الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 665الرجوع إلى "الثقافة"

أبو مروان فى الجزائر

Share

أخي أبا مروان تحية واحتراما

قرأت رسائلك القيمة في الثقافة عن المغرب كما قرأها كل متطلع إلى الإطلاع على ما يجري في هذا الجزء الهام من الوطن العربي الأكبر وأعجبت بعاطفتك الوطنية المتدفقة التي أملت عليك جانبا كبيرا من تصويرك لهذه البلاد التعسة المستعمرة إلى جانب ما أملاه عليك واقعها المؤلم في هذا التصوير

وأرد أن تسمح لي وأنا مغربي مثلك أن لا أتركك تفعل بك هذه العاطفة الوطنية ما تريد وأن امنعك من الاستسلام لها هذا الاستسلام المخيف الذي جعلك تنظر إلى بلادك لا أقول نظرة يأس وسواد بل نظرة قرينك ، موضوعيا ، من الخروج عن الواقع القائم فيها . وخطر هذه النظرة ليس في أن تتحلى بها أنت فحسب ، بل فيما تسبغه على هذه البلاد من جلباب الموت والاندثار ، وتعرضها فيه على أنظار إخواننا في الشرق العربي ، هذا العرض المهول الذي يدفعهم إلى اليأس منها والبكاء عليها والتحسر المر على " اندلس " ثانية أو ثالثة ، بعد فلسطين ، والحال أن ليس هناك من داع لكل هذا التهويل ، أو بالأحرى لم يعد اليوم من داع له . وأشهد أن لو جاءت رسائلك هذه قبل اليوم بنحو عشرين سنة لكانت أقرب إلى الواقع . أما أن تكتبها اليوم في عهد انتفض فيه المغرب من أقصاه إلى أدناه انتفاضته الصادقة التي غيرت من معالمه النفسية والسياسية والعقلية وجميع مظاهره القومية - فأمر عجب ..

وأزيدك توضيحا لما أريد أن أقول فلو كنت في رسائلك القيمة قد التزمت التصوير الشامل وصوبت عدستك للمنظر بكل أجزائه الرئيسية والتقطته بعنف وتثبت لكنت أقرب إلى النجاح وأميل إلى التوفيق إجمالا ولكن الخطر والخطأ معا في أنك قد أخذت بمناظر الخراب الفاجع الذي أحدثه الاستعمار في بلادك ، فانصرفت إليه بحرارة قلبك تلتقط منه ما دق وجل ، ذاهلا عن كل اثر من آثار

الترميم والإصلاح والنهوض التي أخذ يعمل لها شعبك ويحققها منذ سنوات طويلة شاقة مريرة

نعم إن الاستعمار وخاصة في بلادنا كان تعميرا للذين استعمرونا بقدر ما كان تخرييا لنا ولوطننا هذا أمر لا أتهمك فيه بشيء من المبالغة ، ولا يمكن لأي كان أن يحتاج فيه إلى مبالغة لأن واقعه قد تجاوز الخيال والمجاز ولكن هل صحيح أن الاستعمار وآثاره هو كل شئ يمكن أن يرى في هذه البلاد ؟ فأين هو رد الفعل المنتظر أو المفروض أن يحدثه في الشعب استعمار فاحش شنيع من هذا الطراز ؟ هذا هو السؤال الذي تشيره رسائلك في ذهن كل قارئ في شرقنا العربي ، ولكنك لا تجيبه عليه . وسكوتك عنه يوشك أن يعطيه ((صورة )) - لا وجود لها عن موت الشعب وخمود مقاومته في عصر ميزته الرئيسية هي مقاومة الشعوب لكل طغيان وكل استعمار مقاومة لا هوادة فيها ولا بأس ولا تشاؤم .

أخي أبا مروان دعني أحدثك بكل صراحة إنك لم تعرف بلادك وخليق بك والحالة هذه أن لا تكتب عنها ولو مذكرات لنفسك ولآخذ لك بعض الأمثلة على ذلك معفيك من التتبع التفصلي لكل نوادرك التي أضحكت الكثير من مواطنيك في هذه الرسائل

فقد جاء في رسالتك الرابعة عن الجزائر أنك حاولت أن تتكلم العربية مع الجزائرين فلم تستطع التفاهم فما يعرفونه من العربية مزيج من البربرية واللكنة الفرنسية وكيف تفهمهم وهم ينطقون بكلمتي محمد وعلى مثلا مهمت وألى

