- ٢ -
في المقال السابق تحدثنا عن حياة أبي شامة وعن ثقافته ، ثم بينا تأثير هذه الثقافة في إنتاجه المتنوع وبخاصة في كتابته التاريخية ، وذكرنا أن أبا شامة اشتهر بين المستصرفين بتأريخه للصليبيات في عصرى نور الدين وصلاح الدين ، وان انتاجه التاريخي يتمثل في كتابى الروضتين والديل على الروضتين . . وفي مقال اليوم نعرف بكتابته التاريخية كما يمثلها هذان الكتابان
وقد جاءت الكتابة التاريخية لأبي شامة في سورة حوليات منظمة ، تبدأ بسنة ٥٤٢ ه . وهي السنة التالية لتولى السلطان نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى شئون الشام ، متخذا من حلب عاصمة له ؛ وتنتهي في سنة ٦٦٥ ه . وهي السنة التي شهدت وفاة أبي شامة . على أن القيمة التاريخية لما كتبه مؤرخنا في هذه الفترة التى استغرفت أربعة وعشرين ومائة عام ليست متكافئة ، كما انه لم يتحدث عنها جميعا في كتاب واحد ، بل اختص الشطر الأول ، وهو الذي انتهى بوفاة السلطان صلاح الدين الأيوبى في سنة ٥٨٩ ه- بجزءين أطلق عليهما اسم " كتاب الروضتين في أخبار الدولتين ، وانتبع هذا الكتاب بآخر سجل فيه تاريخ الفترة التالية - أي من ستة ٥٩٠ إلى سنة ٦٦٥ ه - وأطلق عليه اسم والديل على الروضتين " . والدراسة التفصيلية للكتابين تبرر اختيار أبي شامة لسنة ٥٨٩ لتكون حدا فاصلا بين الإنتاجين ، وندل على مقدار اختلافهما موضوعا وقيمة ، مما يحمل من كل منهما نوعا مستقلا من الكتابة التاريخية التي عالجها أبو شامة ، له مميزاته وعناصره ؛ وسنعرض هنا لكل من النوعين عرضا مستقلا بتحليل كتابي الروضتين والديل تحليلا نحاول فيه إبراز العناصر الميزة لكل منهما .
كتاب الروضتين في اخبار الروايتين النورية والصلاحية
يعرض أبو شامة في هذا الكتاب - كما يدل عنوانه - تاريخ البلاد الإسلامية التي خضعت لحكم
السلطانين : نور الدين محمود ، وصلاح الدين الأبوبى . وقد بدأ هذا العرض بتمهيد طويل تحدث فيه عن عصر عماد الدين زنكي وعن جهاده في محاولة توحيد الولايات الإسلامية المتفرقة في العراق والشام ، تلك المحاولة التي استفاد فيها زنكى من تفكك القوات الإسلامية في الشام ومن النزاع بين سلطان السلاجقة وخلافة بغداد في العراق كما انتفع فيها بالفرقة والشقاق اللذين وقعا بين الإمارات الصلبية ، وبوفاة زنكي في سنة ٥٤١ خلفه نجلاه : سيف الدين غازي بالفوصل ، ونور الدين محمود بحلب . وقد وقع على الأخير - لقرب عاصمته من الإمارات الصلبية - عبء جهاد الفرنج . فبدأ هذا الجهاد منذ اللحظة الأولى لولايته ، واكتسب بهذا نفوذا عظيما بين العامة من المجاهدين مكنه من تثبت سلطانه ومن القضاء على الدويلات الصغيرة المتفرقة . وساعده في مقاومة الفرع بالقوة المتوحدة المندفعة بعقيدة الجهاد
وإذا كان عماد الدين زنكي قد فشل في الاستيلاء على دمشق رغم حصاره المتكرر لها ، ورغم محاولاته السلمية ، فقد نجح ولده نور الدين ، بمهارته السياسية ، وعاطفته الدينية ، وصبره الحكيم ، في اتخاذها عاصمة ثانية له ، يخالف بينها وبين حلب طبقا لظروفه في الجهاد . وإذا فقد خضعت دمشق لنور الدين واستسلمت لجيوشه استسلاما فيه ترحيب بالأمير الصالح ، وفيه عزم على مساعدته في جهاده ضد الفرنج .
