الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 608الرجوع إلى "الرسالة"

أبو العلاء المعري، التفاؤل والأثرية عند الشيخ

Share

النسل، الزواج

والنسل أفضل ما فعَلتَ بها ... فإذا سعيت له فعن عقل

إذا شئت يوماً أن تقارن حرة ... من الناس فاختر قومها ونجارها

إذا خطب الحسناء كهل وناشئ ... فإن الصبا فيها شفيع مشفع

ولا يُزهدنها عُدمه، إن مُده ... لأبرك منصاع الكبير وأنفع

وما لأخي الستين قدرة سائر ... إليها ولكن عجزه ليس يُدفع

ويُخفض في كل المواطن ذمه ... وإن كان يُدني في المحل ويُرفع

إذا ما ابن ستين ضم الكعاب ... إليه فقد حلت البهله1

هو الشيخ لم يرضه أهله ... ولم يُرض في فعله أهله

فلا يتزوج أخو الأربعين ... إلا مجربة كهله

رأى الشيب في عارضيه المسن "م" ... فنعم القرين له الشهله2

وواحدة كفتك فلا تجاوز ... إلى أخرى تجئ بمؤلمات

ولا يتأهلن شيخ مُقل ... بمُعصرة من المتنعمات3

فإن الفقر عيب، إن أضيفت ... إليه السن جاء بمؤلمات

إذا خطب الزهراء شيخ له غنى ... وناشئ عُدْم آثرت من تعانق

إذا كانت لك امرأة عجوز ... فلا تأخذ بها أبداً كعابا

فإن كانت أقل بهاء وجه ... فأجدر أن تكون أقل عابا

وحسن الشمس في الأيام باق ... وإن مَجَت من الكبر اللعابا

ومن جمع الضرات يطلب لذة ... فقد بات بالإضرار غير سديد

معاملة الصغار

ورفقاً بالأصاغر كي يقولوا ... غدونا بالجميل معاملينا

فأطفال الأكابر إن يوقوا ... يُروا يوماً رجالاً كاملينا

لا تزدرُن صغاراً في ملاعبهم ... فجائز أن يُروا سادات أقوام

وأكرموا الطفل عن نكر يقال له

                           ... فإن يعش يُدع كهلا بعد أعوام

.  . . وبالوالدين إحسانا

العيش ماض فأكرم والديك به ... والأم أولى بإكرام وإحسان

وحسبها الحمل والإرضاع تُدمنه ... أمران بالفضل نالا كل إنسان

تحملْ عن أبيك الثقل يوماً ... فإن الشيخ قد ضعفت قواه

أني بك عن قضاه لم ترده ... وآثر أن تفوز بما حواه

حفظ الصحة

دارِ نفسك وإن بلغت سن الهرم كما يداري الوليد.

إفراط الشبع آفة على كل حيوان:

سنُّك خير لك من درة ... زهراء تعشي أعين الناظرين1

عَجبت للضارب في غمرة ... لم يطع الناهين والآمرين

يكسر باللؤلؤ من جهله ...

                          خُشْباً عتت عن أنمل الكاسرين

تجزأُ ولا تجعل لحتفك علة ... بإكثار طعم، إن ذلك لُوم2

لا ترُبلنَّ وكن رئبال مأسدة ... إن الرشاد ينافي البادن الرَّبلا3

الشبيبة

إذا ما خبت نار الشبيبة ساءني ... ولو نُص لي بين النجوم خباء

إن الشبيبة نار، إن أردت بها ... أمراً فبادره، إن الدهر مطفئها

السفر

لو ملكت الرحيل جولت في الآفاق"م" ...

                                   حتى يملني التجويل أدب السلوك

ادب السلوك1

الكتاب المختوم يشتمل على سر مكتوم، فإن فضضته ولم

يأذن من أمنك عليه فقد أوضعت2 في سبيل الخائنين

لا يبصر القوم في مغناك غسل يد ... على الطعام إلى أن يرفع السور3

ولا يكن ذاك إلا بعد كفهم ... أكفهم، ويسير الفعل ميسور

فإن تقريب خدام الفتى حُرضا ...

                                  والضيف يأكل رأى منه مخسور4

لكل زمان ما يشاكله

أعدد لكل زمان ما يشاكله ... إن البراقع يُستثبتن بالشُمُ5

فإن ضربت بسيف الهند في ومَد ... فسيف إفرنجة المخبوء للشم6

المرء شبه زمانه

وإن الفتى فيما أرى بزمانه ... لأشبه منه شيمة بأبيه7

الناس

والناس بالناس من حَضْر وبادية ...

                                    بعض لبعض - وإن لم يشعروا خدم -8

إن خالفوك ولم يجرر خلافهم ...

                               شرا فلا بأس؛ إن الناس أخياف1

قال الخليفة العظيم عمر: (أعقل الناس أعذرهم للناس). وقال رشيد بن خليفة: (اشكر المحسن ومن لا يسئ،  واعذر الناس فيما يظهر منهم ولا تلمهم، فلكل من الموجودات  طبع خاص)

ومن عرف الناس وتأريخهم ووراثتهم القريبة والبعيدة  (L atavisme) ومنشأ ما يسمى (رذائل) وأسبابها عذر ولم  يستعجب مما يشاهد. يقول الشيخ:

يلقاك بالماء النمير الفتى ... وفي ضمير النفس نار تقد

يعطيك لفظا لينا مسه ... ومثل حد السيف ما يعتقد

وهذان البيتان إن دل ظاهرهما على معايب في الناس ففيهما  ما ينبئ بارتقاء لهم عجيب، فقد أمسى هذا الفتى الذئب الجشع  الحاسد المحتقد سافك دم أخيه من أجل ثعلب ظفر به أو يربوع،  ومن أجل مستنقع يرده أو مطيطة2 - قد أمسى هذا الفتى  وارث تلك الغرائز يلقاك أحسن لقاء، ويخاطبك خطابا جميلا،  وفي الضمير والمعتقد ما أبان الشيخ. فإذا طال تكلفه ما يتكلفه  واستمر اعتياده ما يعتاده (وعادة المرء تدعى طبعه الثاني3) كما  يقول شيخنا حاكي بعد أدهار باطنه ظاهره، أشبه جوانيه  برانيه، وحسبك منه اليوم ذاك اللقاء وذاك العطاء، وان كان  في ضمير النفس نار تقد، وساء ما يعتقد.

.  . . كذلك سخرناها لكم

قال الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه (طريق الهجرتين وباب  السعادتين) :(. . . ولما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت  إليه أرباب المقالات طاش عقله، ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان  وذبحه صنف كتابا سماه   (النوح على البهائم)  فأقام عليها المآتم،  وناح وباح بالزندقة الصراح)،

وقال العلامة الفيومي في (المصباح) : (. . . ويحرمون  - يعني البراهمة - لحوم الحيوان، ويستدلون بدليل عقلي  فيقولون: حيوان برئ من الذنب والعدوان فإيلامه ظلم، خارج  عن الحكمة. وأجيب بظهور الحكمة؛ وهو أنه استسخر للإنسان  تشريفا له عليه، وإكراما له كما استسخر النبات للحيوان تشريفا  للحيوان عليه. وأيضا فلو ترك حتى يموت حتف أنفه مع كثرة  تناسله أدى إلى امتلاء الأفنية والرحاب وغالب المواضع، فيتغير منه  الهواء، ويكثر به الفناء، فيجوز ذبحه تحصيلا للمصلحة، وهي  تقوية بدن الإنسان، ودفعا لهذه المفسدة العظيمة. وإذا ظهرت  الحكمة انتفى القول بالظلم والعبث) .

وشيخنا المعري يقول داعيا إلى الارتفاق به: يأكل أطايب الأعفاء، من سمح بالرسل في أيام السفاء1،  ويلج الغمار باذل السمار2، وتثنى الضيفان، على الجائد بملء الجفان.  لا يثني عليك فصيل بالأصيل. ومن أخضرت شربته3 بالواد أكمات مربده بالتمر الجلاد4. ومن ركب العامة5 في طلب  الصيد كانت بطون عياله قبوراً للحيتان. ومن تتبع بقوسه موارد  الوحش كثر في منزله الوشيق6.

وقال (الوليد) : النبع ليس بمثمر ...

                                     وأخطأ، سرب الوحش من ثمر النبع7

جِلَّة ابلك وعشارها1. أروت ضيفك غزارها، وملأت  جفانك وذارها2، لن تبكيك بكارها إذا السنة كثر قطارها،  وذبح في الروضة فارها3، واعتم بالروضة بهارها4. سالم  ابنك شرارها.  

الاثرية Legoisme  

إن تُرد أن تخص حراً من الناس ... بخير فخص نفسك قبله5

إذا لم يكن لي بالشقيقة منزل ... فلا ظهرت عزَّاؤها والشقائق6

إذا كان إكرامي صديقي واجباً ...                            فإكرام نفسي - لا محالة - أوجب

ومن أطال خلاجا في مودته ... فهجره لك خير من تلافيه7

إذا ولى صديقك فول عنه، فإنما ينزل بالوادي ذي الشجر

والروض العميم8،ويقدح بزند العفار9 ما دام وأرى النار،

فإذا خبت ناره بطل اختياره. وإذا السقاء لم يمسك الماء فهو زيادة  في مشقة المسافر، لا تأو لمفسد1 تأو2، فإن الذيب جدير  بالتعذيب.  

آخ في الله الأخوان، ولا تقل لبعيرك: أخ في دار الهوان3.  

ادفع الشر إذا جاء بشر ... وتواضع إنما أنت بشر4

بأي لسان ذامني متجاهل ... عليّ، وخفق الريح في ثناء

تكلم بالقول المضلل حاسد ... وكل كلام الحاسدين هراء

إذا ما قلت نثراً أو نظيما ... تتبع سارقو الألفاظ لفظي

كأني إذا طلت الزمان وأهله ... رجعت وعندي للأنام طوائل5

وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم

... بإخفاء شمس ضوءها متكامل

وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل

وطال اعترافي بالزمان وصرفه ... فلست أبالي من تغول الغوائل

فلو بان عضْدي ما تأسف منكبي ...                               ولو مات زندي ما بكته الأنامل6

وكم من طالب أمدي سيلقي ... دوين مكانَي السبع الشدادا

ويطعن في علاي وإن شسعي ... ليأنف أن يكون له نجادا

ويظهر لي مودته مقالا ... ويبغضني ضميراً واعتقاداً

لي الشرف الذي يطأ الثريا ... مع الفضل الذي بهر العبادا

وأحسب أن قلبي لو عصاني ... فعاود ما وجدت له افتقادا

تعاَطوا مكاني وقد فتهم ... فما أدركوا غير لمح البصر

وقد نبحوني وما هجتهم ... كما يلبح الكلب ضوء القمر

اشترك في نشرتنا البريدية