عرض الأشخاص عرضا نفسيا وتحليلهم شئ جديد فى الأدب العربى ، ظهر مع ظهور التمثيلية والقصة الفنية الحديثة بأنواعها ، ولم يقصد إليه الكتاب أو الشعراء العرب قبل القرن الحالي قصدا فنيا محضا ، وإن كان قد جاء فى أوصافهم ( ١ ) الصريحة . وأعنى بالمرض النفسى تلك الصورة الضمنية التى يعطها الأديب الفنان لأشخاص قطعته الأدبية ، دون أن يصفهم وصفا سرعا . فالاديب يهئ من المواقف والظروف لأشخاص قصته ما يجعلهم يسلكون فى هذه
القصة سلوكهم العادى المأوف فى الحياة تجاه أفراد آخرين من أشخاص القصة بابنونهم عادة فى سالوكهم وأهدافهم ومثلهم . هذا السلوك الذى يتجلى فى حديث الأشخاص وأعمالهم وحركاتهم وآرائهم ، ومعالجتهم ما يعرض لهم من مشكلات ، مما يمكن القارئ - أو السامع - من الحكم على "الشخصية " ومكونانها الجسمية والفكرية والمزاجية ، وعلى طراز هذه الشخصية بمقارتها بالشخصيات الأخرى التى تتجلي وتنمو نموا تلقائيا أثناء عرض القصة ، فى الإطار الفنى الذى وضعه لها الكاتب . فهدف الأديب الفنان والحال هذه هو الإيحاء لا العرض .
والذين درسوا " المقامات " من الناقدين الأوربيين
وغيرهم ، يرون أن " المقامة " كانت تكون أصلح نواة فى الأدب العربى لنمو الأقصوصة الحديثة ، لولا ما فى المقامة من قيود الأسلوب واللغة المتكلفة التى لا تتمشى مع تلقائية التعبير الفنى الطلق . ولولا ظروفها ومناسباتها الرتيبة الخالية من التتويع ، وضيق المجال الاجتماعى الذى تعرضت له المقامات فى جملتها ، ولولا ما في أشخاصها من " يهوت " وعدم وضوح أحيانا ، وضحولة فى عرض الخبايا النفسية والحوافز التى تلازم السلوك
و " أبو القاسم البغدادى " من الشخصيات القصصية الغريبة المتناقضة التى حفظها لنا كتاب غريب نادر عنوانه " حكاية أبى القاسم البغدادى " . أما المؤلف فأديب اسمه " محمد بن أحمد بن أبى المطهر الأزدى " ممن عاشوا فى القرن الرابع الهجرى . ويظهر أنه ألف كتابه هذا فى إصفهان كما يتضح من الحكاية .
والكتاب مطبوع فى هابدلبرج سنة ١٩٠٢ ، قام بنشره الأستاذ Adam Mez المستشرق ( ١ ) المعروف . وقيمة الكتاب فى القصة التى تضمنها ، وفى القالب الأدبى الذى كتبت فيه القصة .
يقول المؤلف : هذه حكاية رجل بغدادى كنت أعاشره برهة من الدهر ، فتصدر منه ألفاظ مستحسنة ومستخشنة ، وعبارات لأهل بلده مستفصحة ومستفضحة . فأثبتها لتكون كالتذكرة فى معرفة أخلاق البغداديين على تباين طبقاتهم وكالأعوذج المأخوذ عن عاداتهم ، وكأنها قد نظمتهم فى صورة واحدة يقع تحتها نوعهم ، ويشترك فيها أشخاص ذلك النوع ، بحيث لايختلفون فيه إلا باختلاف المراتب ، وتفاوت المنازل . ثم يسوق لنا " حكاية أبى القاسم البغدادى " التى تشمل يوما بأكمله منذ يقظة أبى القاسم فى الصباح إلى يقظته من النوم فى اليوم التالى ، فى أسلوب من السجع شبيه بأسلوب المقامات ، ملئ بالاقتباسات من الشعر والحكم والمثل ، ومثل بالأوصاف الدقيقة المقذعة ، وبالصراحة البهيمية ،
ولكنه مع ذلك كله عرض دقيق لحياة شخصية من الشخصيات - حقيقية أو خيالية - ليس له نظير فى الأدب العربى مما جعل المستشرق مكدونالد يعتبر هذه الحكاية أول نواة للقصة الفنية فى الأدب العربى .
