الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 294الرجوع إلى "الثقافة"

آنا كارنينا ، لليون تولستوي، عرض وتحليل

Share

يدور محور قصة آناكارنينا " حول امرأة متروجة دون حب لرجل يكبرها ، وتقع في شراك ضابط موسر ) فرونسكى " فتهرب معه وتهجر زوجها وولدها الصغير ! ويرفض زوجها ان يطلقها فيطردها المجتمع ويسقطها من حسابه . . وفي النهاية تعتقد انها قد حطمت حياتها وحياة عشيقها فتقتل نفسها .

ومأساة آنا كارنينا تعتبر اعظم مآسي الأدب . فنحن إذ نتابع العواطف المختلفة في سياق القصة نجد أن القوة التي أحبت بها " آنا " فرونسكى " ما تزال تسيطر علينا ، باقية في خيالنا ، لا تمحي حتى حين أظلمت سماء حبها .

ويعتبر ماثيو أرنولد الكتاب قصة من الحياة أكثر منها قصة فنية دقيقة الصنع . . الحياة التي رآها المؤلف بعين داخلية ، واحس بها في زوايا نفسه وعاش خلالها . . ثم كتبها بإحساس وشعور قويين . ولا غرو فقد قال تور جنيف عن هذه القصة إنها طرفة ادبية من أروع ما كتب في الأدب " ! كما ان دستويفسكي يقول : " لقد سمت نحو الكمال الذي لا يضارعها فيه أي عمل ادبي آخر كما يعتقد جالسورني أن موقفي موت آنا وولادة ابنها ، هما أعمق المواقف العاطفية في الأدب الروسي

والمتطلع إليها يجد ان سحر البطلة يأسرنا ونحن نتابع أطوار حياتها المختلفة من سقطات وأخطار وأحزان . ومع ذلك نجدنا لا نبرح متأثرين بطبيعتها الفاتنة الصافية ، فإذا بنا لا نحافظ على عطفنا عليها فحسب ، بل على احترامنا

لها . فآناكارنينا قصة كبيرة . . أليمة ..مرحة . مشوقة ساخرة . مهزلة فاجعة كالحياة نفسها .

ويقول الناقد الإجليزي داي لويس : إن " آنا "هي آخر روايات تولستوي التي كتبها قبل ان يتحول مجري حياته ذلك التحول المعروف ؛ ولعلنا نلاحظ ظلا لذلك الانقلاب في نفس القصة ، إذ ان المؤلف قد تقمص شخصية الفين وفي الكتاب أجزاء توضح لنا تبرمه من اسلوب حياته التي كان يحياها وأحبها من قبل ، والتي لخصها في " اعترفاته " بقوله : " على كل فرد ان يعيش ليحصل على أحسن ما في الحياة لنفسه ولعائلته " .

ولكن في هذه الفترة الأخيرة كان تولستوي قد بدأ يبحث عن المعنى السديد الذي تعنيه الحياة ، ولم يعثر عليه في الفلسفة العقلية أو في المرح النفساني ، بل وجده - كما وجده لفين في القصة - في الحياة الروحية . الحياة الوحيدة التى تستحق ان يعيش من أجلها البشر . وعلى ذلك فقصة " آناكارنينا " تعتبر في رأس القائمة من ناحية طريقة معالجتها وروحها ، إذ تغلب عليها الواقعية ، وشخصياتها ومواقفها طبيعية ، حتى ان القارئ يتوقف احيانا عن القراءة بين كل فترة وأخري ليقول لنفسه : " حقيقة . هذه حقيقة . وهكذا تسير الأمور .

وتتآلف مواقف القصة ومناظرها وحوادثها لتعطي صورة لمجتمع المدنية الحديثة التي بدأ تولستوي يحتقرها ، وجعل ذلك الاحتقار لها يزداد ويحقر في نفسه على مر الأيام حياة الطبقة الروسية العالية الراقية ، الطبقة المادية الهاربة من المسئوليات ، والتي لا يمكن مقارنتها بطبقة الفلاحين الروس وحياتهم . . الحياة الخشنة النافعة بمسراتها وأفراحها الساذجة ، وقناعتها بأعمال الأرض ، وإيمانها بالقوة الإلهية السامية

وفي " آناكارنينا " تدرس شخصية امرأة تنطوي

نفسها علي شعور تام بالخير والشر ؛ امراة ذات جمال باهر وسحر فاتن ، شخصية قوية بالرغم من انها لا تظهر في بعض الفصول المتتالية علي مسرح القصة ، إلا أنا نشعر أنها المركز الرئيسي الذي تدور حوله كل الحوادث والتيارات النفسية المختلفة .

وإذا تساءلنا ما هي الفاجعة في حياة " آنا " وجدنا أمامنا إحدي مقدمات أرغمت ريس عن القصة التي يقول فيها : " إن البيئة والحالة التي توجد عليها كل امراة وتعيش خلالها ، إنما هي الاختبار الدقيق للحالة الاجتماعية التي تتأثر بوجودها . وعلى هذا فإن تولستوي يبدو كأنما لمس هذه الحالة تماما " والآن تتضح الحقيقة ، وهي ان الازمة الأخيرة التى حلت بحياة آنا إنما كان سببها الرئيس الموقف الذي واجهتها به البيئة الاجتماعية حينئذ لاتصالها ذلك الاتصال غير الشرعي بفرونسكي وهجرها زوجها وولدها . ولعلنا نذكر الحقيقة إذا قلنا إن تولستوي اراد ان يظهر بحالتها هذه الضعف المعنوي الذي لحق بتلك الهيئة الاجتماعية.

وليست مأساة آنا بدائية ، إنما هي النزاع العقلي بين نفسها والمجتمع ، كما انها ليست امرأة قانتة بدأت تفقد محاسنها ، حتى إن الكاتب برسى ليوك يقول : " إذا اردت ان ابحث عن احسن صورة خلقت في الأدب لامرأة تعيش تحت رحمة الزمن ، متعرضة لحوادث السنوات والأيام ، تستقبلها تارة صريحة كما هي واخري في مداراة ، مسجلة ما ستكون عليه ، فإني أجدها بالتأكيد في قصة " آنا كارنينا " ؛ فمع أن صورها مختلفة متنوعة دقيقة ، إلا أن طبيعتها تخضع لضغط الزمن الذي يهاجمها ويخضعها ثم يرى بها إلي الهوة . . وهكذا يتعقبها تولستوي ويترجم إحساساتها من البداية حتى النهاية " .

ومع ذلك فإن الزمن ليس هو السبب الرئيسي في

مأساة آنا ، فهي لم تقتل نفسها لأي سبب روحي او مادي أجبرها الزمان عليه . ولكنا كلما ازددنا معرفة بحياتها مع فرونسكى ، كلما رأينا انه ينقصهما الاستقرار الناشئ عن ذلك الحب الدفين الذي يجمع بين قلبيهما .

وعلي ذلك يمكننا أن نقول إن تولستوي كان ينظر إلي القانون العقلي بشعور علمي محض . . الشعور الذي يقول : " إن النتائج السيئة تنتج من المقدمات الخاطئة " . وهذه هي الحال بين فرونسكي وآنا . فكلما تعمقنا في فهم علاقتهما التى كانت بدايتها تبدو  بريئة ولكنها تخفي مسوءة ، لاحظنا ذلك الإثم المهلك . . ولاحظناه بإمعان أكثر في نفسية آنا " ذاتها . تلك المرأة المتشائمة الدقيقة الشعور والإحساس اللذين ينبثان بضعف أعصابها المريضة ؛ وليس أدل على ذلك من أن التمثال الذي نقيمه في انفسنا عن شخصيتها المخلصة المتزنة - إذ هي تضحي بالمجيء إلي موسكو لتصلح ما بين أخيها وزوجه - سرعان ما يتحطم حينما يخبرها أخوها أن حارس القطار قد دهسته القاطرة فتنفجر غاضبة وتمتلئ عيناها بالدموع وتقول : " إن هذا لفأل سئ " . وهذه لحظة لها قيمتها ، فهي تنبئنا عن المصير الذي ينتظرها ، وثقتها الضعيفة التي يمكننا متابعتها في علاقتها مع إليكس زوجها . . وإذ بنا نشعر كما شعرت هي - حين قابلت فرونسكى - أنها وزوجها لم يكونا على وفاق ورضاء تامين

وأي إشراق في ذلك الموقف حين عادت إلي بطرسبرج ، فلقد قابلها إليكس على المحطة فكان صدى شعورها هذه الكلمات : " يا إلهي لماذا خلقت اذنيه بهذا الحجم الكبير ؟ ! " شعور مقيت امتلك حواسها حين نظرت إليه ، ولعلها كانت ترجو أن تراه مختلفا . ومرة ثانية حين عادت إلي منزلها وهي تحي نجلها الصنير العزيز سرجي  فنحن لانشك في حبها العميق لابنها ، ولكنا نشعر في الوقت ذاته -

كما يقول المؤلف - " أن شعورها الأول حين رأت طفلها كان وهما ، فهو يحاكى نفس الشعور الذي قابلت به زوجها . فلقد كانت تتخيله أحسن مما هو عليه . وكان عليها ان تهبط إلي الحقيقة لتسعد به " . هاتان النقطتان توضحان ذلك المرض النفساني الذي تعانيه آنا .

