الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 300الرجوع إلى "الثقافة"

أبو العلاء المعرى، ( علمت بمناسبة مهرجانه الألفي)

Share

بلغت بالعقل ما أعياك بالبصر

إدراكه فشفيت النفس من وطر

وليس تدفع عين المرء عثرته

ما لم يكن عقله الواقي عن الخطر

إني رأيت الفتي شتي نواقصه

وأقبح النقص موقوف على النظر

لله عقلك لم تخدعه بهرجة

من زخرف العيش أو يغتر بالغير

بسطت أعقد ما في النفس من صور

ضريرة النجم في زاء من الصور

ولم تدع خبرا إلاورحت على

أعقابه باحثا عن صحة الخبر

يا بؤس ما منيت نفس اللبيب به

لما هشكت له عن غامض القدر

أثرت في كل نفس من هواجسها

بما نفثت جحيم البؤس والكدر

تلك الحقائق لم تترك لمبصرها

في صفحة النفس إلا أسوأ الأثر

والعيش لولا أباطيل تضعفه

لكان عبثا علي الاكتاف كالحجر

وخفف البؤس أوهام ملفقة

تتلي على الناس في الإمساء والسحر

***

رأيت في كل أنثي ما يراع له  

لب الحكيم لما تخفي من الوحر

ولم تجد قبلها أفعي مذممة

أدعي إلي الخوف منها أو إلي الحذر

تبسمت عن محيا مشرق نضر

وأضمرت باطنا محلولك الأزر

تقلب العين عن ألحاظ ذي سقم

والنصل إن دق لا يخلو من الخطر

ألقت على الإثم أثوابا مبهرجة

من ساطع الوجه أو من حالك الشعر

فحال ذو الجهل ما راحت تطالعه

به من المكر ألوانا من الخمر

كم شهوة في حفايا صدرها عصفت

كاليم يعصف مطويا علي ضجر

برمت بالناس من غيظ ومن ملل

وضقت ذرعا بما لاقيت من زمر

في كل عصر تسوس الناس طائفة

تحكمت بسلاح المكر والضرر

والناس صنفان : شيطان أفاد غني

بمكره ، وغبي هام كالبقر

نقضت كفك من يأس وموجدة

علما بأن الأذي من شيمة البشر

فما ثني المرء عن إتيان مظلمة

إلا لما قمت بالكفين من خور

ولو هتكت حجاب النفس لانكشفت

عن عقرب ذرب أو حية ذكر

فكيف يأمل إصلاح الوري نفر

بالنصح والمرء مفطور على الضرر

رأيت غاية ما يرجي الصلاح به

عمرا من السيل أو غربا من الشرر

أما الحياة فلم تخدعك زينتها

وكيف يخدع بالأوهام ذو بصر

فما أسفت على ما فات من ندم

ولا تشوفت للمجهول من حذر

شفيت باليأس نفسا طالما نزعت

إلي جنون الصبا والكأس والوتر

ونمت عن نزوان الحرص في دعة

مستهزئا باكتناز الناس للدرر

وإن ما تمت عن إدراك حوزته

زهدا أعاز جفون القسوم للسهر

تكاد لا تسع الآفاق من جشع

على اتساع بها أطماع ذي أشر

يود كل امرئ إدراك ما عجزت

عنه الأ لي ضلة في سالف العصر

فاعذر على الطمع الممقوت طائفة

طوت وراء الغني الآفاق بالسفر

فالأرض لولا دجي الأطماع لا تكشفت

حافاتها لعيون القوم عن سقر

وعابث الريح لولا رغبة جمحت

في نفسه لم يخاصر أغصن الشجر

***

رسمت أقبح ما في العيش من صور

فما لديك عن الأموات من سير ؟

ايذهب الموت أطماع النفوس إذا

ما ألف الموت بين الشاة والنمر ؟

وهل دري من ثوي في اللحد ما قدحت

يد الردي من أسي في الصدر مستمر(١)

إني لأبصر بالقلب الجريح إذا

غطي البكاء علي الأسماع والبصر

وإن طوي الموت أياما لنا انصرمت

فكم بعثت قديم الحزن بالذكر

ولم تكن يا أخي ذكراك شافية

وجدي وكيف تطفي النار بالشرر

يا شاعرا نظم الآلام أغنية

كم في نشيدك من معني ومن عبر !

لله شعرك من لحن جمعت به

من كل قلب جليل الآمي والسور

ما زلت تنشد غير الأرض أمنية

فهل وجدت أماني النفس في الحفر ؟

( دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية