اتخذ أبو العلاء الكتاب صديقًا يغنيه عن ود الناس ، وسميرًا يحدثه بأخبارهم ، وأستاذًا يطلعه على ما خفي عليه من العلم . وشأنه في ذلك شأن من نشأ على الريبة بالناس ، وتربى على المحبة للعلم ، واستنار بهدى العبقرية ، وغنى عن التخرج على الأستاذ . عرف أبو العلاء العالم بالكتب ، وخاض غماره لأجل الكتب ، ثم عافه ولكنه لم يترك الكتب . وهاك قصة في ذلك تركت في نفسه أثرًا عميقًا.
وافى أبا العلاء خبر دار العلم التي أنشأها سابور بن أردشير لسنين خلت ، فنازعته نفسه إلى ارتيادها لمجاورة الكتب أصدقائه فيها ، ومما زاده رغبة فى ذلك أن أولئك الأصدقاء منعمون فيها ، كثير عددهم ، يجتمع إليهم الأدباء والعلماء ، فيتكلم من له فقه ومعرفة ، ويناقش من له حكمة ورأي ، ويستمع من في نفسه المحبة لذلك ، فإذا ما اختلفوا فالكتب تفصل بينهم ، ثم إذا طرأ عليهم الملل ، عادوا إليها ، فبددت ضجرهم وأوقدت نار همتهم.
ولكن الطريق بعيد ، والسفر عسير ، فهل يقدم على تلك المشقة لإيثاره الإقامة بدار العلم فحسب كما يدعي ؟ إن كان في ذلك ما تستغربه ، فلك أن تقول مع من تعمق في درس حياته إنه كان له مآرب أخرى في رحلته ، وكذلك تجعله يقصد بغداد فرحًا نشيطًا .
كان عليه بعد أن دخل دار السلام ، ونزل في سويقة غالب ، أن يبحث عن السبيل لارتياد دار العلم والإقامة فيها ؛ ولم يطل بحثه ، فقد حدث يوم دخوله بغداد أن توفي أبو أحمد الموسوي سيد العلويين وكبيرهم ، والد الشريف الرضي ، والشريف الرضي كان ناظر دار العلم ، وبذلك حانت لصاحبنا فرصة في كسب عطفه ، فرثى والده بقصيدة ممتعة ، فكان أن اتصل به , وقص عليه ما ينشده من
سكنى دار العلم ، فأبدى الشريف سرورًا في تحقيق تلك الرغبة ، وأمر أن يخلى له بيت في دار العلم يليق به ، وأمر أن يعنى به ويخدم.
ها هو حلمه يتحقق . وها نحن أولئك ندخل معه دار العلم ، "فنشاهد أنفس مكان " زين بالنقوش وزخرف بالرخام ، وتعددت فيه الأواوين الكبيرة ، وكثرت فيه البيوت لسكنى العلماء اللاجئين : بيوت أنفق عليها بسخاء ليكون العيش فيها رغدًا ، وعلى أن شعور صاحبنا برفاهية السكنى قوَّى فيه اللذة والتنعم ، فإنه كان يحن إلى التمتع ببيوت العلم أكثر من حنينه إلى بيوت السكني ، فهلم بنا معه إليها . لندخل حيث يعمل خازن دار الكتب أبو منصور محمد بن علي الكاتب . ما أكثر سرور هذا الخازن برؤية أبي العلاء وما أجمل ترحيبه به ! يعجب صاحبنا بأدب الخازن وحسن حديثه ، فيحمده على كرم وفادته ، ثم يأتي المشرف (على الخازن) أبو حمد بن علي ، فيتقدم يحيي الضيف ، ويتلوه قوام الدار يسعون لرؤية ذلك الشاب الكفيف الشاعر الذي حل عندهم ، فيوصيهم خازن الدار برعايته وخدمته.
ثم يأخذ الخازن بيده ، ويسير معه يطلعه على الدار وترتيبها ، ويعلمه أن عندهم فهرسًا للكتب صنف على أقسام العلوم ثم يمر به أمام الخزائن وهي مرصوفة على جدران البيوت ، صنعت من الخشب المزوق ، ونمقت بالأشعار على أبوابها ، وفيها الكتب منضدة على الرفوف ، تفوق في العدد عشرة آلاف مجلد . ويذكر له أن آثار ابن مقلة الذي كان ينسخ في حلب لسيف الدولة منذ سنين كثيرة عندهم ، منها المصاحف والدروج الكثيرة بخطه المنسوب وقلمه المشهور . ثم يسير به في أزج حسن ، تربع فيه أناس ، فيقول له إن
هذا الأزج خصص للقراءة ، وإن الفقراء فيه من وجهاء الناس وعلمائهم وذوي الشهرة بينهم . كالوزير أبي القاسم المغربي وأمثاله ، وإنهم ينهمكون كل يوم في قراءة الكتب والبحث فيها . ثم يقوده إلى ناحية جلس فيها النساخ ، ينقلون الكتب ، وصرير أقلامهم يعزف نغمة العلم.