ويقول العلماء النفسيون في تعريف الشخص الخيالي : " إنه ذلك الذي يخلق حوله دنيا وهمية أ كثر رقة ولطفا وحسنا عن دنياه الحقيقية " . ويمكننا مطابقة ذلك على الشعور الذي قابلت به آنا حقيقة زوجها وولدها بعد عودتها إلى منزلها ، ومن هذا يتضح لنا انه كتب عليها الا تكون قانعة في حياتها ، فهي لا يمكنها ان تقبل الحياة على علاتها . ومحاولاتها في أن تزن حياتها إزاء اهوائها المختلفة كانت محاولات صعبة لم تتحملها ، فبينما هي في منزلها نجدها تتوق إلى فرونسكي الذي تتوهمه شخصية غير عادية . . ولكن حين تهرب معه ، وبينما هي منغمرة في سعادتها الطاغية التي لم تشعر بمثلها من قبل ، نجد تلك الدودة الميتة - دودة التبرم والضجر والوهم الخاطئ - تسري في قلبها ، حتى إن المنزل الذي هجرته يأخذ لون الورود التي سبق ان رسمت بها حبيبها .

ويمكن ملاحظة هذا التطاحن في نفسية آنا من ترددها حيال مسألة طلاقها ، فهي ترغب دائما في ان تجنى من كلا البستانين أشهى الثمار ، أو بمعنى أصح أن تجعل هناك بابا مفتوحا بين حياتها مع إليكس - سرجي وحياتها مع فرونسكي وحينها شعرت بنفسها تحمل ابن فرونسكي ، إذ بها تتجه في هذيانها نحو زوجها ، حتى يخيل إلينا أنه في الإمكان إيجاد الصلح بينهما . . ولكن في الحقيقة أنه لا هو ولا هي لدي أيهما الرغبة الصحيحة في بناء حياة جديدة تقوم على علاقات عميقة على انقاض هذا التقلقل الذي يسود حياتهما . فاليكس عبد طيع لدنياه ، بينما آنا تسقط إلي الهوة بخيالاتها

وأحلامها وأوهامها . ومع ذلك فبعد ان فرت هاربة مع فرونسكي لم تجد من نفسها الشجاعة لان تطلب من إليكس أن يطلقها . . فهي في اللاشعور ترغب في ترك كوة مفتوحة حتى لاتغلق عنها حياة إليكس إغلاقا تاما . . ولكنا نلاحظ - حين ضغطت عليها الظروف الخارجية وأجبرتها لأن تحاول الطلاق منه - أن علاقتها بفرونسكي بدأت تتقوض بوضوح امام اعيننا ، وان حياتها معه لا تبدو حقيقة واضحة ، بل هي وهم وخيال .

وتولستوي الذي خلقها امرأة حبيبة تنال الإعجاب والعطف عليها دائما ، لم يضن عليها بالآلام والاحتقار . وتحضرنا الآن تلك الفقرة من " ذكريات " جوركى التي يقول فيها : " إن تولستوي كان يشعر بكراهية حادة مكبوته نحو النساء جميعا ، وإن هذا يؤثر في معالجته لحالة آنا كارنينا في روايته " . وسواء اكان هذا صحيحا أم لم يكن ، فإنه لا يضعف من النهاية الفاجعة التي انتهت بها حياة آنا .

فذلك المرض النفساني الذي يحدثنا عنه والمستولي عليها ، والذي لم يظهر ضرره في بداية أيامها حين كانت تجد الملاهي والملذات المختلفة والأصدقاء العديدين الذين يعطفون عليها . . ذلك المرض نغص عليها حياتها حتى ارهق اعصابها وأصبح قاتلا مميتا . . وتجمعت حياتها كلها في فرونسكي فانقلب حلوها مرا ، وانقلبت عاطفتها نحوه غيرة شيطانية كانت تحاول التغلب عليها عبثا . . وإذا بها تشعر انه كتب عليها أن تهدم حياتها وحياة فرونسكي معا بيدها .

وهكذا . . تتابع حياة تلك المرأة من بداية الكتاب حتى نهايته والإعجاب يملأ نفوسنا . . إنها امرأة تختلف عن النساء . ما أبدعها في مرحها وأهوائها ! وما اعظمها في حبها ! وما أنبلها في لحظات ذلها وهوانها ! ولكنها امرأة - إذا كانت هناك امرأة مثلها - توضحها لنا اباطيل ذات نفسها

اشترك في نشرتنا البريدية