وقبل أن أسمح هذه الأضحوكة أود أن أقدم إلى القارئ ملاحظة يحتفظ بها لتنير له بقية الحديث فصحيح أن الجزائر العاصمة قد تركزت فيها أكبر جالية فرنسية بالنسبة لبقية مدن القطر وبالنسبة أيضا لبقية عواصم المغرب العربي . وكان من جراء ذلك أن اتخذت هذه الجالية قسما هاما من المدينة ، أقامت فيه البنايات الشامخة

والمحلات الفخمة والإدارات الرئيسية ، وأصبحت تعتبر هذا القسم من المدينة الذي احتلته احتلالا - مدينة بذاتها مستقلة استقلالا تاما كما لو كانت في أوربا . وبقي الجزء الآخر من المدينة جزءا أهليا خالصا ، حيث يعيش المواطنون الجزائريون على طريقتهم الوطنية الشرقية الشائعة في جميع أنحاء العالم العربي ، والشرقي بصفة عامة ، حيث تنقسم المدينة هذا الانقسام البشع من جراء التقاء شعبين فيها ، لكل منهما عاداته وأسلوبه في الحياة ومستواه من الرقي . وهكذا يكون في كل مدينة أو عاصمة من عواصم الشرق الذي استعمره الغرب - بما في ذلك المغرب - حي أهلي وحي أوربي ، أو حي جديد وحي قديم . .

ومن الطبيعي أن تنشأ - والكلام على الجزائر - علاقة ما بين الجزءين. وان تتم هذه العلاقة لا عن طريق اللاسلكى بل عن طريق الأفراد . أفراد من كلا الجزءين المتقابلين كثيرا ما يشكلون هم أيضا صنفا ثالثا يتأرجح بين الجزءين الرئيسيين لا هو شرقي جزائري ولا غربي فرنسي ، بل مزيج من الاثنين . ومن الطبيعي أن يتغلب القسم الأقوى من هذا الصنف على القسم الأضعف - وهو في حاجة إليه - في عاداته ولغته وتصرفاته . أما الجزآن الرئيسيان فيبقيان قائمين كل على ساقه يتنفس الحياه يقدر ما يهيئه له عناصرها عواملها . وهذا هو هيكل الجزائر التي استعمرها الفرنسيون - منذ ١٢١ سنة - وليسمح لي أبو مروان مرة أخرى - فلا أقول " استسلمت " منذ هذا التاريخ بل حاربت منه ١٧ سنة حربا مريرة - لا مجرد ثورة - ثم وقع الاستسلام فيما بعد .

ويظهر أن هذا الصنف النص الذي لا يكاد يبلغ في مجموع الشعب الحزائري نصف واحد في الألف هو الذي شاءت الأقدار أن تضعه في طريق أبي مروان ليأخذ منه نظرة شاملة عامة للشعب الجزائري برمته أذكر بهذه المناسبة اني التقيت مرة - وكان ذلك في سنة ١٩٤٨ - في إحدي إدارات الجامعة المصرية بالقاهرة بشاب نال شهادة الباكالوريا وأخذ يتهيأ للالتحاق بالجامعة كما علمت من حديثه . ولما عرف أني مغربي ألقي على هذا السؤال والمغرب ده هو بتاع الملك  عبد الله موش كده وأخذت أفهمه بأن المغرب ليس فيه ملك عبد الله وإنما هو أى عبدالله في قطر آخر اسمه شرقي الأردن . . وأذكر أننا كما نتمشى

وقد خرجنا من الإدارة في ضواحي احدى حدائق الجامعة عندما استوقفته ورسمت له في الأرض كيف أن المغرب يقع غربي مصر ويتكون من اقطار كذا وكيت  وأن شرقي الأردن يقع شرق مصر وفيه الملك عبد الله

وبالرغم من أني أعتقد أن هذا الشاب ليس هو الوحيد من بين شبابنا العرب الباكاوريين الذي يجهل جغرافية بلاده العربية الكبرى ولكننى مع ذلك لم يخطر ببالي حتى الآن أن أذهب إلى أن المصريين أو العرب قد فقدوا  قوميتهم الجغرافية إن صح التعبير وأنهم لم يعودوا يعرفون شيئا عن أوطانهم كما ذهب إلى ذلك بكل سهولة أخي أبو مروان ، من أن الجزائرين قد فقدوا لغتهم لمجرد سماعه بعض العمال البؤساء لا يتكلمون العربية كما يجب هو ويشتهي . ولا أقول لا يحسنون النطق بعلى ومحمد فذلك مدى من المبالغة قد وصله الكاتب يثير للدهشة حقا .

