الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 47الرجوع إلى "الثقافة"

أبو العباس السفاح، هل كان سفاح للدماء حقا ؟

Share

كان أبو العباس الملقب بالسفاح أول خلفاء بني العباس ؛ ولي الخلافة عام ١٣٢ ، وتوفي عام ١٣٦ ، وكان شابا لم نزد سنه وقت ان توفي على ست وثلاثين سنة على أكثر تقدير . وكان جميل الخلقة ، وسيم الطلعة ؛ يقول فيه الطبري إنه " كان ذا شعرة جمدة ، وكان طويلا ابيض ، اقني الانف ، حسن الوجه واللحية ، ويروي ابن الأثير أنه " نظر يوما في المرأة ، وكان من أجمل الناس وجها ، فقال : اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن

عبد الملك : أنا الملك الشاب ، ولكني أقول اللهم عمرني طويلا في طاعتك ممتعا بالعافية ! "

وكان أبو العباس متصونا عفيفا ، حسن العاشرة لأهل بيته . روي المسعودي أنه كان قبل الخلافة فقيرا مملقا ، واتفق ان راته أم سلمة المخزومية ، أرملة هشام ابن عبد الملك ، فأعجبت به ورامت التزوج منه ، فاعتذر بضيق ذات بدء ، فأرسلت إليه من المال ما وفي بحق الصداق والهدية . وقد حلف لها ألا يتزوج عليها ولا يتسري . فلما صارت إليه الخلافة ، وسيقت إليه الدنيا ، وفي لها كأشد ما يكون الوفاء والبر بالعهد .

وكان أبو العباس مقتصدا في معيشته ، لم تخرجه ابهة الملك وعظمة السلطان عن حد البساطة في مأكله ومشربه وملبسه ; وقد احصوا ما خلف من الثياب ، فإذا هي تسع جباب ، واربعة اقمصة ، وخمسة سراويلات ، واربعة طيالسة ، وثلاثة مطاريف خز ، تلك ثياب رجل ملك مشارق الأرض ومغاربها نحو خمس سنوات

وكان أبو العباس كريما معطاء ، يقول فيه السعودي : " وكان إذا حضر طعامه ابسط ما يكون وجها " ، ويقول فيه : " وكان لا ينصرف عنه احد من دمائه ولا مطربيه إلا بصلة من مال او كسوة ، ويقول لا يكون سرورا سجلا ومكافأة من سرنا وأطربنا مؤجلا "

وكان طروبا " يطرب من وراء الستر ويصيح بالطرب له من المغنيين : أحسنت والله ! فأعد هذا الصوت ! (السعودي)

وكان أشد الخلفاء حبا لسامرة الرجال ، وكان كثيرا ما يقول : " إنما العجب ممن يترك ان يزداد علما ، ويختار أن يزداد جهلا ، فقال له أبو بكر الهذلي : ما تأويل هذا الكلام يا امير المؤمنين ؟ قال : يترك مجالسة مثلك وأمثال أصحابك ، ويدخل إلي امرأة أو جارية فلا يزال بسمع سخفا ويروي نقصا " ( السعودي في مروج الذهب )

فهل صحيح أن هذا الخليفة الشاب الجميل العفيف الوفي ، الكريم الطروب ، المقتصد الحريص على مسامرة الرجال ، كان قتالا للناس سفا كا لدماء البشر ؟ وهل صحيح أنه إنما لقب بالسفاح لكثرة ما سفح من دماء وأزهق من ارواح ؟ وهل صحيح ان الطبيعة البشرية تتسع للتناقض والتباين إلي هذا الحد ؟ إن الجواب عن هذه الاسئلة بالإجاب ليثير الدهش ويستنفد العجب ؛ ومع ذلك فهذا ما أجابت به روايات تاريخية كثيرة متأخرة وحديثة . وقبل ان نعرض لتلك الروايات التي تصور أول خلفاء بني العباس في تلك الصورة البشعة ، نبين المعنى الاصطلاحي واللغوي للفظ " السفاح " ثم نعرض للروايات القديمة والمعاصرة لأبي العباس ، لنري كيف تصور شخصية ذلك الخليفة