تولى نور الدين إمارة حلب سنة ٥٤١ ، وخضعت له
دمشق سنة ٥٤٩ ، وتولى سلطانا عليها في سنة ٥٦٩ . وفي السنة التالية - سنة ٥٧٠ - قديت جيوش صلاح الدين الأيوبى من مصر ودخلت دمشق ، ثم استوات في مراحل متقاربة على معظم بلاد الشام ، فيما عدا حلب التي بقيت مقرا الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين حتى سنة ٥٧٧ . وقد ربى صلاح الدين في بلاط نور الدين وتشبع بسلوكه الدينى وتأثر بروحه الحربية ؛ وهو لم يسر إلى مصر حينما سار إليها في القرات الثلاث إلا رجلا من رجال نور الدين يخدم غرضا تنبيها من أغراضه ، وهو تخليص مصر من تهديد الفرنج . وقد نجح في هذا كما نجح فيما بعد في تفويض سلطان الفاطمية ، فنشاطه الحربى ضد الفرنج وسلوكه الديني مكنا له في مصر ، ثم في الشام ؛ فلا عجب أن ترحب به دمشق التي خضمت لنور الدين من قبل تحت تأثير هاتين العاطفتين . وقد ساعد دمشق في انخاذ هذا القرار أن الصالح إسماعيل نجل نور الدين ، كان لصغر سنه ألعوبة في يد قواد أبيه الراحل الذين ههددوا الوحدة السياسية والتكتل الحربى ضد الفرنج بالفرقة والانقسام .
وقد كانت دمشق موطن أبي شامة ، بها تربي وتعلم ، ثم اشتغل بالتربية والتعليم ، فلا عجب أن يتأثر بهذا التاريخ المعجب لجهاد دمشق وللسلطانين المجاهدين ؛ ولذا جاء كتاب الروضتين سجلا تفصيليا شاملا لحروب نور الدين وصلاح الدين اللذين تمكنا من توحيد الكلمة ضد الفرنج الغاضبين . الذين أصيبوا على يديهما بهزيمة حاسمة مهدت لاستئصال قوتهم استئصالا كاملا فيما بعد ، وقد تتبع أبو شامة بسجله هذا جيوش المسلمين واصفا ومعلقا ومبشرا . ويلاحظ أن هذا التقرير يبدأ بمساحة ضيقة من بلاد الشام والعراق ، وهى التي كانت خاضعة لنفوذ زنكى ، ثم تندرج هذه المساحة في النمو والانساع بفتوحه المستمرة ، ويتسع تبعا لهذا مجال الوصف أمام أبي شامة ، حتى إذا ولى نور الدين حلب نجد أبا شامة يخرج عن اختصاره وإشاراته إلى التفصيل والتطويل ، كما يكثر حديثه عن مناطق أكثر اتساعا من بلاد الشام ، ثم من مصر التى خضعت لسلطان دمشق ، وبوفاة نور الدين بتغير اتجاه الفتوح وتصبح القاهرة مركزا للنشاط الذي يقوم به صلاح الدين ، فتخرج منها جيوشه إلى الشام
لتضم معظم بلادها ، ثم إلى شمالى العراق حيث تبسط سلطانه وتنشر لواءه ، ثم تتجه إلى الأراضي الساحلية وإلى سائر الإمارات الصليبية فتزلزل قواعدها وتهز عروشها ، وأبو شامة لكل هذا واصف مدقق .
