من كلام الجاحظ : وأنت لو حولت ساكني الآجام إلي الفيافي ، وساكني السهول إلى الجبال ، وساكني الجبال إلي البحار ، وساكني الوبر إلي المدر ، لأذاب قلوبهم الهم ، ولأتي عليهم فرط النزاع ، قال الله عز وجل : " ولو انا كتبنا عليهم أن اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ، فقرن الضن بالأوطان إلي الضن بمهج النفوس !
وأبو قطيفة شاعر من شعراء بني أمية أخرجوه من ثلاثة عشر قرنا من وطنه ، فأذاب الهم قلبه ، واتي عليه فرط النزاع ، على نحو ما يصيب الذين يحولونهم إلي غير أوطانهم
لما شمر عبد الله بن الزبير للخلافة ودعا الناس إلي بيعته ، نفى بني أمية عن المدينة إلى الشام ؛ وكان أبو قطيفة المعيطي مع من نفاهم . وأبو قطيفة هذا من العنابس، من بني امية
قدم الشام أبو قطيفة وفيها بنو أمية ، وفيها عز خلافتهم وبشاشتها ، فهل الهته قصور يزيد بن معاوية في دمشق عن قصور المدينة وآطامها ؟
القصر ، فالنخل ، فالجماء بينهما
أشهي إلي القلب من أبواب جيرون !
إلي البلاط فما حازت قرائنه
دور بعدن عن الفحشاء والهون
فلم تشغله أبواب جيرون في ظلال مسجد بني أمية في دمشق عن قصر سعيد بن العاصي وعن نخله ، وعن الجماء ، وغير ذلك من أماكن المدينة
يبعد المرء عن مائه وأرضه وسمائه ، وقد يرد ماء أعذب من مائه ، وترحب به أرض أكرم من أرضه ، وتظلله سماء أضحك من سمائه ، ولكن المرء لا يبعد عن
أي ماء ولا عن أي أرض ولا عن أي سماء ؛ وإنما يبعدونه عن هذا الماء الذي ورده اباؤه واجداده ، وعن هذه الأرض التي اشتملت على عظام قومه ورفاتهم ، وعن هذه السماء التي باركت لهؤلاء القوم ؛ إنهم يبعدونه عن لحمه ودمه وعظمه، عن منابت فكره وشعوره وعاطفته
هل كان يعوز ابا قطيفة وهو في دمشق بين إخوانه وعشيرته ، شئ من عذوبة الماء ورقة الهواء وحسن السماء ؟ ! أما كان فيها عزيز الجانب ، موفور الكرامة ، والخليفة أموي ، والقوم أمويون ! أجل ، كان يعوزه شئ أجل من هذه الأمور المادية ، كان يعوزه مراتع رتعت فيها أفكاره وعواطفه في صباه!
فلتنظر كيف كان يذكر هذه المرائع التي رتعت فيها خواطره في الماضي .
لما حن وهو في دمشق إلي القصر وإلى النخل وإلى الجماء ، كانت عاطفته فى هذا الحنين مجردة من كل تزويق ؛ فالمدينة أشهى إلي قلبه من أبواب جيرون في دمشق . وإذا أحببنا أن نستنبط لنا علة لهذه الشهوة وجدنا ان السبب فيها بعد دور المدينة عن الفحشاء والهوان !
عاطفة بدوية ، منزهة عن الفحشاء ، خالصة من الذل ، هذا شكل من شعر أبي قطيفة الوطني ، فلنلتمس لنا شكلا آخر من هذه الوطنية :
بكى أحد لما تحمل أهله
فكيف بذي وجد من القوم آلف
من أجل أبي بكر جلت عن بلادها
أمية ، والأيام ذات تصارف
وأبو بكر هذا إنما هو عبد الله بن الزبير ، فقد كان يكني بأبي بكر ؛ ففي هذا الشعر شكل غير الشكل الأول . لقد جعل أبو قطيفة في هذه الابيات حياة للطبيعة على نحو ما يفعله شعراء الافرنجة في فيض خواطرهم ، وصوب قرائحهم ، فقد شرك الطبيعة في عاطفته وشعوره وألمه ،
لقد استحكمت الألفة بين جبال المدينة وبين الذين أخرجوا منها ، فبكت هذه الجبال بعد جلائهم وحنت إليهم .
كان أبو قطيفة في دمشق مشغول الفكر ، لا يدري هل بقيت قصور وطنه على حالها أم تغيرت :
ليت شعري ، هل البلاط كمهدي
والمصلى إلى قصور العقيق
لقد كان في هذا الشعر الكريم يخرج من هذا النوع من الوطنية إلى نوع اخر من القومية ، فكما بكي على أرض آبائه وأجداده وحن إليها ، فكذلك بكى على قومه أنفسهم ، واشتاق إليهم :
وهل برحت بطحاء قبر محمد
أراهط غر من قريش تباكره
لهم منتهى حبي وصفو مودتى
ومحض الهوى مني وللناس سائره
* وقد ردد هذه النغمة في مقام آخر حيث قال :
أقطع الليل كله باكتئاب وزفير ، فما أكاد أنام
نحو قومي إذ فرقت بيننا الدا
ر وحادت عن قصدها الأحلام
خشية أن يصيبهم عنت الدهـ
ر وحرب يشيب منها الغلام
فما أرق هذه القومية ! لا يكاد أبو قطيفة يتملكه غمض الليل وهو في دمشق ، ولماذا هذا الأرق ؟ إنه يخشى ان يصيب قومه عنت الدهر ، وانه يخشى الحرب بينهم ، فهو كئيب البال الليل كله ، لقد كان قلبه مشتتا في الحنين إلي أرضه مرة ، وفي الحنين إلي قومه مرة ! كان مشغول الفكر بالحجاز ، يرمي بطرفه إلى السماء ، حتى إذا رأي السحاب متوجها نحو الحجاز ، هاج شوقه واشتد نزاعه :
إذا برقت نحو الحجاز سحابة
دعا الشوق مني برقها المتيامن
لم تقع عيني من شعر أبي قطيفة إلا على أبيات قلائل في الأغاني ، ولكن هذا القدر اليسير من الشعر يحتوي على أشياء كثيرة من الوطنية . وإذا كانت الوطنية على مصطلح عصرنا هذا ضربا من الحنو على بقاع الوطن ، وتقديس أرض الآباء والأجداد ، فأبو قطيقة قتله هذا الحنو وشغله هذا التقديس ؛ لقد جمع في شعره بين الوطنية والقومية ، فتغنى بأرض آبائه واجداده ، وبكي على عشيرته وإخوانه ، وما اشد الحالة التى كان فيها بعد أن أخرجوه من المدينة وقذفوا به إلى الشام :
أحن إلي تلك الوجوه صبابة
كأني أسير في السلاسل راهن
وهل من حالة أشد من حالة الأسر ، فكيف يكون ليل الأسير ونهاره إذا كان شاعرا رقيق القلب ، لطيف الحس ؟ ! والمؤلم في هذا كله أن أبا قطيفة بعد فرط هذا الحنين ، وبعد هذه الدموع التي سكبها على وطنه وعلي قومه ، أذن له ابن الزبير في الرجوع إلى المدينة لأنه عطف عليه لما بلغه شعره ، وقال : من لقيه فليخبره انه آمن ، فليرجع . فأخبر أبو قطيفة بذلك ، فانكفأ إلى المدينة راجعا ، ولكنه مات في الطريق قبل ان يتمتع من هذه الأرض التي أحبها ، ومن هؤلاء الإخوان الذين أحبهم .
إلا أن حبه لأرضه ولعشيرته لم يمت ، فقد بقي خالدا في هذه الابيات القليلة التى تناهت إلينا ، وهذا صداه بعد أن أتى عليه ثلاثة عشرة قرنا . فرحم الله شاعرنا الأموي ورحم الله وطنيته الكريمة.
( دمشق )