إن لفظ " السفاح " وصف عربي قديم جري مجري العلم ؛ فم السفاح التغلبي الذي كان رئيس تغلب في يوم الكلاب الاول . ويقول فيه ابن دريد صاحب كتاب الاشتقاق : " وإنما سمي السفاح لأنه سفح المزاد أي صبها يوم كاظمة ، وقال لاصحابه : فاتلوا فإنكم إن هزمتهم متم عطشا . قال الشاعر :

وأخوهما السفاح ظمأ خيله

           حتى وردن جبا الكلاب نهالا "

وهناك السفاح بن عبد مناة الشاعر ، ويعلق ابن دريد على اسمه بقوله : " والسفاح فعال من سفحت الماء سفحا إذا صببته " فالعرب إذا لم تطلق هذا الوصف اصطلاحا على من يسفك الدماء كما يتبادر إلي الذهن ، وإنما لحظت في إطلاقه معني آخر منصوصا عليه .

وأما لغة فهذا الوصف بقع على جملة معان ، منها السفاك للدماء ، ومنها المعطاء ، ومنها الفصيح القادر على الكلام . ( اللسان مادة سفح ) . فعلي أي هذه المعاني تحمل لقب أبي العباس ؟ إن الرواية التاريخية وحدها ، هي التي تعين هذا المعنى . فهم يقولون إن أبا العباس لقب بالسفاح أخذا من قوله في خطبته المشهورة التي خطبها أهل الكوفة غداة بويع بالخلافة :

" يا أهل الكوفة ! انتم أهل محبتنا ، ومنزل مودتنا ، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ، ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم ، حتى أدركتم زماننا ، وآتاكم الله بدولتنا ، فأنتم أسعد الناس بنا ، وأكرمهم علينا ، وقد زدنكم في أعطيانكم مائة درهم ، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير ! " فتلحظ من هذه العبارة أنه يخاطب أهل الكوفة الذين أفاض عليهم من الأوصاف الكريمة ما أفاض ، وانه قد زاد في أعطياتهم ؛ فهل يتأتي له ان يقول لهم بعقب ذلك أنه سفاك للدماء ؟ هذا بعيد ، والأقرب إلى البيان والبلاغة أنه إنما أراد أن يقول لهم إنه لأوليائه كريم معطاء ولأعدائه تأثر مبير . والعارف بأساليب العرب الخطابية يعلم انهم في مثل هذا المقام ، مقام الترغيب والترهيب ، كثيرا مايوردون المعاني المتقابلة ؛ وهذا من قبيل قوله تعالى : " لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد " أضف إلي ذلك أنه لا يجمل بخليفة إسلامي يقول إنه تحدر من اكرم

أرومة ، واشتق من اشرف نبعة ، ان يصور نفسه تصويرا جاهليا منفرا دون محاشاة ولا تحفظ . وعهدنا بألقاب الخلفاء الإسلاميين كلها انها القاب جميلة وأسماء حسان توحي بمعاني الإيمان والتمن والهداية والرشاد .

ولكن هذا التدليل البياني لا يكون شيئا إذا كانت الرواية التاريخية القديمة والمعاصرة تسند إلي أبي العباس من الحوادث الفظيعة ما يسوغ أن يوصف بالسفاح علي معنى السفاك للدماء . والواقع أن الرواية التاريخية القديمة والمعاصرة لا تكاد تفعل شيئا من ذلك . بل هي لا تذكر لفظ السفاح مطلقا عندما تتكلم على أول الخلفاء العباسيين ؛ ومن شاء أن يتحقق ذلك فليرجع إلي كتاب " الأخبار الطوال" لأبي حنيفة الديتوري المتوفي عام ٢٨٢ ه ، وتاريخ الطبري المتوفي عام ٣١٠ ، فسيجد أن كلا المؤرخين لا يزيد عند الإشارة إلي أبي العباس على قوله : " أمير المؤمنين أبو العباس " وأكثر من ذلك أن رواية هذين المؤرخين ، وكلها من حيث الإسناد تكاد تصعد إلي عصر السفاح نفسه ، لا تضيف إلي أبي العباس من حوادث القتل والمثلة التي تمت في عهده شيئا . والمراد بحوادث القتل والمثلة التي حفل بها ذلك العصر قتل العباسيين الأوائل بني أمية غدرا وصبرا . بل تولي كثير ذلك رجال غير أبي العباس . فيقول الطبري : " وفيها ( أي سنة ١٣٢ ) قتل عبد الله بن علي من قتل بنهر أبي فطرس من بني أمية ، وكانوا اثنين وسبعين رجلا " وعبد الله بن علي هذا هم للخليفة ، وكان على الشام ، ونهر أبي فطرس بفلسطين . ويقول الطبري كذلك : " وفيها ( أي سنة ١٣٣ ) قتل داود بن علي من كان أخذ من بني أمية بمكة والمدينة ، وداود هذا عم آخر لأبي العباس ، وكان على الحجاز واليمن . فأنت تري أن الرواية التاريخية القديمة تعصب بكل بساطة جرائم قتل الأمويين برجلين اثنين هما عبد الله بن علي وداود بن علي . فإذا رجعنا إلي

الرواية المعاصرة لأبي العباس نفسه وجدناها مؤيدة للرواية التاريخية . وهذه الرواية المعاصرة هي تلك القصيدة المؤثرة البليغة التي رئي بها ابن ابى شبة العسبلي مواليه من بني امية ، والتي يقول في مطلعها :

تقول أمامة لما رأت

                       نشوزي عن المضجع الأنفس

وقلة نومي علي مضجي

                           لدي هجمة الأعين النمس

أبي : ما عراك ؟ فقلت الهموم

                            عرون أباك فلا تبلسي

ويقول فيها معددا المواضع التي قتل فيها بنو أمية :

أفاض المدامع قتلى كدا

            وقتلي بكثوة لم ترمس

وقتلي بوج وباللابثيـ

                      ــن من بثرب خير ما انفس

وبالزايين نفوس ثوت                                  

                              وأخري بنهر أبي فطرس

أولئك قوي أناخت بها

                          نوائب من زمن متعس

وكذا وكئوة ووج واللابنان أمكنة بالحجاز ، وهي التي قتل عندها داود بن علي من قتل من بني امية . والزابيان موضع واقعة الراب التي قاد الجيش العباسي فيها عبد الله بن علي ، ونهر ابى فطرس بفلسطين وهو الذي قتل عنده عبد الله بن على الأمويين غدرا وصبرا كما ذكرنا . ولا يذكر الشاعر وهو بعدد مصارع فومه الحيرة ولا الكوفة ولا الأنبار وهي المواضع التي نزلها أبو العباس في خلافته ؛ فالرواية المعاصرة والرواية القديمة كلتاهما تنطق ببراءة أبي العباس من دماء الأمويين وتحمل غيره وزرها .

ولنعرض الآن بالإيجاز للروايات المتأخرة والحديثة . وتريد بها الروايات التي ظهرت منذ القرن الرابع إلي ايامنا . فنلحظ قبل كل شئ ان تلك الروايات على وجه العموم تلقب أبا العباس بالسفاح ، مخالفة في ذلك الرواية القديمة . وهي تنمت ذلك الخليفة بالسفاح علي انه سفاك قتال ، فصاحب كتاب الأغاني الذي ينتسب إلي  بني أمية والمتوفي عام ٣٥٦

يعنون فصلا في كتابه ( ج ٤ ص ٩٢-٩٦ ) بقوله : " ذكر من قتل ابو العباس السفاح من بني امية " ، ويدير أبو الفرج فصله هذا على قصة سديف الشاعر ، فيزعم انه دخل على أبي العباس بالحيرة وعنده بنوهاشم وبنو أمية فأنشده قصيدته :

