويت والانتخاب في جميع المجالس التشريعية والإدارية والبلدية يعد جهاد طويل ، أبلى فيه المطالبون المنصفون ، والمطالبات بمبدأ المساواة في الحقوق المدنية بين الجنسين ، أحسن بلاء . نعم إنهم لم يصطدموا في هذا الجهاد بمعارضة فعلية ظاهرة ، لأنهم تسلحوا فيه بحجج قاطعة لا يمكن دفعها ، فلم تقو المعارضة على الوقوف أمامها وجها لوجه . ولكن مجلس الشيوخ تعمد منذ سنة ١٩١٩ التهرب والداراة ، والتوازى من طريقها ، واجتناب البحث في كل ما له علاقة بها . وماذا ينتظر من الشيوخ في كل أمة غير ذلك ؟
كانت الحملة وأفرة النشاط ، فسرعان ما استمالت الرأي العام في فرنسا إليها ، أما معارضة مجلس الشيوخ الفرنسي لمنح المرأة حق الانتخاب فلا تستند إلي أسباب قوية ، وخصوصا انه لا ينكر عليها نشاطها وتضحيتها ، وعظم المهام التي تقوم بها لانهاض الامة ، ويعترف بأنها محقة في مطالبها . وقد اختلفت الآراء في معرفة الدوافع التي دعته إلى ان يقف هذا الموقف بإزائها منذ سنة ١٩١٩ ، فمن قائل إنها ترجع إلي اعتبارات توحي بها السياسة العليا ،
وثمة قائل إن الشيوخ ، ومعظمهم من رجال القانون المتقدمين في السن ، لا يزالون متشبعين بروح القانون الروماني المحافظ ، ومن قائل غير ذلك . ولكن هذه الأسباب وغيرها لم تبق لها قيمة في نظر الرأي العام ، ولا يستطيع مجلس الشيوخ ان يجد فيها أو في غيرها ما يبرر استمراره في موقفه الفاصى ، والأمل وثيق في حصول المرأة الفرنسية على هذا الحق ، ما دام النظام الديموقراطى قائما في فرنسا ، وما دام الانتخاب عاما فيها .
للمرأة المصرية ظروفها الخاصة والعامة التي تدعوها لأن تطالب بحقوقها السياسية قبل أختها الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من سائر الأمم الأوربية . وليس في هذا القول مبالغة . فمصر بلاد حديثة عهد بالديموقراطية ، وحديثة عهد بالاستقلال . ولقد ظلت حياتنا تضطرم بالثورات منذ منتصف القرن الأخير للظفر بهذين الحقين : أن تحكم أنفسنا بأنفسنا في الداخل وفي الخارج بالدستور والاستقلال . أما الأمم الأوربية كانجلترا وفرنسا وغيرهما فأمم عريقة في استقلائها وأصيلة في ديموقراطياتها ، استطاعت هذه الشعوب في ظل استقلالها وحدوثها أن تبث في نفوس أبنائها رجالا ونساء ، حب الحرية والمساواة وتقديس الحقوق والقيام بالواجبات حبا سما إلي منزلة الأديان ، فجرت هذه المبادئ السامية في دمائهم ، وزكت وامتدت إلي أقصى غاية ، فإذا ما دعا الداعي إلي نداء الوطن ، نفروا إليه سراعا ملبين الواجب المقدس ، ليبذلوا في سبيل حريته ومحبته واستقلاله هذه الدماء التي أشربت حبه ، وفهمت حقوقها وحقه ، فهي ليست في حاجة إذا إلي أن تشغل وقتها بأمور وضعت في نصابها ، وجرت في طريقها العادي ، وكأنهما طبع وغريزة ، أما مصر التي ظفرت حديثا بحقوقها الديموقراطية والاستقلالية ، فما أحراها أن تعمل على تأصيل
هذه الحقوق في نفوس أجيالها الناشئة من ذكور وإناث ليكونوا ملاذها وقت الخطر ، وحصنها المنيع إذا تعرضت هذه الحقوق للعبث . أجل ، ما احراها بذلك قبل فرنسا وانجلترا وغيرهما من امم اوربا ، التي خلصت وفرغت من استقلالها في الحكم والسيادة منذ أجبال بعيدة .
ولكنه من العبث واللغو أن تزود مصر بهذا الجيل الحر الأصيل المنشود إذا كانت امهاته ترصف في اثقال قيود الجهل والقدم والعبودية ، اي بنين تؤملهم مصر ، وتلجأ إليهم وقت الخطر ، وهم الذين وضعوا ليان الجهل والذل ؟ ولا تخالن المرأة المصرية انها ظفرت بغتم عظيم حين حقق لها السفور والتعليم والاشتراك في المجتمعات ، فتقف جهودها عند هذا الحد ، وتحال انه غاية ليس وراءه غاية ! أجل ، لا تحب أن يخلد ذلك في ذهنها ، فكلها أشياء عادية ، كان يجب ان ينزل عنها الرجال برضاء وإنصاف وفهم ، ولو كنا قد حصلنا عليها من زمن لشغلنا وقتنا الآن في الدعوة لما هو خير واجدى .
إن أولى الخطوات في حركة نهضة المرأة المصرية ، كان يجب أن تكون السعي للمطالبة بحقوقها السياسة فهي خطوة كان يجب ان تكون فى البدء لا النهاية ، عاجلة لا آجلة . وهي الأساس الطبيعي الذي يقوم عليه جميع مطالبنا الأخرى الاجتماعية والتشريعية ، ومن منبرها كنا نطالب بحقنا في التعليم والمساواة ، وبطريقها كنا نسعى لإصلاح نظم الزواج والطلاق ، وحماية العاملات ، وتهذيب الريفيات ، إلي آخر ما هنالك من النظم التي هي نتائج تترتب على الظفر أولا بحقوقنا السياسية .
إن المرأة إذ تكتسب حقوقها السياسية ، لا يعود ذلك عليها وحدها بالفائدة ، بل إنه سيعم الوطن والجمعية البشرية . فالوطن خلف الأسرة ، والبشرية خلف الوطن يقول قنلون : " إن الرجال وإن كانوا اصحاب السلطة
السياسية ، لا يستطيعون بقراراتهم توطيد أي إصلاح ما لم تعنهم النساء على تنفيذه .
أجل . وما ذلك إلا لأن الرجال يصنعون القوانين ، والنساء يصتعن العادات والأخلاق .
ما هي حجح المعارضين في منح المرأة حقوقها السياسية ؟ تقول المرأة : إنه ظلم وغبن ان يكون نظام البلاد قائما على الاقتراع العام - ويعتبر مبدأ من أهم المبادئ الديموقراطية ، لانه يقرر المساواة السياسية بين الرعايا ويحقق سيادة الأمة بطريقة عملية - بينا يبقى أكثر من نصف الأمة ، أي النساء ، محرومآ من الاشتراك فيه . وأي اقتراع عام يكون هذا الذي لا يعبر إلا عن رأي أقلية الشعب ، وهم الرجال ، مهما يكن الاقبال عليه عظيما ؟
نعم إن في أوربا كثيرين أصبحوا يستنكرون هذا النظام ، ولكنه ما دام موجودا ، فليس من العدل ان يظل مقتصرا على أقلية الأمة دون اكثريتها - ولنلاحظ أن عدد النساء في إحصائيات الأمم الأوربية يفوق عدد الرجال هذا مع أن جميع أفراد الأمة متساوون في الواجبات تساويهم أمام القانون . قد يقول البعض إن الواجبات المطلوبة من الرجال والنساء ليست واحدة بدليل أن الخدمة العسكرية لا تفرض إلا على الرجال . وهذا القول صحيح ، ولكن إذا أريد تعليق حق الانتخاب بالخدمة العسكرية ، فمن الواجب المتزاع هذا الحق من الذين يستثنون منها لسبب من الأسباب ، وإذا قيل إن الذنب في ذلك ليس ذنب الذين يشملهم الاستثناء قلنا إنه ليس ذنب المرأة أيضا ، فكما أن المساواة ليست موجودة بين الرجل الذي يصلح للخدمة العسكرية والرجل الذي لا يصلح لها ، كذلك هي غير موجودة بين الرجل والمرأة ، فلماذا يكون للرجل أن يستثني من الخدمة العسكرية حق الاقتراع ، ولا يكون المرأة مثل هذا الحق ؛ ثم إن بعض الأمم الأوربية
كالروسيا والمانيا وإيطاليا ، اصبحت خطتها ترى إلي إعداد النساء للخدمة العسكرية وتربيتهم تربية قوية .
إن المعارضين لحق المرأة في الانتخاب يسلمون بأنها ان نسيء استعمال هذا الحق ! اكثر من الرجال ، ومنهم من يذهب إلي أ كثر من ذلك فيعترف بأن المرأة التي هي أقرب إلي الحنان وحب الأسرة وإلى روح العدل والسلام ، قد تفهم الواجبات التى يفرضها عليها اشترا كها في الانتخاب أحسن مما يفهمها كثيرون من الرجال .
بيد أن الحق الذي تطلبه المرأة لا علاقة له بالساواة بين الجنسين ، لان الغرض الجوهري منه هو ان تتمكن من الدفاع عن حقوقها الطبيعية التي قررتها الدساتير بإعلانها " حقوق الانسان " واهمها المساواة السياسية والاجتماعية واحترام الملكية وحرية الرأي والاعتقاد . وهذه الحقوق مشتركة بين الناس على السواء ، والطريقة الوحيدة للدفاع عنها في البلاد الديموقراطية هي الانتخابات العامة الحرة التي تتجلي في إرادة الأمة .
وقد يقول قائل إن المرأة لم تكن تشترك في المجالس التشريعية في بلاد ما حتى السنوات الأخيرة ، وإن مهمتها العظمي إدارة المنزل ونشر ألوية الهناء والطمأنينة عليه وإعداد رجال المستقبل .
