الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 411الرجوع إلى "الثقافة"

أبطال الفكر والعلم والفن, وتاثيرهم في التاريخ

Share

الدور الذى يلعبه الرجل العظيم في التاريخ من المسائل التي طالما استهوت العقول ، وشغلت الأفكار ، وأثارت الأخيلة ، وقد عنى بهذه المسألة بوجه خاص المؤرخون والباحثون الاجتماعيون والفلاسفة . وسواء ذهبنا مذهب القائلين بأن الرجال العظماء من خلق الظروف والمناسبات والملابسات التى تمهد لهم ، وتزيل العقبات من طريقهم ، أو جارينا القائلين بأن العظيم هو الذى يخلق الفرصة المناسبة وبسيطر على الظروف بمضاء عزيمته ورجاحة تفكيره وحسن تأنيه في فهم حاجة عصره ، فإننا في كلتا الحالتين لانستطيع نكران تأثير العظماء البعيد في عصورهم وما يتلوها من الحوادث والتغيرات والأنقلابات . وقد نستطيع القول بأن الحرب الكبرى الأولى وتصدع النظام السياسى فى روسيا مكن لظهور لبنين وأتاح له الفرصة المواتية ؛ ولكنى أرجع أنه لو لم يوجد رجل مثل لبنين لا تجهت الحوادث في روسيا اتجاها آخر غير اتجاهها المعروف ، ولو لم يظهر رجلان مثل هتلر وموسولينى ويحاولا غزو أوربا وبسط سيادتهما على العالم لما حدثت الحرب الكبرى الثانية أو لتأخر وقوعها على أقل تقدير ، فتأثير هؤلاء الرجال ذوى الشخصية البارزة والإرادة المصممة من المسائل المقطوع بصحتها ، فهل لرجال الفن وأبطال العلم والفكر مثل هذا التأثير البعيد المدى؟

إن الذين يؤمنون بأهمية الإفراد البارزين ذوي الأخطار في التاريخ لا يكتفون بإثبات حقيقة وجود هؤلاء الأفراد البارزين ، بل يقدمون لنا الدليل على أن لهؤلاء الأفراد تأثيرا حاسما فى ميادين النشاط العملى التى اقتحموا حومتها وجاهدوا بها ؛ فعلى الذين يدعون ان للعلماء والفنانين

والفلاسفة مثل هذا التأثير أن يستعدوا لمواجهة الاعتراض القائل بأنهم إذا كانوا يوجدوا ولم يعملوا فإن غيرهم كان سيقوم بعملهم ، ويتم ما أنجزوا ، ويصنع ما صنعوا.

ولأول وهلة يبدو لنا في عالم الفن والعلم أن الأدلة متوافرة من كل النواحى على أن النماذج الأصيلة فى الأدب والفن التى تحتذيها قد أوجدها عدد قليل من العباقرة المتازين ، وسار الباقون من ذوى المواهب المحدودة فى آثارهم ، وتقبلوا طريقتهم . ومما يسترعى الملاحظة ان هؤلاء العبقرين قد يجيئون جماعات ، لأن بعض العصور أقوى استعدادا لتلقى العبقرية واستنارتها ، وهى تمكنها من ان تزدهر وتتفتح ، ولكنها لا تخلق العبقرية كما ان الثرى الخصب لا يخلق الأزهار الرابية اليافعة.

والمعروف فى تاريخ الموسيقى أن خطوات التقدم لم تتم إلا بدافع من كبار الموسيقيين من أمثال بيتهوفن وموزار ووجتر وستراوس ، وقد يكون لذوق الجمهور أو ذوق بعض حماة الموسيقى وانصارها اثر فى اختيار الموضوعات التى يتناولها الموسيقار ، ولكن الموسيقار الكبير فى الأغلب الأمم يختار الموضوعات التى ترروفه قبل كل شئ ، ولا تظاهر أصالته وطرافته إلا فى الموضوعات التى يتناولها بمحض إختياره ويدافع عن نفسه وذوقه الخاص.

وفن التصور من الفنون التى يتجلى فيها استغلال الفنان ، وحتى في الصور الكبيرة التى كان يحتاج فيها المصورون إلى الاستعانة بغيرهم من الصناع كانوا هم المستئولين عن عمل التصميم ورسم الخطة ، وابس معنى ذلك ان تاريخ التصوير لم يتأثر بالبيئة المحيطلة وملابسات الأحوال ؛ وإنما المدار هى ذلك على كيفية تناول الفنان تلك الملابسات والأحوال . وقد مختلف المواد التى يعمل بها وطرائق العمل باختلاف العصور ، ولكن الذى ميز اهمال الفنان العظيم هو طابعه الشخصى ، وحساسيته الفردية ، ونفاذ نظره ، وقدرته على أن يرينا الأشياء في ضوء جديد.