أما التاريخ الاجتماعي والاقتصادى لمصر والشام في هذه الفترة فليس له نصيب من عناية مؤرخنا إلا في بعض أخبار متفرقة لم يقصد بها إلا تمجيد السلطانين والإشارة بعدلهما في إلغاء الضرائب الجائرة ، وزيادة الأوقاف وتنظيمها إيرادا وصرفا . وليس النشاط العلمي لنور الدين وصلاح الدين بأسعد حظا ، إذ اقتصر حديث أبي شامة عنه على نتف يسيرة هنا وهناك تتعلق ببناء مدرسة أو تجديد زاوية أو تمجيد عالم أو إشادة بقصيدة قيمة قبلت في مناسبة دينية أو حربية يمدح بها منشئها جهود السلطانين
ولم يكن أبو شامة - وقد ولد سنة ٥٩٩ - معاصرا لنور الدين أو صلاح الدين . كما أنه لم يكن الوحيد الذي أرخ لهما ، وإن كان كتابه في صدر تواريخ هذه الفترة ومن أعظمها قيمة ، وقد استفاد في كتابته بإنتاج المؤلفين السابقين له والمعاصرين للسلطانين ، مراعيا أن يعتمد على المصادر المحلية في تقرير الحوادث حتى تكون تقريراته مأخوذة عن الشهود المعاصرين ، وفي مقدمة الكتاب الذين اعتمد عليهم القاضي الفاضل في رسائله . وابن شداد في النوادر السلطانية وابن الأثير في تاريخ أتايكة الموصل ، والعماد الاصفهاني في كتابيه البرقي الشامى والفتح القدسى ، وقد استخدم هذه المصادر استخداما واسعا يتمثل في الفقرات الطويلة التي يقتبسها ويوردها واصفا أو معلقا ، ومن السهل في كثير من الحالات مقارنة تقريرات أبي شامة بمصادره الأصلية وتتبعها كلمة كلمة ؛ ويعين على هذه المقارنة أمانة أبي شامة نفسه حين يذكر المصادر التي يستمد منها معلوماته .
ويمدنا أبو شامة في حولياته بتقريرات مطولة ومفصلة متعددة ، وهو في هذا لا يكتفي برواية واحدة لما يتحدث عنه من الوقائع ، بل يؤيدها ويؤكدها بروايات اخري يقتبسها من المصادر المختلفة ، غير مبال بتطويل أو تكرار ، ففيها أحيانا تأكيد وتفصيل ، كما أنهما يهيئان في أحيان أخري فرصة الوقوف على بعض الاختلاف الذي لا يملك له أبو شامة تأييدا
كما لا يستطيع له ردا ، على أن التطويل الممل الذي تتصف به كتابة مؤرخ كالعماد الأصفهانى مثلا لا يجد له مجالا في تقريرات أبي شامة الذي أخذ على نفسه مهمة اختصارها اختصارا يذهب بإملالها ويبقى على زيدتها وروحها محتفظا - في الكثير الغالب - بألفاظها وكلماتها .
ويبرز تحقيق أبي شامة العلمى وعنايته بصحة ما يكتب من التقريرات عند ما يلجأ إلى الوثائق الرسمية التي تعتبر مصدرا أوليا لكتابة التاريخ ، وقد أورد أبو شامة في " كتاب الروضتين " ما يزيد على مائتى وثيقة كتب معظمها العماد الأصفهاني والقاضي الفاضل ، وأهميتهما لحكومة صلاح الدين ليست في حاجة إلى تعريف ، وقد تنوعت موضوعات هذه الوثائق فشملت شئون الحرب والمال والأوقاف والإدارة ، واستخدمها أبو شامة استخداما عليا دل به على حسن فهمه لمعنى الكتابة التاريخية وعلى تقديره لأهمية الوثائق في تقرير الوقائع وتحقيقها .
وهكذا نجد أن مؤرخنا قد عالج في " كتاب الروضتين تاريخا خاصا بزمان ومكان محدودين ، كما انه كان يرعى بكتابته إلى هدف واضح هو تمجيد الوحدة التي جاهد في سبيلها نور الدين وصلاح الدين والدعوة إلى تأكيد هذه الوحدة باستخدامها في رد الفرنج العاصبين ، وكانت وسيلته لتحقيق هذا الهدف هو تفصيل الخطوات التي رمت إلى هذه الوحدة فأنتجنها ثم استدارت بها فأكدتها ، وفي الوثائق الرسمية غير مؤيد لما يقدمه في كتابه من تفصيل .
" كتاب الذيل على الروضتين "
وقد أراد به مؤلفه أن يكمل به كتاب الروضتين ويرشد تصفحه إلى أنه يتحدث عن فترة أطول من تلك التي كانت موضوعا لسابقه . إذ يبدأ بالسنة التالية لوفاة صلاح الدين وينتهي بوفاة أبي شامة ( أي من سنة ٥٩٠ إلى سنة ٦٦٥) .
