لما أصدرت لحنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية كتاب " بشار بن برد " في مجموعة كتبها الحديثة ، التي اختارت لها اسم " أعلام الإسلام " وهو تأليف حضرة الأديب الناقد الكبير الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني ،
كتبت كلمة تقريظ له في المقطم يوم 15 مايو الماضي ، قلت فيها : " ولنا أن نسأل كيف يصح أن يوضع بشار في مجموعة أعلام الإسلام ، مع أن المؤلف شك في سلامة إسلامه . ؟ " ورأينا كثيرين من الأدباء يشاركوننا في هذا التساؤل .
ولكن اللجنة أخرجت كتابها الجديد " أبو نواس " ووضعته في المجموعة ، مع ما هو مشهور عنه من فسوق ؛ غير أن مؤلفه الاستاذ عبد الرحمن صدقي بين في مقدمة كتابه " أن المجموعة ليست وفقا على الهداة المصلحين ، والفقهاء المجتهدين ، والأبطال المحاربين عن حوزة الدين ؛
فالجموعة فيما أرادته اللجنة أوسع من ذلك مجالا وأرحب أفقا ؛ فهي تشتمل على هؤلاء وعلى غيرهم ممن تفيد الترجمة لحياتهم في تمثيل وجه من وجوه الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي في يداوته وحضارته ، وفي جده ولهوه ، وفي إيمانه وفلسفته ، حتى يخلص من ذلك كله صورة كاملة صادقة لما كانت عليه تلك العهود ، وما دخل عليها من آثار ، وما اختلف عليها من أطوار ، فيتمثلها المطالع العصري على جليتها وحقيقتها ، ويتعرف موجبات تقدمها ورقيها ، ودواعي تدهورها وسقوطها " . وبذلك يكون الأستاذ صدقي قد جلى للقراء صورة صادقة المنهج الذي توخته اللجنة في مجموعتها . ولقد فهمنا علاوة على ذلك أن هذه المجموعة كانت وزارة المعارف عازمة على إصدارها على هذا الشكل وبهذا الأسلوب ، ولكنها عدات عن نشر المجموعة ، فجاءت اللجنة وتولت إصدار المجموعة على ما كانت مهيأة عليه من قبل .
ويريد أن نقول إن الأستاذ عبد الرحمن صدقي مجري في تأليف كتابه أن يجلي للقراء صورة فاضلة لأبي نواس ،
فأظهرنا على عزة نفس يندر وجودها عند الادباء والشعراء المرتزقين ، فقال : " ولم يكن النواسي مع اعتماده في طلب العيش على الكبراء وأرباب الدولة بالذي يتحاقر ويتهضم نفسه لهم ، ويستشعر الضمة والصغار في ناحيتهم ؛ فقد كان يمنعه من ذلك شعوره القوي بما للفن الذي يعالجه من شأن وقيمة ، ومغالاته بما يجب للفنان من قدر وحرمة ... فجعل يمر بأبي نواس الفواد والكتاب وبنو هاشم فيسلمون عليه وهو متكيء ممدود الرجل لا يتحرك لأحد منهم ، وإذا جلساؤه ينظرون إليه قبض رجليه ، ووثب وقام إلى شيخ قد أقبل على حمار له ، وكان الشيخ أبا العتاهية الشاعر فاعتنق أبا نواس يحادثه "
فهذا موقف يعز ظهور مثله عند المرتزقة ، فهو يعظم نفسه عند العظماء ، والسادة ، ويحترم زميلا له ويتواضع له !! بل إن له موقفاً أرفع من هذا مرتبة ؛ فقد حج الخليفة هارون الرشيد وحج معه وزيره الفضل بن الربيع وأبو نواس ومحمد بن مناذر ، وذلك بعد ما نكل الخليفة بالبرامكة ، وكان ابن مناذر مسرقا في مدح البرامكة في عهودهم ، وقد أعد الشاعر قصيدة في مدح الخليفة وحاول أن ينشدها بين يديه يوم التروية (٨ من ذي الحجة) ، ولكن وزير الخليفة أفسد عليه الأمر ، وقال للخليفة : هذا مادح البرامكة ! فتنكر وعيسى وأمر بضربه ، فضرب ضربا مبرحا حتى أظلمت الدنيا في وجهه ، وأخرج من حضرة الخليفة وهو لا يعى شيئا ؛ فما كان من أبي نواس إلا أن دفع إليه صرة فيها كثر من مائة دينار وقال له : خذ هذه وتبلع بما فيها .
مع أنه سبق له أن حكم بالسبق للحسين بن الضحاك عليه ! فهذه روح عالية حقاً وصدقاً تتجلي في الكتاب ، وتشع نوراً في سيرة أبي نواس الشاعر المشهور بمجونه وتهتكه . ولقد أبدع الأستاذ صدقي في تصوير عصر ابى نواس
وحياة الفن في ذلك العصر ، وتأثير البرامكة في العصر ، ونفي ما أشيع من نوادر وحكايات مع هارون الرشيد ، وأثبت لهارون الرشيد تدينه وكثرة صلاته وحجه ، واثبت لأبي نواس إيمانه وتصديقه في قلبه (ص 184) وأفاض القول في تحزب أبي نواس للفرس وتهكمه بالشعر العربي حتى المعلقات (ص ١١٧) ؛ وأحسن جدا في تعليل ما تسلط على أبي نواس من روح الخلاعة التي لازمته حتى الكهولة وحي الممات ، وتمني لو أن حبيبة الشاعر جنان رضيت به زوجا لها ، وقدر انها كانت قمينة أن تصلح نفسه وترتقي به لأنها استطاعت أن تخلق منه عذريا ، وأن يحج وينشد في
حجته تلك القصيدة الى ناجي بها الله عز وجل مناجاة طيبة ، ومطلعها .
الهنا ما أحكمك مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك (س ٨٧- ٩٣)
وامتاز هذا المؤلف بديباجة قوية وأسلوب متين ، وبحث دل على علوم منزلة المؤلف في علم النفس والرجوع إلي حقائق التاريخ ؛ فوق توفيقاً عظيما في بحثه وتحقيقه ، وخلق من ابى نواس شخصية ممتازة في دعابته وجده وسيرته . فجاء
كتابه تحفة أدبية تاريخية محببة .