ويقول الأخ أبو مروان إنه سافر إلى إحدى القرى الجزائرية في الجنوب حيث كان يأمل أن يجد نفسه في صميم الشعب الجزائري ، وقال إنه وجد المرافق الاقتصادية الراقية كلها في يد الأجانب ، وكنت أود أن لو تذكر في هذه القرية ما إذا كانت هي أيضا لا يعرف سكانها أن ينطقوا بكلمة محمد أو على أم هي عربية صميمة وكل ما ينقصها إنما هو الناحية الاقتصادية فقط ، وانها ما تزال هي التي تمثل الشعب الجزائري في عروبته وسلامة نطقه وقوة تدينه .

إن مثل هذا المجال الواسع من الإبهام وعدم التحديد الذي تفسحه في كتاباتا التى ترسلها على علانها هو الخطر بعينه فلا نعرف أين يبتدئ الجمال وأين يقف ولا اين تقوم معالم القبح أو تختفي

ومن قبيل هذا الخلط أيضا ما يعبر عنه الكاتب باللغة القومية وهو يعني دون شك اللغة الرسمية فيقول  فالبلاد بصيرورتها فرنسية رسميا أصبحت فيها اللغة الفرنسية هي اللغة القومية " . وفرق كبير كما هو ظاهر بين اللغة الرسمية واللغة القومية ، إذ القومية هي التي يتكلمها القوم أي السكان أو الشعب . والرسمية هي لغة الدولة وإداراتها . ويمكن أن يتحقق الأمران معا كما هو الحال في الأمة المصرية أو الفرنسية ، ويجوز أيضا أن تكون الرسمية لغة والقومية أخرى في أمة واحدة كما هو الأمر بالنسبة إلى الجزائر . وبالنسبة أيضا إلى تونس ومراكش إلى حد ما ، وبالنسبة إلى الهند والباكستان . فالغة الرسمية في الجزائر هي اللغة الفرنسية

حقا . ولكنها يا عزيزي أبا مروان ليست هي اللغة القومية كلا إذ لو كان الحال كذلك في الجزائر لغتها القومية هي الفرنسية وسكانها لا يمكن التفاهم مهم العربية ولا يحسنون النطق بمحمد وعلى كيف كان يمكن مثلا ومثلا واحدا - للأستاذ يوسف وهبي بك أن يقيم فيها بفرقته التمثيلية أسابيع وأسابيع وهو يمثل رواياته العربية في المجتمع الجزائري الذي أقبل عليه إقبالا لا يقل عما وجده في المجتمع التونسي والمصري ، وكيف امكن أن يكون له أصدقاء أفاضل يعتز بهم ويعتزون به ؟ .

وهناك نقطة هامة أخرى لا يجوز الخلط فيها إطلاقا وهي هذه فليس لها أى البلاد أعياد قومية عيد استقلال أو عيد دستور أو عيد ملك وإنما تحتفل بيوم ١٤ يوليو عيد الثورة الفرنسية

فأي بلاد تعنى هل تعنى الشعب الجزائري أم الإدارة الفرنسية التي تحكمه إن الإدارة لا محالة تحتفل بهذا العيد وبغيره من الأعياد القومية وحتى الدينية لا في الجزائر وحدها بل في جميع أنحاء شمال إفريقيا وأما أن الشعب يشاركها في هذه الأعياد سواء في الجزائر أو في غيرها من مناطق الغرب العربي فأمر لم أشهده بعد

فما عسى أن يفهم الفارئ المصري والعربي من كلمة  بلاد غير الشعب والحكومة معا ، وهو معذور عندما يقرأ جملة كهذه ويضرب يدا على اخرى ثم يقول واحسرتاه هذه أندلس أخرى ، وكان في إمكان الأخ الكاتب أن يقتصر على تصوير الواقع كما هو فقط وأن لا يتجاوز القول مثلا - بأن الإدارة الفرنسية لا تتحرج إطلاقا في الاحتفال بأعيادها القومية في هذه البلاد كما لو كانت في بلادها الخاصة ، ويشاركها في ذلك أولئك الجنود البؤساء الذين تجلهم للاستعراض كما يحضر موائدها المتخمة أذنابها من الأهالي . أما الشعب فليس له أعياد قومية ولكنه ايضا لا يعرف شيئا عن الأعياد القومية الفرنسية فضلا عن المشاركة فيها .

