" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته . فإذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا حتى يتجلي . حديث نبوي
الخوف والقلق :
كل ما في الكون من ظواهر طبيعية وفلكية عجيب غريب، يسير حسب نظام خاص بى الانسان لكشفه وتسيره قوة خارقة مبدعة منظمة يعمل العلماء على الاقتراب منها والوقوف على حقيقتها . ولا يخفى أن من هذه الظواهر ما يقع دائما وبانتظام في أوقات معلومة ، فلا نرى في ذلك ما يثير الدهشة . ومنها ما يقع نادراً وهذا هو الذى يحدث الخوف ويدخل القلق إلى النفوس .
أليس ظهور القمر في أوجه مختلفة من أعجب ما يراه الإنسان ؟
أليس في ظهور الشمس يوميا من المشرق ثم في اختفائها مساء في الافق الغربى من اغرب ما يجري في الكون ؟
ولكن تكرار حدوثهما بانتظام ودون انقطاع أزال الغرابة ، وجعل ذلك من الأمور العادية لا يقف عندها الانسان وجلا أو مكترا . وفى هذا العالم المليء بالعجائب ظواهر طبيعية نادرة الوقوع يحدث بعضها مرة في كل عام أو مرتين ، وبعضها قد لا يحدث إلا مرة في كل حسين أو مائة سنة، ومن الطبيعي أن تظهر هذه للناس غير عادية فيحسبوا لها ألف حساب ويهتموا بها ويستولى عليهم الفزع إلى درجة تجعلهم يعدون ذلك غضباً من الله أنزله عليهم .
وكان الناس يتمحلون لهذه الظواهر أسبابا ، منها ما هو معقول، ومنها ما هو غير معقول . فقد زعموا أن تنيناً يبتلع الشمس والقمر ثم يذعر بالصياح فيتقيأها . وكان الصينيون يتشاءمون من الكسوف ويقال إنه وقع من قديم الأزمان كسوف خاف الناس منه كثيراً، مما جعل بعض الشعراء يذكر ذلك شعراً، فقد جاء في إحدى القصائد الشاعر من بمناسبة كسوف حصل للشمس ما معناه :
کسفت الشمس، وذلك شؤم كبير
ئم صغر القمر وصغرت الشمس
ولذلك ستسوء حالة الناس على الأرض .
وهذا إنذار سوء من الشمس والقمر
ساءت الأحكام في البلاد كلها
لأن السيادة ليست في يد الصالحين
خسوف القمر أمر عادى
ه وأما كسوف الشمس فما أشأمه ...
وفاة ابن الرسول الأعظم :
جاء في البخاري عن ... عن مغيرة بن شعبة قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله عليه السلام يوم مات ابراهيم ( ابن رسول الله ) فقال الناس : كسفت الشمس لموت ابراهيم فقال رسول الله (ص) : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا حتى يتجلى .
وبذلك يكون الرسول الأعظم صلوات الله عليه قد حداً لسخافات التجمين وأقوالهم ، ولاعتقادات العامة فى أسباب الكسوف وغيره. وبين بأن الظواهر الطبيعية لا تحدث لموت أحد أو لحياته ، بل إنها تمير نظام وضعه الباري جل وعلا وما علينا عند حدوثها ، أن تذكره تعالى ونذكر عظمته وقدرته على كل شيء وفى تلك الذكرى ما ينفع المؤمنين ويزيدهم إيمانا .
الكسوف والخسوف
والآن . . ما الكسوف ؟ وما الخسوف ؟ وما أسبابهما ؟
إن الأجرام السماوية ليست متساوية الأبعاد عن الأرض ، ومن هذا يصدف أن يمر جرم أمام جرم آخر
بيننا وبينه فينتج عن ذلك حجب الجرم الثانى من نظرنا ، في الكسوف يتفق أن يمر القمر بين الأرض والشمس تماماً فيحجب نورها عنا . وهنا قد يخطر للقارى" أن يسأل : كيف تمكن القمر أن يحجب نور الشمس وهي أكبر منه بكثير ؟ والجواب هو أن الشمس والقمر يظهران كأنهما متساويا السمة ، لأن القمر أقرب إلى الأرض من الشمس. وتكاد تكون النسبة بين بعدى الجرمين المذكورين عن الأرض تساوى النسبة بين سعتهما . وحينما يتفق مرور القمر بيننا وبين الشمس عاماً والذين فى المكان المقابل لمركزيهما يرون القمر عند تكامل الكسوف قد غطى وجه كله. وهذا ما نطلق عليه الكسوف الكلى. وإذا كانت الشمس في أقرب بعدها عنا ، فإن وجهها يكون أوسع من وجه القمر ، ويرى أنه على وجهها كله وترك حلقة ضيقة حوله ، وهذا ما يسميه الفلكيون بالكسوف الحلق، وإذا من فرص القمر أمام جانب من قرص الشمس فإن الكسوف يكون جزئياً ، وقبل تكامل الكسوف الكلى أو الحلق عمر القمر على وجه الشمس ، وعند تكامله ( تكامل الكسوف يأخذ القمر في الأنجلاء عن وجه الشمس تدريجياً وبطء إلى أن يتم الأنجلاء وترجع إلى حالتها الأولى من البهاء والسناء وأكثر ما يحدث فى السنة خمسة كسوفات ، وأقل ما يحدث كوفان، أما الخوف فيختلف عن الكسوف ، فليس بيننا وبين القمر أجرام يمكن أن ينتج عن مرورها حجب ضيائه ، وإذاً فكيف يحصل الخسوف وهو أمر شاهده الناس وتحدثوا عما يحدثه من رهبة وجلال
للأرض ظل يمتد وراءها إلى مسافة تقرب من (٩٠٠) ألف ميل ، فاذا اتفق ووقع القمر - وهو الجرم الوحيد الواقع ضمن هذه المسافة - في هذا الظل أثناء سيره في فلكه حول الأرض حصل خسوف ، فاذا صدف ووقع كـله
في الظل شمله خسوف كلي ، وفي حالة وقوع جزء منه في الظل شمله خسوف لذلك الجزء يُطلق عليه خسوف جزئى .