أصبح الملك ثابت الاساس

يالبهاليل من بني العباس

ويقول فيها محرضا الخليفة على الأمويين :

لا تقيلن عبد شمس عثارا

                       واقطعن من كل رقلة وغراس

خوفهم أظهر التودد منهم

              وبهم منكم كمحز المواسي

قال فتغير لون أبي العباس ، وأمر بمن في مجلسه من الأمويين فأهمدوا ، وتزيد رواية الى الفرج ان الخليفة امر بساط قبسط على جسوم الامويين وجلس فوقه ياكل ، فلما فرغ من الاكل امر بهم فألقوا في الطريق ، فكانت الكلاب تجرهم بأرجلهم ، إلى اخر ماروي رحمه الله . ويورد ابن الأثير المتوفي سنة ٦٣٠ نفس الشعر والحادثة ، ولكنه يضيف الشعر إلي شاعر اخر هو شبل بن عبد الله والحادثة إلي عبد الله بن علي ، إلا أنه يعقب على ذلك بقوله : " وقيل إن سديفا أنشد هذا الشعر للسفاح ومعه كانت الحادثة وهو الذي قتلهم "

فأنت تري أن ما نصت عليه الرواية القديمة بكل وضوح وجلاء ، وعزته إلي عبد الله بن على في يوم نهر أبي فطرص قد عزاء أبو الفرج إلي أبي العباس ، واضطرب فيه ابن الاثير بين النفي والإثبات . على هذا الخلط والاضطراب تقوم الرواية المتأخرة التي تصور أبا العباس شخصية قتالة بشعة تذكرنا بشخصيات جنكزخان وهو لا كو وتيمورلنك . وقد اتبع المؤرخون المحدثون هاتين الروايتين ؛ فمنهم من أخذ برواية أبي الفرج مثل قابل الألماني في كتابه " تاريخ الخلفاء " وميور الانكليزي في كتابه " تاريخ الخلافة " ، والمرحوم الخضر بك في تاريخ الدولة العباسية ؛ ومنهم من أخذ برواية ابن الأثير مثل المرحوم جورجي زيدان بك

في الجزء الرابع من تاريخ التمدن الإسلامي .

أما بعد ، فإنا لم نقصد إلي الدفاع عن أبي العباس دفاعا مطلقا ، ولكنا اردنا إنصافه من طريق البحث العلمي وعندنا انه إذا كانت بدء قد برئت من دماء الامويين فانها لم تبرا من دم ابن هبيرة الذي استنزله اخوه أبو جعفر من معقله بواسط على الأمان . فان ابا العباس لم يجز امان إلى جعفر ، وقتل ابن هبيرة غدرا ، ناسيا قول صاحب الشريعة المحمدية : إن ذمة المؤمنين واحدة يجبر عليهم أدناهم . ولم يكن أبو جعفر في الحق أدنى المؤمنين ، بل من أعلاهم واشرفهم . والرواية القديمة تعزو إلي أبي العباس هذا الحادث دون آية موارية ، ولكن ذلك لمعمري لا يسوغ أن يوصف بأنه سفاح للدماء ، وهو ما نصبنا انفسنا لنفيه عنه

في أن يقال إن أبا العباس كان الخليفة وهو المسئول الأول عن جرائم عماله . ولكن يرد على ذلك بأن العصر كان عصر زعازع وهزاهز ، وان ابا العباس كان مغلوبا على امرئ لعمه عبد الله بن على بالغرب ، ولابي مسلم بالشرق ، ولم تصف الخلافة والسلطان لآخيه أبي جعفر من بعده إلا بعد أن يخلص من هدين الجبارين . وقد انتقم الله منهما على يديه أشد الانتقام

تري هل ثبت أبو العباس على هذا التمحيص ؟ وهل خرج منه كما دخله ، فكان أولا وآخرا ذلك الخليفة الشاب الوسيم العفيف ، الوفي الكريم الطروب المقصد الحرريض على محادثة الرحال ذوي العقول ؟

أكبر الظن أن قد فعل ؟

اشترك في نشرتنا البريدية