.ونقطة أخيرة لا أجيز لنفسي أن أتناساها ، هي حديثك عما نشأ من أجيال لا تعرف من الإسلام إلا اسمه وتعترف بإسلامها بصورة تقليدية لا تحمل معها معنى واضحا أو شعورا قويا فإن كان الكاتب يقصد الإسلام كدين بجميع

عناصره الفقهية والروحية والفكرية فأعتقد أن الأجيال الجزائرية الحديثة ليست هي وحدها التى ضعف فيها الشعور الديني من بين شباب العرب والمسلمين أو من شباب العالم أجمعه بل إن هذه الأجيال في الجزائر لم تفعل أكثر من أن اشتركت مع مثيلاتها من أجيال العالم في هذه الميزة المؤسسفة

وأما أن يقصد بالإسلام تلك المجموعة المتشابكة من العرف الديني والتقاليد القومية والعواطف الوطنية التي تتداخل جميعها في أقطار الغرب العربي وتجند كلها لتكتيل قوى الامة ضد عدوها المستعمر ويقول عنها إنها ضعيفة في الجزائر فغير صحيح

فلعل الأخ أبا مروان لا ينسى مثلا ومثلا واحدا أيضا أن الجزائر دفعت ٤٥ ألفا من أبنائها في حوادث ماي ١٩٤٥ سقطوا بالرصاص وأصبحت بذلك على وشك الدخول في معركة تنتحر فيها انتحارا لم تضح بهم إلا في سبيل قضية دينية وقومية ووطنية جميعا هي قضية العلم الجزائري الذي لم تجرؤ على التنازل عنه في مظاهراتها أو تموت دونه وحوادث باريس الأخيرة هي أيضا في سبيل هذا العلم وقد قام بها العمال الجزائريون القاطنون في باريس وهم لا يعرفون العربية حقا ولكنهم كتلة من الشعور الديني والقومي العنيف لا الضعيف

أخي أبا مروان لا تسئ فهمى إني لا أنهمك بتفسير الإغراق في العاطفة الوطنية الذي دعاك إلى الإساءة إلى بلادك من حيث أردت الفع لها وفي تعريفنا لإخواننا الشرقيين بقضية بلادنا وحالة هذه البلاد يجب أن نكون معهم - وهم جزء منا ونحن جزء منهم - صرحاء وواقعين وموضوعين أيضا ، فلا يكفي أن تندفع في الإغراق والتهويل قصد إثارة شفقتهم علينا وتحسرهم لما أصابنا من فواجع وآلام ، ولا يكفي أن نبثهم شكوانا المحزنة من الاستعمار وآثاره التي تتقهقر يوميا إلى الوراء في بلادنا ، بل يحسن إلى جانب ذلك أن نعطيهم أيضا صورة دقيقة سليمة عن كفاح شعبا لهذا الاستعمار وانتفاضه المستمر ليزيل عن حياته النابضة وإمكانياته المكبوتة آثار القبر والكفن والتعفن . واجبنا فيما نكتب أن نعرف إخواننا الشرقيين لا بحالتنا السوداء فقط ، بل وبأننا أيضا قد أصبحنا لهم قوة في هذا الجناح الحساس من أفريقيا قد انبعثت إلى

الحياة من جديد ووضعت رجليها في طريق النهضة مع سائر الشعوب الناشئة التي تسير نحو مستقبل ملئ بالعظمة حاقل بالسؤدد والخير ولن تستطيع أية قوة أن تقف في طريق هذه الشعوب بما فيها شعبنا المناضل نحو غايتها المحتومة لأنها تسير بإرادة قانون التطور التاريخي

وصدقني أخيرا يا أخي أبا مروان أن الجزائر لم يعد عليها من خوف بعد ما سارت مع الركب وأنها حريصة على أن لا تتخلف عنه وإن رابك منها شحوب في أديم قوميتها البادي فامكث فيها شهرين أو ثلاثة واتصل بأوساطها الوطنية ليدلوك على مكامن حياتها وانبعاثها ، فستعلم عندئذ أن العظم الذي يخطيه ذلك الأديم المشوه الوسخ هو عظم على منتهى ما تتصوره من قوة البنيان وحرارة الحياة وسلامة الاتجاه والسلام عليك.

اشترك في نشرتنا البريدية