كان أبو حيان التوحيدي يحترف الوراقة لرقة حاله ، وقد مكنته تلك الحرفة من مخالطة طائفة من المفكرين في عصره ومعرفة ما استكن من آرائهم ، وخفي من نزعاتهم . وممن ورق لهم فعرفهم حق المعرفة زيد بن رفاعة ، ومن أجل ذلك طلب إليه الوزير ابن سعدان أن يحدثه من حديثه فأنبأه بأنه ذكي بليغ متبصر في الآراء والديانات ، متصرف في كل فن : إما بالشدو الموهم ، وإما بالتبصر المفهم ، وإما بالتناهي المفحم ؛ وأنه قد صادف بالبصرة جماعة وضعوا بينهم مذهبا ، قالوا : إن الشريعة قد دنست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ، ولا سبيل إلي غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة . وزعموا أنه متي انتظمت الفلسفة والشريعة فقد حصل الكمال . وصنفوا خمسين رسالة وسموها رسائل إخوان الصفاء ولقنوها للناس ، وادعوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء وجه الله . فقال له الوزير : هل رأيت هذه الرسائل ؟ فقال أبو حيان : " قد رأيت جملة منها ، وهي مبثوثة من كل فن نتفا بلا إشباع ولا كفاية ، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات وقد غرق الصواب فيها لغلبة الخطأ عليها . وحملت عدة منها إلي شيخنا أبي سليمان المنطقي وعرضتها عليه ونظر فيها أياما واختبرها طويلا ؛ ثم ردها علي وقال : تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا ، وحاموا وما وردوا ، وغنوا وما أطربوا ، ونسجوا فهلهلوا ، ومشطوا فقلفوا ؛ ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع ؛ ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في الشريعة ، وأن يضعوا الشريعة للفلسفة . وهذا مرام دونه حدد ، وقد توفر علي هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنيابا ، وأحضر أسبابا ،
وأعظم أقدارا ، وأرفع أخطارا ، وأوسع قوي ، وأوثق عنا ، فلم يتم لهم ما أرادوه ، ولا بلغوا منه ما أملوه ؛ وحصلوا علي لوثات قبيحة ، ولطخات فاضحة ، وألقاب موحشة ، وعواقب مخزية ، وأوزار مثقلة . هذه هي حقيقة إخوان الصفاء كما صورها أبو حيان ، وهذا رأيه في أغراضهم ومقاصدهم ، فهل يعقل بعد هذا أن يقال إن أباحيان كان منهم أو من أنصارهم ؟ ولكن الدكتور زكي مبارك يقول في كتاب النثر الفني ) ١٤٣/٢ ( : " إن التوحيدي كان من أنصار إخوان الصفاء ، ولكنه كان يتستر اتقاء لسخط الجمهور ، وكانت طريقته في تأييدهم أن ينطق الأشخاص بعبارات مريبة كقوله : الشريعة طب المرضى ، والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطببون المرضي حتي لا يتزايد مرضهم ، وحتي يزول المرض بالعافية فقط ، فأما الفلاسفة فانهم يحفظون الصحة على أصحابها حتي لا يعتربهم مرض أصلا . فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف . وهذا الكلام الذي نقله الدكتور وأدعي أن التوحيدي أنطق به بعض الأشخاص لينصر به إخوان الصفاء ، كلام مقطوع الصلة بما قبله وما بعده ، فلا يصح الاستشهاد به إلا علي طريقة ولا تقربوا الصلاة . علي أنه ليس لأبي حبان وإنما هو رأي رواه وروي نقدا قويا له في حوار طويل جري بين الحريري وبين المقدسى أحد إخوان الصفاء . روي أبو حيان أن الوزير قال له : أما سمعت شيئا من هذا المقدسى ؟ فقال : بل ! هيجه الحريري يوما فاندفع فقال : الشريعة طب الرضى والفلسفة طب الأصحاء ألخ . فقال له الحريري : أما قولك طب المرضى وطب الأصحاء وما نسقت عليه كلامك فمثل لا يعبر به غيرك ومن كان في مشكل ، لأن الطبيب عندنا الحاذق في طبه هو الذي يجمع بين الأمرين ، أعني أنه يبريء المريض من مرضه ويحفظ على الصحيح صحته : فأما أن يكون ههنا طبيبان يعالج أحدهما الصحيح