ويذكر له أن فتاة وليت أمر إخراج الكتب إليهم ، اسمها توفيق السوداء ، تحسن خدمتهم ؛ ويعلمه أن من هؤلاء الوراقين من ينسخ لنفسه ، وأن منهم مأجورين ، يورقون للرؤساء وأصحاب الخزائن ، وأن منهم من يحتفظ بنسخه ، ليعرضها في سوق الوراقين . ويقول له إنهم إذا فرغوا من نقلهم ، خلوا يقرءون نسخهم ويعارضونها ، ثم يكتبون عليها أنهم نقلوها من دار العلم ليثيروا بذلك رغبة طالب اقتنائها ، ذلك أن نسخ دار العلم أحسن نسخ في العالم وأصحها ، لما عليها من تعليقات العلماء وتصحيحهم وسماعاتهم ، وقد انتخبت من أثمن الكتب وأندرها ومن أنواع العلوم جميعها حتى الفلسفة وما إليها .
يلجأ به إلى حلقة الجدل والدرس ، فيجد أستاذًا قد اعتلى كرسيه ، وأحاط به تلاميذه ، وهو يلقي عليهم درسًا في اللغة ؛ ثم يتابع السير فإذا به يرى رهطًا انطلقوا إلى مناظرتهم ، فيصغي إليهم ، فيسمعهم يتحدثون في أمر العقل وتحسينه وتقبيحه ؛ وفيهم رجل يدعي أن العقل أساس العلم والفقه ، وأن الله زين به الإنسان ، وآخر يجيبه أنه لو كان كما قال لما حكم الشرع بإيلام الحيوان ، وجعل ذبحه تقربًا إليه وقربانًا ، مع أن العقل يأبى ذلك وينفر منه ، فيعجب بحسن جدلهم.
يتقدم فيري شيخًا قد تصدر بين فقهاء قد أحدقوا به ، ويسمعه يشرح لهم بابًا من أبواب الفقه ، فيدرك من حديثه أنه ينحو نحو الشيعة ، ويدعو لهم بأسلوب مجازي ليس فيه تعرض صريح إلى إظهار الدعوة ؛ فيعرف أن
منشئ دار العلم وناظرها قصدا منها نشر التشيع وشأنهما في ذلك شأن مؤسسي دور الكتب التي رآها في مختلف رحلاته ؛ وكلهم شيعيون اتخذوا خزائن العلم سبيلا إلى نشر التشيع .
ثم يتجه به أبو منصور الخازن نحو حلقة احتدم الجدال فيها ، والقوم غارقون في بحر جدلهم ، يريدون أن يكون معنى اللفظ الفلاني على الشكل الذي يريدون ، لا على شكل آخر ؛ فيعجبه حديثهم ، ويلاقي في نفسه ميلًا طبيعيًا ، فهو قد نشأ على دراسة اللغة وتتبعها ، فيرجو أبا منصور أن يتريث به في هذه الحلقة فيفعل ؛ فيأخذ صاحبنا جانبًا منها وينصت إلى البحث ، فيرى أنه لم يمن بعدُ برؤية علماء في اللغة بلغوا درجة هؤلاء ، فتنازعه نفسه إلى أن يشترك في موضوعهم ، فيعترض صاحب القول منهم ، ويرشده إلي الصواب من أمره ، فتلتفت الجماعة إليه ، وكأنهم لم يشعروا به لانهماكهم في البحث ، فتأخذهم الغرابة من شكله ، ويتمتم بعضهم بأنه الوافد الجديد إلى دار العلم ، ويذكر بعضهم أنه سمع له قصيدته في رثاء أبي أحمد الموسوي ؛ فيقبلون عليه ، ويطلبون إليه تفسير ما أشكل عليهم من كلامه ، فيفعل ويعجبون ؛ ويعجب خازن دار العلم ويكبر علم ضيفه ، فيقر النفس على دعوته إلى مجتمعاتهم وأحاديثهم الخاصة ، فيفاتحه برغبته فيسر صاحبنا بذلك ؛ ويكون قد أتعبه ذلك اليوم ، فيطلب أن يخلو بنفسه ، فيعود إلي بيته ، ويستلقي على فراشه ، ويطلق لنفسه الخيال ، فإذا به يصور له سعادته ، وإذا به يطربه ويأخذ بمجامع نفسه ، فيحلو له العالم ، ويتساءل في نفسه : أحق أنه حصل على غايته منه ، وهو من تضافرت النحووس عليه ؟
وكان يوم الجمعة ، فقاده أبو منصور إلى دار شيخ الأدب في بغداد ، وأحد شيوخ الشيعة عبد السلام البصري
خازن دار العلم قبل أبي منصور . وهنالك تبدو لأبي العلاء نواح علمية جديدة ، تزيد في سروره وجهته .