كان أبو القاسم شيخا ذا لحية بيضاء . تضع فى حمرة وجه يكاد يقطر منه الخمر الصرف . وله عين كأنه ينظر بهما من زجاج أخضر ، تيصان كأنهما تدوران على زئبق . وكان الشيخ عبارا نمارا ، زعافا شهافا ، أدبيا عجيبا ، مداحا قداحا ، ظريفا سخيفا ، نبيها سفيها .
ويبدأ اليوم ، فيدخل دار بعض الأكابر - فى إصفهان - متماوتا منزمتا ، فى نسك الأبرار ؛ عليه طيلسان قد أسبل طرفه على جبينه فغطى شطر وجهه . فإذا رأى مجلسا من أعيان الناس أخذ يهس بتلاوة القرآن . ثم يسلم على القوم بنغمة فيها ترخيم وشجى . ويقبل على رب الدار فيقول : حي الله ذا الوجه السمح بالسلام ، وحباه بالا كرام . ويستمر فى قراءة القرآن . ويجهر بالآية ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، يخافون يوما تنقلب فيه القلوب والأبصار ، يفرؤها بنغمة تشجي الحاضرين ، ويتنتفس فى إلقائها انفاسا تذرف الدموع ، إلى أن يلحظ واحدا من القوم مبتسما فيقول : ويا قاسى القلب ، أكل هذا الطرب بعد قتل الحسين ، لا حول ولا قوة إلا الله : لعن الله من يعادى عليا وحسينا من سوقة وإمام ثم يقل على المجلس ويسأل : من هذا ؟ ( مشيرا إلى أحد الحضور ) .
فيقال : فلان المتصل بصاحب الديوان . وهو إنسان خطير ، فيقول الشيخ : وإيش على من هذا ؟ بمرة بعبر فى الدر الكبير . ما بقى بعد النبى والصحابة من على وجهه مهابة . ثم يقبل علي آخر ويسأل : ومن ذلك ؟ فيقال له : إنسان يمزح ويتطايب . فيتجه نحوه مخاطبا :
أبا شرا بلا خير ويا شيئا بلا زين
ويا أبغض من يمشى على الأرض برجلين
ويا أنتن من ريح كيف بين دارين . الخ
فيقول الرجل : صن نفسك وأعرف أولاد الناس .
فيجيب أبو القاسم : وانت إيش عليك من الناس ؟ تذكرهم ولست منهم . يا سادة ؟ العجب هذا بحسب روحه من الناس ؛ إن كنت إنسانا فأين الذى لا يحسب الكلب من الناس ؟ ويستمر بنعته بأقبح الأوصاف ، ثم يخاطب صاحب الدار قائلا : يا سيدنا هذا الرجل ما حضر للسلام عليك إنما حضر لحاجته إليك . الحقه وإلا لحق بأهل البلاء ثم ينظر إلى رجل فى المجلس يخدم الداخلين ويكرم الناس فيقول : وهذا أيضا ، إيش هو ؟ فيقولون له : هذا وكيل صاحب الدار الذى يحضر ما يحتاج إليه من الطعام والشراب والغيان . فيقول : زه ثم زه . هذا صاحب الدلالة وحامل الرسالة . هذا الذى يجمع بين القلبين المختلفين .
يكاد من لطف ومن حيلة
يجرى من الإنسان مجرى الدم
وينظر إلى أمرد فى المجلس ويسأل : وذا من هو ؟ فيقال له : إنك تعرفه . فيقول : نعم أعرفه وهو صبى . هذا ولدي تحتى ربيته وتهدي سقيته .
