في أواخر سنة ١٩٤١، حينما كانت جيوش " الريخ " تبدو في أوج ظفرها العسكري ، وحينما كانت ثقة ألمانيا النازية في بلوغ النصر النهائي ما تزال راسخة موطدة ، كثر حديث الدعاية الألمانية عن " نظام أوربا الجديد " وهو النظام الذي أعدته ألمانيا الظافرة لتطبقه على أمم أوربا المغلوبة الخاضعة لصولتها ؛ وخلاصته حسبما فهم يومئذ أن تغدو ألمانيا سيدة لجماعة الأمم الأوربية التي تنضوي تحت لوائها في صورة أمم اتحادية ، تفقد كل مظاهر الاستقلال الحقيقي ، وتستأثر ألمانيا بينها بالتفوق الصناعي والاقتصادي وتنظم شئون النقد والتبادل التجاري وفق إرادتها
ولكن هذا الحديث عن نظام أوربا الجديد " لم يطل أمده، وإن كانت ألمانيا قد شرعت بالفعل في تطبيق بعض مبادئه في الأمم المحتلة . ذلك أن الفلك دار دورته ، وطويت مرحلة الظفر الألماني الكاسح ، ومال ميزان التفوق إلى
جانب خصوم " الريخ " وأخذت أمال النصر الألماني تغيض يوما بعد يوم ، وتلوح في الجانب الآخر ، أعني في جانب الجبهة الديمقراطية المكونة من روسيا السوفيتية والأمم المتحدة
وهذا الجانب الآخر ، وهو الذي تداعبه اليوم آمال النصر على ألمانيا النازية ، يعني منذ الآن بوضع الخطط والمشاريع المستقبلة التي يجب أن تكفل لأوربا وللعالم سلاما دائما وطيد الدعائم
ولم يعرف حتى اليوم عن تلك الخطط والمشاريع المستقبلة شيء ما بصفة رسمية أو محققة ، ولكن المعروف أن لجانا مشتركة كثيرة تعمل في لندن وواشنطون على وضع القواعد والحلول السياسية والاقتصادية لمختلف المشاكل التي ينتظر أن يواجهها الحلفاء عقب انتهاء الحرب .
ومن المسلم به أن مسألة المسائل في هذا المعترك من
المشاكل ، هي كيف تعامل ألمانيا الهزومة ؛ وما هي الإجراءات التي يجب على الدول المنتصرة اتخاذها للقضاء بصورة نهائية على خطر العسكرية البروسية الذي عرضت له أمم العالم مرتين في ظرف جيل واحد ، وما هي الضمانات التي يجب تقريرها لحماية السلم ، وإقامة التوازن الأوربي بصورة ينتفي معها خطر سيطرة أمة واحدة أو جنس واحد على القارة الأوربية ، وتدعيم مبادئ القانون الدولي والعدالة الدولية بين جميع الأمم القوية والضعيفة على السواء ؟
وقد عرض لهذه المشكلة جماعة من أساطين الساسة والكتاب الإنجليز والأمريكيين ، وأبدوا لعلاجها مختلف الآراء والمسائل ؛ وهم يرون أن كل صلح يعقد يجب أن يحقق الأغراض العامة الآتية (١) سلم تكفله ضمانة عسكرية مشتركة (٢) حرية تقوم على إعلان عام للحقوق (٣) رخاء اقتصادي يقوم على سياسة اقتصادية عامة .
ومن الواضح أن هذه الأغراض العامة تقوم في جوهرها علي مبادئ ميثاق الأطلنطيق التي اتخذتها الجبهة الديمقراطية دستورا لها ، والتي سبق أن تناولناها في عدد سابق من "الثقافة " ، على أنه يجب لتحقيق هذه الأغراض العامة أن تتخذ حيال أوربا المحتلة ، وحيال ألمانيا المهزومة ، من الإجراءات ما يكفل تحقيقها.