وكثيرا ما يقال إن الفنان العظيم - سواء في التصوير أو الموسيقى أو الأدب يلبى مطالب عصره حتى حينما يكون متمردا على ذلك العصر ، ويعبر عنه ، وإذا كان ذلك حقا فان الفنان العظيم يدل على عظمته وتمكنه ويثبت كفايته وأصالته فى الطريقة التى يتلقى بها حاجة العصر ، وكيف يتناولها ويصرفها ويستجيب لطالبها فهو لا يكون من خلقها وإيجادها ، ولا يقف منها موقف الخادم المطيع من سيده الأمر الجبار ؛ وإنما يروضها ويخضعها لمشيئته وقدرته ؛ على أن هذا ليس مطردا فى كل الأحوال ، ففى الأغلب الأعم ترى الفنان العظيم يخرج على مشاعر عصره وطرائق فهمه ، وهو فى النهاية يعتمد على نفسه ، وبستمد من تيمه لكي يخلق الحساسية والذوق الجديرين بتقدير ما يرمى إليه ويعمل لتحقيقه ، وإدراك ما فى فنه من براعة وامتياز وتاريخ الفنون حافل بثورات النقاد وتنديدهم بالفنانين الخارجين على القواعد والأصول ، وهو يرينا أثر العبقريين تغيير الأذواق ، وتعديل مقاييس النقد وأساليب الفهم .

وفى تاريخ الفلسفة بتجلى أثر الأحوال السياسية والنزعات الدينية السائدة والاتجاهات العلمية ، ولكنه لايصبح مفهوما واضحا إلا إذا كان محوره أفكار الفلاسفة الكبار مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وتوما الأكويني  وديكارت واسبنوزا وأضرابهم من فلاسفة العصر الحديث . وكثيرا ما أهمل النظر إلي الفلسفة من الناحية الاجتماعية ، ولكن النظر إلى الفلسفة من الناحية الاجتماعية لا يفسر لنا سوى الأسباب التى دعت إلى ذيوع بعض الأفكار الفلسفية وحسن تقبلها فى بعض الأوساط الخاصة ، ولكنها لا تفسر لنا لماذا خلقت تلك الأفكار ووجدت . والفلسفات الى نجحت وهم تأثيرها قليلة العدد بالقياس إلى المذاهب الفلسفية الكثيرة التى انتجها الفلاسفة وفى بعض الأحيان لا يصادف المذهب الفلسفى

قبولا فى عصر نشأته وتكوينه ، ويرتفع شأنه ويعظم تأثيره فى العصور التالية ؛ وقد لا تتاح الفرصة لبعض المذاهب الفلسفية فتظل حبيسة فى المؤلفات والمراجع الفلسفية بمعنى بها المفكرون وحدهم .

والفلسفات الى تروج فى عصرها وتقبل لا يمكن ان يقال عنها إنها كانت ضرورة من ضرورات العصر ومستلزمات المجتمع او الطبقة السائدة به . على ان الفلسفة التى تنتصر وتعم هى فى الغالب الفلسفة الواسعة الإحاطة المحكمة البناء المرنة العملية.

أما فى ميدان العلم فان وحدة أسلوب البحث وكون المشكلات التى تركها العلماء السابقون هى نفسها التى تواجه العلماء الذين يجيئون فى أعقابهم والعلاقة الصميمة بين العلم والصناعة ، كل ذلك مما لا يجعلنا نقبل الغرض القائل بأن التقدم العلمى مدين بمعظم ما أنجزه وما بلغه لجهود كبار العلماء ؛ يضاف إلى ذلك أن الكثير من الكشوف العلمية كانت ثمرة مجهود عالين كل منهما كان يعمل فى عزلة عن الآخر . والمعروف أن دارون وولاس وصلا إلى فكرة النشوء والارتقاء فى وقت جد متقارب ؛ ولكن هذه الاعتبارات تنتهى إلى تقرير أن العظمة فى المسلم قائمة على تلقى المشكلات النظرية والعملية لا على خلقها ، والعلم يتلقى حافز التقدم من حاجات العصر ومطالب الحياة الاجتماعية الضاغطة الحافزة ، ولكن هذا لا يلغى الحقيقة الواضحة ، وهى أنه ليس فى وسع كل إنسان أو فى طاقة كل عالم من العلماء أن يقوم بما قام به أمثال دارون أو نيوتن أو أبنشتابن وغيرهم من فحول العلماء وتوادرهم . وإذا لم يوجد أمثال هؤلاء الفطاحل فمن الصعب أن نتصور أن غيرهم ممن هم دونهم فى العبقرية والكفاية كانوا يستطيعون أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه ويبلغوا مبلغهم . ولا شك في أن العلوم الحديثة مدينة إلى حد كبير لأمثال كوبرنيكوس وجاليليو ولا بلاس وفارادى وكلارك ماكوبل وبلانك وأمثالهم ،

أكثر مما هى مدينة للتقدم الصناعى ، والتقدم الصناعى نفسه مدين للعلماء وكشوفهم ، ومن الصعب ان تتبين أثر التقدم الصناعى فى كشف نظرية مثل نظرية النسبية.

ولكن برغم ذلك فإن للتقاليد الفكرية والحاجات الاجتماعية وتنظيم الجمعيات العلمية أثر فى كشوف العلماء أكثر مما لها في خلق الفنان والأديب ؛ فالإنتاج الفنى المتاز يحمل طابع الشخصية المتازة ويعبر عنها ، وبرغم اعتماد الفنان على ثقافة عصره التى يستمد من نبعها فإنه من السخف والتسليم بالمحال أن نعتقد أنه لو لم يوجد لقام غيره بعمله وأنتج مثل إنتاجه ؛ فمن الممتنع أن نتصور قصيدة من قصائد المتنبى ينظمها غير المتنبى ، أو لحنا من ألحان بتهوفن ينظمه غير بتهوفن ، أو صورة من صور رافائيل يرسمها غير رافائيل . أما في العلم فإنه من المحتمل ان معظم ما ثم على يدى عالم من العلماء كان يمكن أن يتم على يد غيره من كبار العلماء الذين يعملون فى نفس ميدانه ، وبعض الشكلات العلمية كان يوجه إليها الهجوم من نواح مختلفة ، بحيث كان الأمل فى علاجها وتذليل عصبها قويا محققا. على أن الكشوف العلمية الحالقة فى بعض ميادين العلم كانت ثمرة وحي العبقرية الخالصة ، ولم يكن لضغط الحاجة ولا لتوجيه العصر أثر فى كشفها.

والذى نريد أن نواجهه الآن هو هل للشخصيات البارزة النيفة فى الأدب والفن والفلسفة والعلم اثر حاسم فى سير التاريخ كما لكبار النزاة والفائحين وبناء الدول وأعيان السياسة ؟ وهل كان امثال كانت ونيونن وبلزاك وشكسير من اللغوى التاريخية التى اثرت في تقدم المجتمع وحياته السياسية والاقتصادية ؟

من الواضح أن ادعاء مثل هذا التأثير للعلماء والفكرين ورجال الفنون لا يخلو من مبالغة وإسراف ولا خلاف فى أن عالم الصناعة قد تأثر بكشوف العلماء العبقربين ، ولكن هل التغيرات السياسية والاجتماعية الكبيرة الشاملة قائمة

على التقدم الصناعى ؟ إننا لا نستطيع ان ننكر تأثير كشف البحار واستغلال قوى الطبيعة فى حياتنا ونظمنا الاجتماعية ، ولكن الآلات الجديدة ثم السياسية الاجتماعية ولا تمليها وتحتمها ؛ فاستعمال الطائرة والدباب مثلا قد احدث شيئا من التغير فى أساليب الحرب ، ولكنه لم يكن سببا فى نشوء النظام الفاشى أو فى نشوب الحرب الكبرى الثانية وقد أسفر التقدم المسناهى الحديث عن ازمة المتعطلين ، ولكن السبب الأصيل لتلك الأزمة هو طريقة الإنتاج الاجتماعى التى تجمل عمل هؤلاء العمال غير عائد بالنفع على الذين يستخدمونهم . والاختراعات الحديثة لا تغير حربا ولا تفرض علينا سلما ، وإنما هى تعيننا على تنفيذ ما اعتزمناه وانتوبنا عمله .

ولا نستطيع فى عالم الأدب والفن القول بأن الحوادث التي غيرت وجه التاريخ واسفرت عن نتأج بعيدة المدى يمكن ان نعزوها إلى بعض الآثار الأدبية او الفنية . وأى عالم وأى فنان واى فيلسوف أثر فى تاريخ العالم تأثير الإسكندر وقيصر ونابليون او بطرس الأ كبر وهتلر وموسولينى؟ فتأثير الفاتحين وأعلام السياسة وزعمائها فى حياتنا العملية والاقتصادية والسياسية أظهر وأوضح من تأثير الفلاسفة والعلماء ورجال الفنون ، ولعل تأثير هؤلاء أقوى وابقى ولكنه أدق وأخفى.

اشترك في نشرتنا البريدية