الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 701الرجوع إلى "الرسالة"

أبو زيد الهلالي، تأليف الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف

Share

لهذا الاسم بريق ولمعان، وماض مجيد، وحاضر خافت  راكد، ولكن هذا الحاضر مع خفوته وركوده لم يذهب ببهاء  هذا الاسم، ونضارته، وما له في نفوس العامة من أفراد الشعب  من التجلة والاحترام. فيكاد يعرفه العامة أكثر مما يعرفه  الخاصة - واعني بالمعرفة وفرة المعلومات وكثرتها، لا واقعيتها  وحقيقتها - فهو متصل بنفوسهم وحياتهم اتصالا وثيقاً... يسمعون عن بطولته في المقاهي والأندية الشعبية، ما يلهب  حماستهم، ويشعل قلوبهم وأفئدتهم شجاعة وأقداماً، ويقدم  لهم لو أنا من الخيال الحبيب، يرضيهم ويطربهم، ولا يرتضون  بغيره بديلا. .!!

وإذا كان من لوازم الأدب التأثير في النفس، فإن هذه  القصة، بلغت درجة لم تبلغها قصة غيرها على كثرة ما كان  ينشر ويذاع بين هذه الطبقات. . . إذ ظلت حديث المجتمع  المصري ثمان قرون، وظل شاعر الربابة يحدث بها الناس من  العهد الفاطمي إلى اليوم، بيد أن شعر القصة اليوم اصبح شبحاً ماثلا  ولونا حائلا يتلاشى صوته في ضجيج العصر، وجلجلة المذياع.

وليس من السهل تناول هذا الموضوع، فلا يزال حظ  الهلالية في التاريخ قليل، وأدباؤنا لا يعنون العانية اللائقة بهذا  القصص الشعبي، بل تركوه في أيدي الوراقين - من الذين لا يعنيهم إلا جمع القرش - يتناولونه بالتحريف التصحيف. حتى أصبح من العسير الوصول إلى الحقائق الناصعة،والنتائج  السليمة التي ترضي الباحث ويطمئن إليها الخاصة، ولا يرتابون  فيما يقرءون... وويل للموضوع يفقد ثقة الخاصة، ولا ينال  تقديرهم واحترامهم. . .!!

وبنو هلال وسليم من بطون مضر الكثيرة المتعددة، الذين كانوا يعيشون قبل الإسلام عيشة البداوة والخشونة. ثم

دخلوا حظيرة الإسلام، وحملوا رايته، ورفعوا لواءه، أيام بني  أمية في الشام، وبني العباس في العراق، ثم بني أمية في الأندلس.

ولأمر ما نزحوا من نجد، وجاءوا إلى مصر، فأسكنهم  الخليفة الفاطمي صعيد مصر، بيد أنهم لم يستقم لهم أمر، فعاثوا  في الأرض فسادا، واصبحوا خطراً على الدولة، فرمى بهم  المستنصر ملك صنهاجة والقيروان المعز بن باديس، وذلك  لانحرافه عن مذهب الشيعة إلى مذهب أهل السنة، وفي ذلك  كتب اليازوري وزير المستنصر الفاطمي إلى المعز بن باديس يقول: (أما بعد، فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا، وحملنا عليها  رجالا كهولا، ليقضي الله أمراً كان مفعولا. . .)!!

وبذلك ضرب المستنصر عصفورين بحجر واحد، وهنا  تتجلى بطولة هؤلاء الأعراب، وفروسيتهم التي عمل فيها  الخيال الطليق، ما كاد يخرجها من عالم الحقيقة إلى عالم  الخرافات والأوهام. . .

ومهما يكن من شيء فقد تناول صديقي وزميلي الأستاذ  محمد فهمي عبد الطيف هذا الموضوع في سلسلة (أقرأ) ، وهو  أديب ناقد، تخرج في مدرسة (الرسالة)  الغراء، وكان له فيها  جولات، وقد رزقه الله قلما يعرف كيف يصل به إلى نفوس  القارئين. فلا عجب إذا لم المتفرق، وجمع الشتيت، جمع الناقد  الفاحص، واتخذ من هذا كله مادته في هذا الموضوع، فخلق  منه بحثا قيما مفيدا، يجدر بكل أديب أن يمتع نفسه به فترة من  الزمن، ليجد ألواناً من الفكر المتزن. فيها جدة، وفيها جرأة،  وفيها طرافة ولذة. . .

ولصديقي فهمي عذره في ترداد اسم ابن خلدون كثيراً،  فهو يكاد يكون المؤرخ العربي الوحيد، الذي عنى بالكتابة عن  الهلاليين، كتابه فيها مقنع إلى حد ما. . . وعسى أن تتاح  الفرصة لصديقي فهمي، فيجلو بعض ما في الكتاب من غموض  يسير، ويوضح بعض ما فيه من إجمال، أعتقد أن ضيق المقام،  وتقيده بعدد من الصفحات هو الذي إضطره إلى ذلك. والكتاب  بعد هذا تحفة أدبية لا غنى عنها لأديب.

اشترك في نشرتنا البريدية