فأما أوربا المحتلة فيلاحظ أنها تضم فريقين من الأمم : الأمم التي غزتها ألمانيا وقضت على حرياتها واستقلالها واحتلتها قسرا باعتبارها أمما مفتوحة ؛ والأمم التي انضمت إلى ألمانيا وآزرتها في اعتدائها على الأمم الأخرى مثل رومانيا والمجر . ومن المسلم به أن الأمم من الفريق الأول سوف تسترد حرياتها وحقوقها كاملة ، وتقوم فيها حكومات قومية حرة ، أو تعود إليها حكوماتها التي تقوم اليوم في المنفي ؛ ويرى البعض مع ذلك أن تبقى حكومات الأمم المحررة ، في فترة الانتقال تحت إشراف الأمم المتحدة الأعلى ؛ ويجب عليها لكي يسمح لها بالبقاء والعمل بحرية
أن تثبت مقدرتها على حفظ النظام داخل بلادها ، وأن تكون على وئام وتفاهم مع جيرانها .
وأما الفريق الثاني من الأمم المحتلة وهو الذي انضم إلى ألمانيا في مجهودها الحربي ، فيحسن أن تعامل بنوع من الرفق لما هو معروف من أن انضمامها إلى ألمانيا لم يكن بمحض اختيارها ؛ ولا بأس من أن يسمح فيها بتأليف حكومات قومية من بعض الأشخاص الذين يوثق بولائهم وإخلاصهم لقضية الحلفاء ، على أن تعمل هذه الحكومات تحت رقابة المجلس الأوربي العام الذي سيناط به الإشراف الأعلى على شئون أوربا المحتلة : ويشمل هذا الفريق من الأمم رومانيا والمجر وفنلندا وبلغاريا
ويجب على الأمم المتحدة في جميع الأحوال أن تتخذ كل أهبة ممكنة لإطعام الأمم المحررة عقب تحريرها في الحال بغض النظر عن أي اعتبار ، وإلا فقدت ثقة أوربا في ولائها وصدق بنائها.
وأما عن مشكلة ألمانيا المهزومة وكيف تعامل ، فقد تضاربت الآراء وتعددت الاقتراحات ، ولكنها جميعا تجمع على أمر واحد ، هو أنه يجب أن ينزع سلاح ألمانيا ، وأن يقضي على قوتها وصناعاتها العسكرية قضاء لا نهوض بعده ، وأن تتخذ لتحقيق هذه النية كل وسيلة سياسية وجغرافية واقتصادية
ومن المفهوم أن القضاء على النظام النازي ( الاشتراكية الوطنية ) أو النظام الهتلري ، يجب أن يسبق أي إجراء آخر يتخذ في حق ألمانيا ، فهذا النظام العنيف يحمل أكبر تبعة في إثارة الحرب الحاضرة ، وفي تضليل الشعب الألماني ، ودفعه إلى طريق المغامرات الخطرة ؛ ويجب أن يقضي على الفلسفة النازية وكل آثارها ، وأن يشهر بها تشهيرا كافيا في أعين الشعب الألماني ، وفي العالم أجمع بحيث يغدو اعتناقها أو الإيمان بها عارا يجب التبرؤ منه ، وبهذه الوسيلة وحدها
يمكن أن تعود ألمانيا إلى حظيرة الأمم المسالمة التي تؤمن بحق غيرها كما تؤمن بحقها .
ثم إنه يجب فيما يتعلق بنزع سلاح ألمانيا ألا ترتكب الأخطاء الماضية ؛ فقد تقرر نزع سلاح ألمانيا الإمبراطورية في معاهدة فرساي ، ولكن تركت لها أنقاض الجيش . الإمبراطوري سليمة ، وتركت لها الوسائل التي تحيي بها جيشها المنحل ؛ أما في هذه المرة فيجب أن يكون تجريدها من السلاح تاما شاملا ، ويجب أن يبدأ في ذلك بتحطيم جماعات اليونكر ، وهي الأسر البروسية العريقة التي يستمد منها " الريخسفر " ( الجيش الألماني ) معظم ضباطه وقواده ، كما يجب أن تنزع الصفة العسكرية عن الصناعات الحربية والكيماوية والصلبية الألمانية ، وأن توضع تحت إشراف المجلس الأوربي ؛ وأن توضع وسائل النقل الألمانية كلها في يد لجنة أو لجان دولية تقوم على استخدامها وتسييرها .