فيقول صاحب الدار : يا أبا القاسم ، ما بقى فى المجلس واحد لم تذكره غيرى . فيقول الشيخ : يا سيدنا ، وما عسى أن أقول فيك إلا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : " المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل ويستمر فى وصف الأخلاء بأشنع الأوصاف فيقال : يا أبا القاسم : إيش نعمل ؟ وما وصيتك حتى تكون ناسا فيهم خير ؟ فيقول : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء . ومع هذا فوصيتى أن من كان منكم ذا مال فلا يخلفه لوارث لا يترحم عليه ومن كان منكم ففيرا فليستقرض ولا يبال بكثرة الغرامة والطالبين . اقتنوا فى أكل الطيبات ، وشراب المسكرات ، وسماع المطربات المحسنات و . تمتعوا بالجوارى والغلمان . فيضحك واحد ممن فى المجلس ويقول : دعونا من أبى القاسم وحديثه . الجو اليوم طيب ، والهواء صاف . فيقول الشيخ : ويحكم - يا أهل إصفهان - تجالسون الناس ولا تتأدبون بآدابهم . الشوك - يا سيدنا - لو صبيت عليه طوفانا من ماء الورد ما أخرج إلا شوكا .
يا سائلى عن إصفهان وأهلها
حكم الزمان بنحسهنا وخرابها
شبانها ككهولها ، وكهولها
كشيوخها ، وشيوخها ككلابها
والله ما أنسى بلدتى وتربتى ، بغداد أرض الخلد . هى الأمل والمنى ، والغاية القصوى . وينطلق فى مدح بغداد وذكر محاسنها ، وحنينه إلى أهلها ، إلى أن يقول :
إذا ذكرت بغداد نفسى تقطعت
من الوجد ، أو كادت تذوب بها وجدا
وبنصت ساعة ثم يفيق ، ويخاطب أهل المجلس قائلا : حقا - يا أهل إصفان - ليس لكم أصل بين الملوك ، لا فى معارضكم ، ولا منافعكم ، ولا شرابكم ولا طعاكم . . كانما خلقتم عبثا . لا أرى على بدن واحد منكم ثوبا سندسيا ، ولا فى بيوتكم بيتا جميلا ، ولا فى طعاكم طعاما مريا ، ولا كاسات تدور ، ولا زجاجا مليحا من بلور ، ولا فى مجالسكم مطربا معربا ، ولا مغنية بغدادية . ويستمر فى سخطه مقارنا بين بغداد ومتعها وإصفهان وقبحها وغنائتها ، ويسوق أحاديث لهوه ومناعه فى العراق ومجالسها ومغانيها ، وشرابها وكعابها ، وروحها وربحانها ، ثم يقبل على صاحب الدار ويقول : لقد صدعتنا ، آئنا غداءنا . فيجئ غلام ويقول : تفضلوا الطعام . فيقف أبو القاسم قائلا : قل جاء الحق وزهق الباطل ، ويقبل على المائدة وعليها أصناف اللحوم والشواء والطيور والفواكه والشراب . فيطمئن إليها ويقول : شيء مليح ، مروءة عظيمة ، كأنه والله طلع نضيد كأن نور الربيع ، كأنه زهر الرياض . فيهجم على الطعام يتناول أطابيه واصفا كل لون من ألوانه فى نتر رفيع وشعر بديع . ويشرب ويقول : والله إنى أظلم أهل إصفهان . عمر الله إصفهان ؟ ماؤها الماء العذب ، وجليدها البلور الرطب ، ثم والله أواتبها ومغانيها . حصاها جوهر ، وترابها مسك ، قبلة الحاسد وكعبة القاصد . . فيها والله ما تشتهيه الأنفس ، ولد الأعين وأنتم فيها خالدون . يا سادة إصفهان ،
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . فيقال له : يا أبا القاسم أما كنت تقول فى بغداد شيئا من هذا ؟ وكنت تعيب إصفهان ؟ فيقول :
لنبعة من نواحى إصفهان أرى
وباسنى من قفار غير محروث
أشهي إلى وأحلى ما أقمت بها
من كرح بغداد ذى الرمان والتوت
ويستمر منشدا أشعارا منها :
أطال الدهر فى بغداد همى وقد يشقى المسافر أو يفوز
ظللت بها علي كرهى مقيما كحنين تعانقه عجوز
ويعود فيقول فى بغداد ما كان من قبل يقوله فى إصفهان .
