كنت جالسا بعد ظهر يوم خارج قهوة دي لابيه . أرقب الحياة الباريسية ومتناقضاتها ، من مناظر دل وفقر ، إلي مظاهر عز وغني ، وإذا بي أسمع من ينادينى ، فحولت ظهري ، فرأيت اللورد مرشيسون الذي لم أره منذ تركنا الكلية و كان من أسباب سروري أن جمعتي الصدفة به ، وتصافحنا بحرارة ، فقد كنا صديقين حميين في أكسفورد ، وكنت أحبه حبا جما لعلو نفسه وكرم محتده وكنا نعرفه صريحا لا يواري ولايداري وقد بدا لي أنه قلق حائر ، ولم أشأ أن أعزو هذا إلي مذهب الإلحاد الحديث . فعهدى به أنه من أشد المحافظين ، ثم انتهيت إلي أن في الأمر امرأة . وسألته عما إذا كان قد تزوج بعد ، فأجاب : " أنا لا أفهم النساء فهما كافيا " فقلت : " يا عزيزي جرالد ، إن النساء خلقن ليحببن لا ليفهمن ! فأجاب : ليس في إمكاني أن أحب حيث لا أثق ". فصحت : لابد أن هناك سرا في حياتك . خبرني عنه ". فأجاب : " دعنا ذهب
للنزهة ، إن السكان هنا جد مزدحم . لا لا أريد عرية صفراء . أي لون آخر . تلك العربة الخضراء القائمة تفي بالغرض " . فقلت له : " إلي أين نحن ذاهبان ؟ " فقال : " كيف تشاء . إلي المطعم الذي في الغاية ؛ سنتناول طعام الغداء هناك ، وستحدثني عن كل ما يتصل بك " فقلت : " أنا أريد منك أن تحدثني عن نفسك أولا . خبرني عن سرك ". فأخرج من جيبه صورة امرأة طويلة هيفاء ، ذات طلعة بهية غريبة ، وعينين واسعتين مبهمتين . وشعر مسترسل .
قال : " ما رأيك في هذا الوجه . أتراه ينم على الإخلاص ؟ " وفحصته جيدا ، فبد لى أنه وجه شخص يخفى سرا
لا أستطيع الحكم عليه إن خيرا أو شرا ، وسألته أن يحدثني عنها ، فوعد أن يفعل بعد الغداء . ولما أحضر الخادم القهوة والسجائر ذكرته بوعده ، فقام من مجلسه وأخذ يذرع الغرفة جيئة وذها ، ثم ارتمي على مقعد وقص علي القصة الآتية :
" ذات مساء كنت أتمشي في شارع بوند ، وكانت العربات محتشدة احتشادا شديدا ، حتى لقد كادت حركة المرور تتوقف . وكانت تقف قريبا من الطوار عربية صفراء
صغيرة ، لفتت نظري لسبب ما . ولما مررت بها أطل منها ذلك الوجه الذي أريتك إياه بعد ظهر اليوم ، فسلبني لبي في الحال ، وأصبحت صورته تلح على في اليقظة والنوم . وبعد قرابة أسبوع دعيت للعشاء عند مدام دي راستيل . وبينما نحن جلوس إذ فتح الخادم الباب ؛ وأعلن حضور الليدي الروي ، إنها المرأة التي فتنني جمالها . وكان من فائض سروري أن أدعي لصحبتها أثناء العشاء . وبعد أن جلسنا قلت بحسن نية : " يخيل إلي أني قد رأيت الليدي منذ وقت مضي في شارع بوند ". فشحب لونها ، وقالت في صوت خافت : " بربك لا تكلم بمثل هذا الصوت المرتفع " وشعرت بتعاسة لهذه البداءة السيئة ، وكانت ليدي الروي تتحدث في صوت موسيقى منخفض ، كأنها تخشى أن يكون هناك من يتسمع . وشعرت بحب جارف نحوها ، وقد آثار جو الغموض المبهم الذي يحوطها فصولي ولما همت بالذهاب سألتها عما إذا كان في الإمكان أن أزورها . فترددت لحظة ، ثم نظرت حولها وقالت : " نعم ، غدا في الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والأربعين " . وقد توسلت إلي مدام دي راستيل أن تحدثني عنها ، ولكن كل ما أمكنني أن أعرفه عنها أنها أرملة وأنها تملك منزلا جميلا في بارك لين
وفي اليوم التالي ذهبت في الميعاد المضروب ، ولكن الخادم أخبرني أن الليدي خرجت في الثو واللحظة وذهبت إلى النادي وايا مبلبل الفكر شتى النفس ؛ وبعد أن فكرت في المسألة طويلا كتبت إليها أسألها أن تتيح لي الفرصة في يوم آخر . فجاءني منها رد قصير تقول فيه : إنها ستكون في المنزل يوم الأحد الساعة الرابعة .
وفي يوم الأحد استقبلتني . ولما حان موعد ذهابي وجتني أن أرسل خطاباتي على العنوان الآتي إن أردت الكتابة إليها : " مسز نوكس . طرف مكتبة وبتيكر . شارع جرين " ثم عقبت قائلة : " هناك من الأسباب ما يدعوني إلي هذا " .
ورغم أنني كنت ألقاها كثيرا ، فإن جو الغموض لم يزايلها قط . وكدت في بعض الاحيان اظن أنها في
قبضة رجل آخر . وكان من أصعب الأمور على أن أصل إلي تفسير معقول ، أو نتيجة مرضية . وأخيرا قررت أن أسألها أن تقبلني لها زوجا ، وكتبت إليها علي عنوان المكتبة أسألها ميعادا . وقد أجابت طلبي ، وكنت في السماء السابعة من السرور . كنت مفتونا بها مشغوفا ، رغم غموضها وإبهامها . وفي يوم الاثنين تناولت الغداء مع عمي وهو يقطن في ريجنت بارك كما تعلم . وقد أردت أن أصل إلي بيكاديللي ، واختصرت الطريق بالسير في شوارع قذرة ضيقة . وفجأة رأيت أمامي ليدت الروي ، وهي متحجبة بحجاب كثيف وتجد في السير . ولما وصلت لمالي آخر منزل في الشارع صعدت الدرج وفتحت الباب بمفتاح كان معها ودخلت . قلت لنفسي : " هذا هو السر! " وأسرعت نحو المنزل وأخذت أفحصه . ويظهر أنه كان من تلك الأمكنة التي تؤجر حجرات للناس . وعلي عتبة الباب سقط منديلها ، فالتقطته من الأرض ووضعته في جيبي . ثم ابتدأت أفكر فيما يجب أن أفعله ، وانتهي بي تفكيري إلي أنه ليس من حقى أن أتجس عليها . وذهبت إلي النادي . ولما حانت الساعة السادسة ذهبت إليها ، فألقيتها مضطجعة على أريكة ؛ وكانت تبدو رائعة الحسن وحيتني قائلة : " إنني مسرورة لرؤيتك . لم أغادر المنزل طيلة النهار " . فتفرست فيها في دهشة ، وأخرجت المنديل من جيبي وقلت لها بهدوء : " لقد سقط هذا المنديل من الليدي بعد ظهر اليوم في شارع كمنر ! فنظرت إلي في فزع ، وبادرتها أنا قائلا : " ماذا كنت تفعلين هناك ؟ " فأجابت : " وبأي حق تسألني ؟ " فقلت : " حق رجل يحبك لقد أتيت أسألك أن تقبلينى زوجا " . فدفنت وجهها في يديها ؛ وانهمرت الدموع من عينها غزارا ، قلت لها : " لابد من أن تخبريني " . فنظرت إلي وقالت : " لو رد مرشيسون ! ليس هناك شئ أخبرك به " فصحت بها : " لقد ذهبت لتقابلي شخصا ما . هذا هو سرك ، ألا تخبر بني بالحقيقة ؟ " .
كنت مجنونا يائسا ، ولا أدري ما قلته لها ، ولكني أعرف أني رميتها بأفذع الألفاظ واخسها ، وخرجت من
عندها ثاثرا مهتاجا . وفي اليوم التالي كتبت إلي فأعدت إليها خطابها دون أن أفتحه . ورحلت إلي النرويج من الان كولفيل . ورجعت بعد شهر ، وكان الخبر الأول الذي طالعته في " المورنتج بوست " هو وفاة الليدي الروي وانصرفت عن الدنيا وأهلها . كنت أحبها حبا جما ، كنت أحبها حب جنون . رباه ! كيف أحببت تلك المرأة !
وذهبت يوما إلي شارع كمنر ؛ كان الشك يعذبني . ولما طرقت الباب برزت سيدة يبدو عليها الوقار ، فسألتها عما إذا كان عندها حجرات تؤجرها لي ، فقالت : " لم أر لسيدة منذ ثلاثة شهور . وبما ان الإيجار مستحق عليها . اعتقد أن في الإمكان أن تحل محلها " . فعرضت عليها صورة الليدي الروي وقلت ؛ " أهذه هي ؟ " فأجابت : ( هذه هي بالتأكيد . متي ستعود يا سيدي ؟ " فقلت : لقد ماتت " فقالت السيدة : " رباه ! لقد كانت أحسن نازلين عندي . كانت تدفع ثلاثة جنيهات في الأسبوع
لمجرد أن تجلس في حجرات الجلوس من وقت لآخر " فسألتها : " هل كانت تقابل أحدا هنا ؟ " فأكدت لي أنها كانت تأتي وحدها ، وأنها لم تكن تقابل أي إنسان . وأعطيتها جنيها وذهبت . ما معني كل هذا ؟ أتري المرأة صادقة فيما قالته ؟
- نعم - وكيف نفسر ذهابها إلي هناك بربك ؟
- يا عزيزى جرالد . لقد كانت عندها نزعة جنونية إلي التخفي ، فاستأجرت تلك الحجرات لمجرد أن تذهب هناك محجبة وتتخيل نفسها بطلة . أما هي نفسها فلم تكن إلا أبا هول بدون سر .
- هل تعتقد هذا ؟ - إنني متأكد . وأخرج اللورد الصورة من جيبه . وامعن النظر فيها
ثم قال : " عجبا ! "