ولما كان من المسلم به أن تفرض على ألمانيا التعويضات المناسبة لما أحدثه الجيش الألمانى من تخريب في مختلف الدول التي غزاها ، وما ارتكبته الإدارة الألمانية في الأراضى المحتلة من صنوف الاغتصاب والسلب ، فإنه يجب أن توضع الصناعة الألمانية كلها تحت الوصاية ، وأن يخصص إنتاجها لدفع التعويضات المطلوبة ؛ وقد بدأت روسيا السوفيتية بالفعل تحصي مطالبها من التعويضات عما ارتكب في أراضها من العبث والتخريب الشامل . ويقول أصحاب هذا الرأي إن فرض التعويضات على ألمانيا هذه المرة يجب أن يكون بصورة معقولة وعملية ، بحيث تستطيع ألمانيا أداء ما يطلب منها في بضعة أعوام ؛ ولا بأس من أن تؤلف من أعضاء الحزب النازي السابقين فرق خاصة للعمل في المناطق المخربة ، وذلك تيسيرا للأداء ، وتحقيقا للإصلاح العاجل
هذا وأما فيما يتعلق بالحلول السياسية والجغرافية التي تطبق على ألمانيا المهزومة ، فقد تعددت الآراء أيضا ،
وهناك أقلية تري أنه لا مانع من الإبقاء على ألمانيا كوحدة قومية سياسية على أن ترد إلي حدودها التي كانت لها قبل سنة ١٩٣٨، وهي الحدود التي رسمتها لها معاهدة فرساي مع إجراء التعديلات التي تتطلبها الظروف الجديدة . على أن الرأي الغالب يتجه اتجاها آخر ، فهو يري أن اجتماع الكتلة الجرمانية القوية في قلب أوربا على هذا النحو ، يبقى خطرا دائما على سلام أوربا ، وما دامت السيطرة البروسية قائمة في المانيا ، فان التقاليد العسكرية البروسية سوف تحدث أثرها دائما في الشعب الألماني ؛ ولهذا يري أصحاب هذا الرأي أن ترد بروسيا إلى حدودها القديمة ، وأن تحرر ولايات الرين ووستفاليا وهانوفر وسيليزيا من النير البروسي ؛ وأن تكون بافاريا وسكسونية وحدة سياسية خاصة ، وأما النمسا فالرأي مجمع على ردها إلى استقلالها القديم ، وإلى حدودها الطبيعية ، وقد يضم إليها فوق ذلك مناطق التيرول الجنوبي التي فصلت منها في الحرب الكبرى ، وأعطيت لإيطاليا
ومن الواضح أن تنفيذ الحلول والاقتراحات المتقدمة يقتضي أن تحتل الدول الظافرة ألمانيا مدى حين ، وأن توضع ألمانيا فوق ذلك تحت إشراف إدارة دولية ، تراقب تنفيذ النصوص العسكرية والاقتصادية للمدة التي تراها كفيلة بتنفيذ هذه النصوص بصورة مرضية .
تلك خلاصة الآراء والحلول التي يعرضها بعض الكتاب والساسة الديمقراطيين لتنظيم السلم الأوربي المستقل ، وهي آراء خاصة ليست لها أية صفة رسمية ، أو شبه رسمية ؛ وهي بلا ريب تعالج ناحية فقط من المشكلة العالمية الكبري ، هي ناحية ألمانيا المهزومة . والواقع أن تنظيم السلم المنشود مشكلة أعظم وأوسع مدي مما تقدم ومن المحقق أن تسويتها بجميع نواحيها وتفاصيلها سوف تستغرق جهودا فادحة من جانب الظافرين والمهزومين على السواء ؛ وقد تمتد هذه الجهود إلى بضعة أعوام .