ثم يؤتى بالشطرنج فيلعب بقطعه كما يلعب بالألفاظ وعبارات المدح والقدح ، حتى إذا جاء العشاء أعاد مجلس الغداء من الوصف والدعاية المكشوفة ، والملق ، والنكتة البارعة . ثم يقال له أثناء المحاورة : يا أبا القاسم تعرف شيئا عن السباحة ؟ فيقول : يا أحمق ! أنا والله أسبح من الضفدع ، ومن التتين . أعرف من السباحة أنواعا لم يحسنها قط ، سمك ولا بط . ويذهب بعدد فنون السباحة وأسماءها ، والسفن وأنواعها ، ومهنها وسيرها . ثم يعود إلى تقريظ إصفهان وساكنها ، ويشرب أقداحا ويطرب . ويثنى على صاحب الدار بما ينبئ عن صدق الولاء ، ويقول له :
يا سيدنا ، متعك الله بهذه المحاسن ، وبهؤلاء الفضلاء
والله ما للعيش بعدهم
ومجالس اللذات من طعم
ثم يشرب ويطرب ، ويسوق الشعر وصفا فى الكاس والطاس ، والمفتين والجوارى ، ويلغو ويسرق فى اللغو والهراء ، ولكن فى شعر وفكاهة ، ونادرة لاذعة .
ويجتمع القوم ويقولون : إيش نعمل للتخلص منه ؟ فيقر رأيهم على أن يسقى أقداحا حتى ينام . فيقبلون عليه
يناولونه كأسا بعد أخرى ، وهو يقاوم السكر ، وينشد الشعر اللاذع الماجن ، ثم يشرب إلى أن لا يبقى فى بدنه عرق ينبض . ثم يفيق ويقول : يا كلاب ، يا ذئاب ، يا قرود يا يهود . يا بقايا عاد وثمود ،خذلكم الله ، أخزاكم الله . ويغفو ويفيق ويقول : يا قوم ! قد بلغنا من السكر الحد الذى يوجب الحسد ، ولكن اعلموا أن العيش لا يكون إلا مع الطيش ، ويستمر فى شعره ونثره . فإذا قيل له : ويحك إلى متى هذا السخف ؟ قال :
شيخ سخيف ولكن يأتى بسخف مليح
ولا يزال يسخف ويخرف حتى يقع من الجهد والإعياء . فيحمل إلى حيث ينام .
ثم يجىء الصباح فيسمع أول ما يسمع صباحه قائلا : أصبحنا وأصبح الملك لله . . مرحبا بالنهار الجديد ، والكاتب الشهيد ، أكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، يقول أبو القاسم أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله . ربنا آمنا بما انزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين . . تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون . فيسمعه واحد من الجماعة ، ويضحك . فيقول أبو القاسم : ويحك ! أكل هذا الطرب بعد قتل الحسين الذبيح ، عليه وعلى آبائه السلام .
لعن الله من يعادى عليا
وحينا من سوقة وإمام
وبعد فهذه شخصية أبى القاسم البغدادى يدركها القارئ من حكايته التى لخصتها فى اقصر عبارة ، وهى نوع من الأدب القصصى - كما قلت - لم يتح له النمو والتطور لقيود الأسلوب المتكلف ولعوامل أخرى يضيق المقام عن ذكرها هنا . وعندى أن أبا القاسم شخصية خيالية ، وأن المؤلف بالغ فى عرضها ، وتجنى على أهل بغداد ، بلد الخلافة والعلم ، والتقوي ، والمرح ، والطرب.