وهذا القول لا يعدو الغالطة . فبديهي ان وظيفة المرأة في الحياة هي إيجاد النسل وتربية الابناء وتدبير المنزل . وعملها هذا حيوي كعمل الرجل كطبيب او محام او تاجر . وهؤلاء لا يمنعهم عملهم دون النيابة ودون التصويت . فلم لا تكون المرأة مثلهم ، ومنا الطبيبات والمحاميات والصحافيات والمربيات ، وهن بزاملن الرجال في أعمالهم بجدارة وكفاية ؟ وما يمنع التي يزاملهم في النيابة عن الأمة أيضا ؟ .
ثم إن حجتهم هذه لا تدل على أن القدماء رأوا المرأة غير أهل للاشتراك في الحياة العامة فأبعدوها عنها ، إذ من المحتمل ان يكونوا قد رأو الحياة العامة غير أهل المرأة ، فأشفقوا عليها وأبعدوها عما فيها من غدر وخيانة ومساوي وفضائح ، مكتفين منها بأن تظل ملكة البيت وبلسم القلوب والنفوس .
وجاء عصر كان الناس فيه يعتقدون أن المرأة أقل إدراكا وعلما وكفاءة من الرجل ، ولكن هذا الاعتقاد لم يبق له أثر اليوم ، فقد جرفته ثورة المرأة أمامها مع أمثاله من المعتقدات والتقاليد البالية . فالمرأة لا تزال ربة البيت حينما يكون لها منزل ، ولكنها في احوال كثيرة اضافت إلى مهمتها هذه مهام أخرى ، وبدأت نعمل أعمالا كانت تعد من اختصاص الرجال . نعم إن خروجها إلي الحياة العامة لا يخلو من تأثير في حياة الأسرة وهنائها ، ولكن عودتها إلي البيت لن تعيد شيئا من هذا الهناء في الأحوال العصيبة التى يجتازها البشر الأن .
ولا يظن أن منح النساء هذا الحق ، قد يصرفهن جميعا إلي السياسة ، لان هذا الحق ناله الرجال من قبل فلم يجعلهم جميعا من السياسيين .
إن المرأة تطالب بحقها السياسي المبخوس ، لأنها تريد تحمل نصيبها من اعباء الوطن كواحدة من ابنائه ، وذلك لن يكون إلا بالمساواة التي تقررها الدساتير والمبادئ الحرة السمحة والشرائع والرأي العام . فينبعى تهيئها لهذا النوع من الحياة لكي تعرف واجباتها وتقدر المسئولية . وليس ضعف المرأة - إذا كان فيها ضعف ، حجة لحرمانها من حقها ، كما ان سكوتها عن هذا الحق لا ينبغى ان يتخذه المشرعون حجة لرضائها بما هي فيه ، بل إن ذلك حق مكتسب لابد لهم من منحه لأهله وإعطاء كل ذات حق حقها - وإذا كنا ضعيفات فحتم عليكم
تقوينا . وليس ما يقوى حياة المرأة المعنوية سوى غرس المبادئ الحرة الصالحة فيها وتدريبها على تحمل الواجب وفروضه وإفساح المجال لها في خدمة الوطن ، وإقامة مثل أعلى لها تطمح إليه بما فيها من شعور وفكر وإرادة .
إن روح الحرية التي يمتاز بها هذا العصر قد تسربت إلي المرأة كما يتسرب إلي صدرها الهواء ، فأصبحت تشترك في المجتمعات وتسمع كل ما يقال حولها عن الوطن ومطالبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية وكل ما يجري أمامها من أعمال الحكام وولاة الأمور . وهي في كل ذلك لها أراؤها الخاصة . بل إن هنالك من المسائل الاجتماعية ما يشرعها الرجال في المجالس النيابية وفيها ما يتعلق بالمرأة ويمس حياتها . هذه المسائل التي يقوم عليها العمران الاجتماعي كثيرا ما تفسد وتتعثر عند التنفيذ ، لأن الذين سنوها لم يفهموا طبيعة المرأة ، كما تفهم هي نفسها ومطالبها وحقوقها . ومن ثم وجب عليهم أن يفسحوا للمرأة مكانا في المجالس التشريعية ليسمعوا كلمتها ، إن لم يكن في كل الشئون ، ففيما يخص بنات جنسها ، وهن أغلبية الوطن الساحقة . وما أخطأ قنلون في قوله السابق . لذلك يجدر بالرجال ألا يستأثروا بشرف التمثيل عن الشعب وحدهم ، كأن الوطنية وقف عليهم ، كما يجدر بنا نحن النساء ألا نقنع بهذه التربية التي نعنى بها لإرضاء الرجال ، فإننا نريد أن نتذوق طعم المسئولية ونتحمل أثقالها كالرجال سواء بسواء .
وإذا ظفرنا بحقوقنا السياسية ، عد ذلك الظفر النصر الحقيقي الذي نسر له في نهضتنا ، وحينئذ يمكننا ان نطالب ونشرع ، وتحمل الرجال من طريق حقنا السياسي على تحقيق كل أوجه الإصلاح التي يتطلبها بنات جنسنا . ولا يضيع حق دونه مطالب .
(الإسكندرية )