وانقطع صاحبنا إلي هذه الحياة وسر لها ، وطفق يقرأ الكتب في دار العلم ، فلا يقرأ عليه كتاب إلا حفظه ؛ وطفق يحسب الكتب قيانًا تغنيه ، فينشد قائلا : وغنت لنا في دار سابور قينة
من الورق مطراب الأصائل ميهال وأخذ يقع على علم جديد يحفظه ويكتسبه ، فجادل فيه الناس ، فإذا ما ذكروا أن احد اسماء الشمس (يوحا) ورد عليهم قائلا : إن الصحيح لفظها ب(بوحا) فإذا ما احتجوا عليه بكتاب الألفاظ لابن السكيت ، أحالهم إلى نسخه القديمة بدار العلم ، فراجعوها ، فوجدوا ما قال حقًا.
هذه الأيام من حياة أبي العلاء أيام السعادة والغبطة أنس فيها إلى الناس وعالم الدنيا ، وكان يشعر وهو بين دار العلم وبين كتبها بأكبر درجات السعادة ؛ ولكن لم يكتب له أن يحيى سعيدًا وفيه آنذاك - وهو في ريعان الشباب ولم يكن قد اتخذ التقية مذهبًا - محبة للصراحة والمجاهرة برأيه ، والاعتداد بنفسه .
وذلك حبه للشاعر المتنبي واستنكاره التعصب عليه يقضي على أمله بالناس وبالحياة ، فلنستمع إلى حادثته المشهورة مع المرتضى كما يرويها لنا ياقوت :
" وكان أبو العلاء يتعصب للمتنبي ، ويزعم أنه أشعر المحدثين ، ويفضله على بشار ومن بعده مثل أبي نواس وأبي تمام . وكان المرتضى يبغض المتنبي ويتعصب عليه ، فجرى يومًا بحضرته ذكر المتنبي ، فتنقصه المرتضى وجعل يتبع عيوبه ، فقال المعري : لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله : " لك يا منازل في القلوب منازل " لكفاه فضلا .
" فغضب المرتضى ، وأمر فسحب برجله ، وأخرج من مجلسه وقال لمن بحضرته : " أتدرون أي شئ أراد الأعمى
بذكر هذه القصيدة ، فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكره ؟ " فقيل : " النقيب السيد أعرف " . فقال : " أراد : وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل " وهو بيت من القصيدة التي ذكر أبو العلاء مستهلها . لم يعد للمعري ، بعد هذا الذي طرأ عليه ، أمل في الناس وفي صفاء الحياة ، وثقل عليه أن يعيش في دار العلم بين أناس كلهم من صنائع الشريف المرتضى ، أصبحوا يجفونه ؛ ولعل الغضب بلغ بالشريف المرتضى إلى أن أوحى إلى أخيه أن يبعده عنها ؟ ولعل أبا العلاء لم ينتظر أن يلمح إليه في تركها ، فأزمع على الخروج منها ، والخروج من بغداد أيضًا فهي عنده كل بغداد .
ولما عزم على ذلك ، وسار الخبر في المدينة ، هرع الناس إليه يحاولون إقناعه بالنكوص عن رأيه . ولا نقول إنه جافى الذين اجتمعوا إليه ، ولكنه لم يجبهم .
رحل من بغداد ، وقد خرج عدد كبير من الناس لوداعه . وعاد إلى المعرة وانقطع فيها ، يزهد في الدنيا ويدعو نفسه رهين المحبسين ؛ ولكنه ما زال يذكر دار العلم ويحن إليها ؛ وهو يذكرها حتى في جنته من رسالة الغفران ، ويذكر أهلها وحلقاتها ، وهو إذا صور اجتماعات الجنة والجدل فيها تصور دار العلم وجدالها ، وتصور صغار الأمور فيها ، حتى توفيق السوداء التي صارت في جنته " أنصع من الكافور " .
ما زال يكاتب أصدقاءه في دار العلم ، ويذكر لهم حنينه إلى دارهم ، وأنه " لو قدر لم يقدح إلا بمرخ ولا سكن بلدًا غير الكرخ " ، وفي الكرخ كانت دار العلم ؛ ولكنه لا ينسى أن يلوح لهم بالخصام الذي جرى له ، وبلؤم الناس وبسوء حظه ، ويندب ذلك ويرثيه ، حتى إن خاطره كان يفعم بذكرى دار العلم فتضطرب نفسه المتزهدة شوقًا فيتمثل قائلًا : (البقية على الصفحة التالية)
فوالله ما أدري إذا ما ذكرتها اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا لقد كانت تلك الدار عزاء لأبي العلاء في انقطاعه عن الناس ، وكانت معينًا له في زهده . أوليس الناس يعيشون بالذكرى أكثر مما يعيشون بالواقع كما قال الشعراء ؟ وهل كثير على أبي العلاء أن يكون له يوم سعادة ، يسلو بذكراه في حياته التي أرادها متقشفة حببسة ؟ (دمشق)

