الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 330الرجوع إلى "الرسالة"

أبونا النيل

Share

(أقبل الفيضان! أقبل الفيضان! أبونا النيل يعلو) هكذا كان يقول الأطفال في مصر فيترك كل عامل عمله  ويذهب ليشهد النيل العظيم وقد بدأ يفيض ماؤه على جانبيه

وقد كانت أرض مصر مدة اشهر عشرة قبل الفيضان جافة  بتأثير الشمس الجنوبية المحرقة، وهاهو ذا الصيف قد أقبل وارتفع  ماء النهر المعبود جرياً على عادته التي لم يخلَّ بها؛ وهاهو ذا يترك مجراه  ويصل إلى أماكن بعيدة من أرض البلاد التي يهبها الحياة، ويظل  النيل خمسين يوماً ينُعم على الناس ببركاته. وعندما يعود إلى مرقده  الآمن بين شاطئيه اللذين أنشأهما لنفسه، يحجب ظاهره بطبقة  غنية من الطمى الأسود تستمد منها الحياة فواكه الربيع  وزهوره وحبوبه، فينعم بها الناس إلى العام المقبل حيث يعود إليهم  مرة أخرى بهدايا مائه الغالي. أما في نظر الذين تمطر في بلادهم  الدنيا في الربيع والصيف والخريف، ويتساقط البرد في الشتاء،  وفي أرضهم الماء غير منقطع، فإن الفيضان بالنسبة لهم إخلال  بنظام الطبيعة ونكبة على الجنس الإنساني، لأنهم لا ينتظرون  ولا يريدون المفاجأة التي تجلب لهم النكبات والخسائر، وتهلك  محاصيلهم وتكتسح مساكنهم

لكن أبانا النيل لم يكن بالضيف غير المرحب به على هذا الاعتبار  بالنسبة لأرض مصر التي لفحتها الحرارة فلو أتى فيضانه مرة  في كل عام بمقدار أربعين قدماً لأصبحت البلاد صحراء كالصحاري  المجاورة لها. فلا عجب إذن في تقديس المصريين له واعتبارهم إياه  أباً عطوفاً مكللاً بالفواكه والورق الأخضر. وتصويرهم إياه وحوله  الأرواح السعيدة تلعب في مرح وهي وافرة العدد

ولكن مع كثرة ما يجود به النيل فإنه يعم جميع البلاد، ومع  أن مدة الفيضان مطلوبة مهما طالت فإنه يظل كالنائم في مجراه  الضيق عشرة أشهر في كل عام. وعندما ينتهي عمل النيل يبدأ  عمل الإنسان وقد كان عملاً مجهداً

هذا الماء الغالي الذي يأتي في وقت قصير يجب أن يحتفظ به،  من أجل ذلك كان الأرقاء ينشئون ما يشبه أن يكون بحيرة حتى  لا يضيع ماء الفيضان بدداً في الرمال. ويجب أن يحمل هذا الماء  إلى الدور والحدائق والمزارع التي تخرج عن المنطقة التي ينالها  الفيضان. ومن أجل ذلك كان يكلف الأرقاء بحمل هذا الماء  في أوان على رؤوسهم

وقد كان الجهد الإنساني رخيصاً في تلك الأيام وكان للملوك  والنبلاء في مصر مئات ومئات من العبيد لا يعدونهم أفضل من  المواشي: هم آلات إنسانية لم توجد إلا لتؤدي مالا نهاية له من  الخدمات لساداتهم. وعلى النقوش المصرية القديمة على الأحجار  صفوف وصفوف من العبيد حاملين أواني الماء على رؤوسهم

لكن حتى الأرقاء ومن يعهد إليهم بأن يسوقوا العبيد كانوا  أهل ذكاء ولم يكونوا حيوانات تعمل بلا عمل ولا فكر ولا محاولة  للتغيير. وفي يوم من الأيام حدث أن رجلاً ذكياً من بين اللذين كان  من واجبهم اليومي رفع المياه من المجرى المنخفض إلى الحقول  العالية، حدث أن هذا الرجل علق دلوه بطرف عمود خشبي  مستند وسطه إلى الجسر وتعلق بالطرف الآخر من هذا العمود  وها أنت ذا تراه الآن يطبق نظرية الرافعة مرة أخرى، فعلق الدلو  في سهولة في الهواء ثم سكب في الموضع الذي أراد الرجل أن  يرويه من ماء النهر

وقد كانت مصر موصولة الأجزاء على ضفتي نيلها بترع  وجداول تروى بواسطة الشادوف (الدلو والعمود)، وتوضع  هذه الشواديف أما فرادى وإما أزواجاً لرفع الماء من مستوى إلى  مستوى آخر. لكن كان لا يزال الرفع بواسطة رجال، وكانت كل  القوات الدافعة التي يجب استخدامها من نشاط العضلات

ثم جاء رقيق لعله أذكى ولعله اضعف جسماً من غيره، فظن  سيده أنه أكسل من رفاقه، راقب هذا العبد وهو يؤدي عمله  إحدى العربات المصرية وهي تسير بخفة بسبب عجلاتها الدائرة  فأخذ عجلة قديمة سقطت من إحدى العربات وعلقها في عمود

فوق حفرة الماء وعلق بها الدلو ووجد بذلك أن الدلو يهبط ويعلو  في سهولة وأن المشقة قد قلَّت كان الرجل يندفع إلى الأمام ثم إلى الوراء في أثناء إخراجه  للدلو ووضعه في الماء، ويتكرر ذلك طول مدة السقي فيفقد قواه  شيئاً فشيئاً لطول هذه الحركة، وهو فضلاً عن ذلك مضطر إلى  الوقوف بين دفعة ودفعة

فلما عرف طريقة العجلة التي تدور دون أن تقف أو تعاود  البدء، لما عرف هذه العجلة (الساقية) أضيف فصل آخر إلى  قصة العجلات التي مكنت الإنسان بسبب ما فيها من سرعة  الحركة من جر أثقاله ومن الانتقال على عربة، ومن رفع الأثقال  عن الأرض هذا فضلاً عن أن العجلة يمكن أن تدار سواء بواسطة  الإنسان أو بواسطة حيوان يساعد الإنسان في هذه المهمة، ولكنها  في مصر كانت على الغالب تدار بواسطة الإنسان وحده لكثرة  الرجال ورخص الجهد الإنساني.

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية