١ - أرجو أن يثق الأستاذ الجليل (القارئ) أن البيت (من كل بيت يكاد الميت يفهمه) لأبى تمام لا للبيتى. ولو أن الأستاذ الجليل أعاد قراءة ديوان أبى تمام وديوان البستى لو جد فيه قوة أداء أبى تمام وهي قوة الأداء التى يفتقد (مثلها) فى ديوان البستى.
أما قوله إن البيت ليس فى ديوان أبي تمام فسهو منه لأنه فى ديوان أبى تمام فى باب المعاتبات صفحة ٤٠٩ من الطبعة التى قرظه فيها الأستاذ إسعاف النشاشيبى، وهو فى قصيدة مشهورة موجودة فى الديوان وفى غير الديوان قالها يعاتب بها محمد بن سعيد كاتب الحسن بن سهل وأولها هكذا:
محمد بن سعيد أَرْعِنِى أُذُناً ... فما بِأذْنِك عن أُكرومَة صَمم
لم تُسقَ بعد الهوى ماءً على ظمأ ... ما كقافية يَسْقيكهُ فَهِمُ
من كل بيت يكاد المَيْتُ يفهمه ... حسناً ويعبد القرطاسُ والقلمُ
مالى ومالك شِبْهٌ أنشده ... إلا زُهَيْرٌ وقد أصغى له هرم
الخ. ويروى الشطر الثانى من البيت الثانى فى بعض الكتب (كماء قافية) وأظن أن الأستاذ (القارئ) أخطأ فهم قول الثعالبى فإنه أراد أن يمدح قول البستى ببيت أبى تمام على سبيل الاستشهاد والتضمين فقال الثعالبى: يعجبنى قوله من كل بيت الخ أى يعجبنى قوله من الأبيات التى صفتها كيت وكيت. وأرجو أن يسامحنى الأستاذ الجليل (القارئ) فى هذا البيان
٢ - قال الدكتور أدهم إنى تأثرت بطريقة خليل بك مطران. وهذا يشرفنى لو كان حقيقة، ولكنه ليس حقيقة، فإنى لم أتأثر بطريقة خليل بك لا فى قليل ولا فى كثير. وإذا استطاع الدكتور أدهم أن يجئ بشواهد فإنها تكون شائعة بين الشعراء فليجئ بها، وإذا ساعدنى اطلاعى الضئيل وذاكرتي الضعيفة أثبتُّ أنى احتذيتها إما فى شاعر آخر وإما لأنها شائعة بين الشعراء. وقد أرسلتُ لمجلة (المقتطف) المقالة الأولى فى الرد على قوله عقب قراءتى مقالته فى مجلة المقتطف. وليطمئن الدكتور أدهم فإنى سأثبت له بمقالات عديدة وشواهد وأسباب كثيرة أنه واهم فى قوله كل الوهم
أولاً: لأنى اطلعت على الأدب العربى والأوربى فى سن مبكرة بالمدارس الابتدائية والثانوية وذكرت الأدلة وقارنت بين كل قصيدة لى والقصائد التى احتذيتها فى مقالة (المقتطف)
ثانياً: إن قوله إن شعرى يغلب عليه التشاؤم خطأ، ولا أظن أنه يرفع قدر شعر مطران لو صح، وفى شعرى التفاؤل والتشاؤم ثالثاً: أن ثقافتى الأوربية فى أول نشأتها كانت ثقافة إنجليزية، وثقافة مطران فى أول نشأتها كانت ثقافة فرنسية. ويتضح ذلك من توجيهى قصيدة فى الجزء الأول من ديوانى إلى الشاعر بيرون، ومن تعلمى اللغة الإنجليزية واتساع المجال إلى قبل سفرى إلى إنجلترا وبعده للاطلاع على الأدب الإنجليزى
رابعاً: إن الأدب الفرنسى الذى اطلعت عليه اطلعت عليه فى كتب مترجمة إلى اللغة الإنجليزية لا فى شعر مطران، وإذا شرفنى الدكتور أطلعته عليها وعلى ما أشرت به فى هامشها
خامساً: إن كثيراً من شعرى ونثرى يغلب عليهما التحليل النفسى أو السخر أو التفكير فى مذاهب التفكير الأوربية الإنجليزية والفرنسية والألمانية الخ. ولم أر ولا أظن أن أكثر القراء رأوا مثل ذلك فى شعر مطران، وسأوضح مراجع هذا التفكير الذى تأثرته فى الأدب الأوربي
سادساً: إنى لم أطلع على ديوان مطران إلا بعد نشرى جزءاً من شعرى على الأقل. وقد كنت قرأت شعر البارودى فى الصغر ورثيته بقصيدة نشرها خليل بك نفسه فى مجموعة مراثى البارودى، وكانت قراءتى لشعر البارودى لنشر أستاذه المرصفى الكبير كثيراً من قصائده وقصائد من عارضهم فى كتاب (الوسيلة الأدبية) الذى وجدته في مكتبة أبى وأنا تلميذ بالمدارس الابتدائية
سابعاً: أنى لم أقابل الأستاذ مطران غير ثلاث مرات، مرة فى قهوة نلسون فى الصيف بالإسكندرية على غير قصد، ومرة أخبرنى الدكتور أبو شادى أن خليل بك يرحب بأن أزوره، والمرة الثالثة قابلته أخيراً فى مكتب العشماوى بك فى وزارة المعارف (أو هما مرتان) . ولم يحاول فى مرة منها أن يجعلنى تلميذه أو أن يشجعنى، ولم يشر إلى أتى أقاربه فى مذهبه؛ بل إنى ظننت وبعض الظن إثم، أنه فى حديثه عن الأدب فى قهوة نلسون فى اللقاء الأول كان ينتقد مذهبى من غير إشارة انتقاداً مراً، وكنت قد نشرت أربعة أجزاء. والذى أعرفه خليل بك فى ذلك العهد كان يتنصَّل من أن يكون قد أثر فى الشعراء الشبان. وإذا كان قد شجع شباباً غيرى فإنه لم يشجعنى مطلقاً إلا بنشر رثائى للبارودى
قبل ذلك العهد وقد أرسلته بالبريد ولم أكاتبه مرة أخرى. والحقيقة أن كلمة التجديد فى ذلك العهد كانت يساء بها الظن كما لا يزال يساء بها الظن، وأن هذا كان من دواعى موقف خليل بك، وقد تحول الآن قليلاً
ثامناً: إنه من سوء حظى أنى عندما اطلعت على شعر خليل بك لم أطلع على أحسنه وأروعه وأفخمه، بل اطلعت على القصائد التى نظمها لمداعبة الآنسات السوريات وجعلها على قدر فهمهن فظننت أن كل شعره من هذا القبيل. وزاد هذا الاعتقاد أنى قرأت له شعراً يشبه بعض شعر الحفلات والحياة الفرنسية والاجتماعية. وقوى هذا الاعتقاد إكثاره من شعر المناسبات اليومية التى لا أكتب فيها ولا أرى أنها من خير الشعر، وقلة اهتمامه بنشر شعره لاشتغاله بالتجارة مما أخمل شعره الجليل وقلَّل أثرة؛ ومَدْحُ بعض الشعراء المتطرفين فى التجديد له جعلنى أشك فى شعره وأزهد فى قراءته ومنعنى من تأثره والاستفادة منه كما كان ينبغى