وقد استطاع الفلكيون أن يحسبوا أوقات الكسوف والخسوف ، وأن يتنبأوا من حدوثهما ، وقد جاءت حساباتهم دقيقة جداً إلى درجة كثير الدهشة والاعجاب !
وقد لا يحدث فى العام خسوف ما . وقد يحدث كسوفان وثلاثة خسوفات ، وأكثر ما يحدث خمسة كسوفات وخسوفان ، وفي غالب الأحيان لا يزيد عدد الكسوفات والحسوقات على أربعة .
المناظر الخلابة :
قد يكون منظر الكسوف ولاسيما الكلى من أبهج المناظر وأكثرها وقعاً في النفس فعند الكسوف الكلى ترى المشاعل ، وهى تتوآت تندلع فوق سطح الشمس إلى مئات الألوف من الأميال تتكون من بخار الهيدروجين والكلس ، قد أسبقت الحرارة الشديدة على الأشعة الصادرة منه لوناً أخر. ويرى أيضاً السنة تنبعث منها نار حمراء كما يرى الاكليل - وهو أشعة محيطة بالشمس ذات لون أخضر ونور لؤلؤى ، في كسوف أواخر مايو سنة ١٩٠٠ قال أحد العلماء الذين وصدوه من بلاد الجزائر إن الاكليل المحيط بقرص الشمس كان كبيراً جداً ومشرفاً يبلغ عرض هالته قدر قطر الشمس ، وقد نا عنه لسانان كبيران، أحدهما إلى أعلى والآخر إلى أسفل. ولما تم الكسوف برد الهواء وأظلم وجه الأرض وشعر الناس كأن زوبعة دنت منهم ، وقد بق الاكليل منظوراً دقيقة ونصف دقيقة بعد تمام الكسوف ، وظهر عطارد والزهرة ، كما ظهر معهما نجمان آخران وتغير لون السماء من أزرق إلى رمادى ، ولون الأشجار من أخضر إلى.
قرمزى . ويقال إنه عند حدوث الكسوف في ٢١ أغسطس سنة ١٩١٤ ظهر الاكليل بشكل جذاب مهج زاد في بهائه الألوان البديعة التي رؤيت فيه من أبيض وبرتقالي وأصفر وأخر وبنفسجي وفي كسوف مايو سنة ١٩١٥ ظهرت نجوم كثيرة وكان الاكليل واضحاً جداً. ويقول جيز إنه عند كسوف سنة ١٩١٩ ظهر نتوء بدا للعالم على صورة آكل ضخم من أكلة النمل يبلغ البعد بين خرطومه وذيله (۳۵۰۰۰۰) ميل وهو حجم کو تیتر الحيوان لاستطاع أن يبتلع الأرض كلها كما تبتلع الجبنة ... ثم رفع ذلك المخلوق خرطومه وذيله على سطح الشمس ... وزاد فى عدد أرجله وأخذ يقفز إلى أعلى ، فوصل إلى علو (٤٧٥۰۰۰) ميل ، وعندند حال غروب الشمس دون الاستمرار في مراقبة ما كان بعد ذلك من غريب أحواله.
وعند الكسوف يستعد العلماء من كل الأقطار لرصد الشمس ودرس احوالها وسطحها ، ويذهبون إلي الآماكن التي يري فيها الكسوف كليا ، ويستعملون كل مالديهم من الوسائل والآلات الرصد لزيادة معلوماتهم عن الشمس وللوقوف على التغيرات التي يحصل علي سطحها ، وعن العلاقة بينها وبين ما يحصل من الظواهر الجوية على الأرض
وأخيرا وقبل الختام الفت نظر الصيادين إلي كثرة السمك الذي يخرج إلي الشاطئ عند ما يظلم وجه الأرض عند الكسوف الكلي وهذه فرصة سانحة لهم ، فما عليهم إلا أن يلقوا شباكهم في البحر ، وانا الكفيل بأن يسحبوها إلي ( الشاطئ ) مثقلة بأنواع الأسماك .
(نابلس)