والآخر يعالج المريض ، فهذا ما لم نعهده نحن ولا أنت ، وهو شيء خارج عن العادة ، فمثك مردود عليك ، وتشنيعك فاضح لك ، وكل احد يعلم ان التدبير في حفظ الصحة ودفع المرض - وإن كان بينهما فرق واحد ، فالطب يجمعهما والطبيب الواحد يقوم بهما وبشرائطهما . وإني أظن أن حسك كليل وعقلك عليل . ما بالنا لا نري الواحد منكم يقوم بأركان الدين ، ويتقيد بالكتاب والسنة ، ويراعي معالم الفريضة ووظائف النافلة . هذا والله الجهل المبين والخرق المشين . هيهات لقد أسررتم الحشو في الارتقاء وددللتم علي قولتكم وضعف منتكم واردتم ان تقيموا ما وضعه الله ، وتضعوا ما رفعه الله ، والله لا يغالب ، بل هو غالب على امره فعال لما يريد ، فانبهر المقدسى بما سمع ، وكاد يتفري إهابه من الغيظ والعجز وقلة الحيلة والمحاورة طويلة جدا يجدر بالقاريء أن يرجع إليها في الجزء الثاني من الإمتاع والمؤانسة فإن فيها لذة وثقافة وإمتاعا
وبعد فهل فيما نقلته عن التوحيدي ما يصح ان يستنتج منه انه كان من انصار إخوان الصفاء ؟ ولكن الدكتور مع كل هذا ، أو برغم هذا ، استنتج انه كان من انصارهم ، بل ذهب إلي أبعد من ذلك ، فرجح أن يكون من مؤلفيها حيث يقول : " ولا نعرف اسماء مؤلفها بالضبط ، ولكن يرجح أن التوحيدي كان بينهم ؛ ولم يحدثنا الدكتور عن تلك المرجحات حتى نعرف هل تبدت له بعد بحث وروية وتفكير ، أم أنه تابع لبعض المستشرقين دون مناقشة أو مراجعة . ولا يصعب علينا أن نحكم بأنه كان من المقلدين ، فقد نقل في كتاب الأخلاق عند الغزالي ص ٧٣ أن : " الكونت دجلارزا ذكر أن أحد إخوان الصفاء وهو أبو حيان التوحيدي كان يقول : إن الشريعة لم تكن كاملة بل فيها غلطات وجب إصلاحها بواسطة الفلسفة وكلاهما مخطئ في عد التوحيدي من جماعة إخوان الصفاء ، مخطىء في نسبة كلام غيره إليه ، متعسف
في أن يحمل عليه آراء خاطئة لا علاقة للتوحيدي بها إلا أنه رواها وروي نقدها بعقبها على طريقته التي اختطها لنفسه في تسجيل آراء معاصريه أني كان موقعها من الحق ومن نفسه ولولا أنه تعرض لتحبير أمثال هذه الأحاديث والمسامرات لكان ذلك كله مغمورا في غمار ما جهل ، وفائتا في عرض ما فات . وقد أحس أبو حيان بما تثيره طريقته تلك من مشاكل ومصاعب ، وفكر فيها تفكيرا طويلا ، وعالج أمرها في بعض ما كتب بما عهد فيه من صدق الحجة ، وصراحة الرأي كتب في حديث له يقول : فوالله ما شرعت في تحبير هذا الكلام ، وإيراد هذه الوجوه إلا شغفا بالعلم ، ولولا كلف النفس به ، ومحبتها للفائدة لكان الإضراب عنها أذب عن العرض ، وأصون للقدر ، وأبعد من استدعاء اللائمة . ولكني تعرضت له علي علم مني بقلة السلامة ، علي أن من أنعي علي بحده ، وكشر لي عن نابه ، وجعل صوابي خطأ ، وخطئي فيه عارا احتملت وصبرت وتغافلت وعذرت ، وإذا كنت في جميع ذلك راوية عن أعلام عصري وسادة زماني ، فأنا أفدي عرضهم بعرضي ، وأقي أنفسهم بنفسي ، وأناضل دونهم بلساني وقلمى ونظمي ونثري . ولست أنافس أحدا على هذا الحديث إلا بعد أن يرسم بقلمه في هذا الفن عشر أوراق يسلم فيها كل السلامة ، ويتبرأ فيها من كل ، قالة وهذا ما لا يتطاول له كل أحد ، ولا يغتر به كل إنسان ، والطعن بالقول سهل من بعيد ، والعنف خفيف على لسان كل غائب ، والتعقب مركز في كل وقت ، علي أن الحسناء لا تعدم ذاما ، كما أن المحسنة لا تعدم ملاما .