والواقع أن هذا الكتاب يمثل العصر الأيوبى ، بعد وفاة صلاح الدين ، ولكنه تمثيل سلبي خالص ، وسر هذا ما ساد من الفوضى ، والتفكك في شئون السياسة والحرب في الأمبراطورية الأيوبية التي كانت وفاة مؤسسها نذيرا بتداعيها .
حقيقة في عصر الأيوبيين ظهر بعض الشخصيات القوية التي كان لها فضل عظيم في توحيد جزء كبير من ممتلكات صلاح الدين تحت راية واحدة ، كالملك العادل الأول والملك الكامل ، ولكن التفكك والحروب الأهلية كانا ظاهرين حتى في عهد هذه الشخصيات القوية .
وقد آلحت هذه الفوضى أبا شامة ، ودفعته أولا إلى تصنيف " كتاب الروضتين " لبحث هؤلاء الأمراء على التكاتف ضد العدو المشترك . ففشلت دعوته ولم يعبأ بها من بيدهم الأمر ، فانزوي على نفسه واكتفى في تذييله على الروضتين بموقف سلبى أضرب ، عن تسجيل هذه الفوض إلا في القليل وبتفصيل غير مقنع ، وخير دليل على هذا الوقف ما سجله في حوادث سنة ٦٢٦ عن تسليم القدس لفردريك الثاني إذ يقول : " وفي أول ربيع الآخر جاء الخير بأن الملك الكامل أخلى بيت المقدس وسلمه إلى الفرنج وصالحهنم على ذلك وفيقبل جملة من القرى ، فتسفوه ددخلوه مع ملكهم الإنبرور ( الإمبراطور ) ، وكانت هذه من الوصيات التي رحلت على المسلمين ، وكانت سببا في أن توعرت قلوب أهل دمشق على الكامل ومن معه ، ووجد به الناصر طريقا في الشناعة عليهم ، ولاشئ وراء هذا .
وهكذا جاء كتاب الديل - على طول الفترة التي يعالجها مخيبا لآمال المؤرخين الذين يقدرون لأبي شامة دقته وتحقيقه في كتابه الكبير ، ويزيد في خبيبة الأمل أن أبا شامة نفسه - وقد ولد في سنة ٥٩٩ - يعتبر شاهدا لمعظم الحوادث التي جاءت في " الديل " أو قريبا من مسرحها إن لم تتح له فرصة مشاهدتها بنفسه ، وبهذا حرمنا من انتاج كان من المتوقع أن يكون على درجة كبيرة من الأهمية تحقيقا وتفصيلا ودقة .
على أن أبا شامة قد اتجه اتجاها آخر في هذا الكتاب ، إذ اتخذه سجلا للعلماء والأمراء والأعيان والأصدقاء الذين توفوا في هذه الفترة ، يترجم لهم ويعرف بهم ويذكر بعض ما يمتازون به ، ومرة اخرى نجده مقصرا في تقريره منطويا على نفسه ، فجاءت تراجمه - في الحملة - عاجزة غير وافية ؛ ويبدو هذا التقصير من أبي شامة مقصورا واضحا حين يكتفي في تسجيل الحوادث التي وقعت بين سنتي
٦٣٥،٦٢٧ - وهي السنوات التي انفضت بين تسليم القدس إلى فردريك الثاني ووفاة الملك الكامل بطل التسليم - في بضعة أسطر لكل سنة .
وطبيعى بعد هذا ألا يلجأ أبو شامة في الذيل إلى تنويع تقريراته . كما أن الوثائق لا تجدلها مجالا في " الذيل" اذ ليست هناك تقريرات تفصيلية في حاجة إلى تأكيد أو تحقيق ، وكل ما جاء منها في " الذيل " لا يزيد على سبع وثائق معظمها يتعلق بالنار البركانية التي شبت في المدينة المنورة سنة ٦٥٤
وبعد فيعتبر " كتاب الروضتين " أهم إنتاج تاريخي حفظته لنا الأيام من أعمال أبي شامة ، وإليه يرجع الفضل في شهرته بين المستشرقين كمؤرخ عربى للحروب الصلبية في أهم مراحلها ولا عجب بعد هذا ألا تتحدث كتب التراجم العربية عنه كوءرخ بين الإنتاج . إذ أن كتبه في فنون العلم الأخرى ، عربية ودينية ، كانت أوضح اثرا في الحياة العلمية لعصره من انتاجه التاريخى.
