الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

أثر ابن الهيثم فى علم الضوء :

Share

بقى الأمر الثالث ، وهو أثر ابن الهيتم الذي طبعه على علم الضوء من بعده :

لاشك أن لابن الهيثم كشوفا فى علم الضوء لم يسبقه إليها أحد . ولاشك أن له بحوثا قد تناولها قبله المتقدمون ، ولكن قدر له هو أن يكون قوله فيها القول الفصل .

ولا شك لدي أن كثيرا من موضوعات علم الضوء ، مما ينسب كشفه أو البحث عنه إلي علماء من أهل أوربا ، فيما بين عصر ابن الهيتم وعصر النهضة ، قد علم به ابن الهيثم ، وتناول دراسته وشرحه من قبل .

فإن قيل إن " لينارد دوفنشي"Leonardo da)  (vinel قد وضع الأسس التي يتبني عليها علم المنظور . أو قيل إن " موروليكوس " (Maurolycus) أول من شرح المسألة التى عرفت بمسألة أرسطو وحيرت الأفكار ، وهي تتلخص فى أن أشعة الشمس التي تنفذ من ثقب ضيق ، وتقع على حاجز أبيض في غرفة مظلمة ، تكون على سطح الحاجز صورة مستديرة ، أيا كان شكل الثقب الضيق ، فسواء كان شكله مثلثا أو مربعا أو أي شكل آخر ذي زوايا ، فإن صورة الضوء على الحاجز تكون أبدا مستديرة . أو إذا قيل إن " كرتشر "(Kircher) أو أحدا غيره من المتأخرين عن ابن الهيثم أول من بين الأظلال وأشباه الأظلال على حسب ما هو معروف في الوقت الحاضر . أو قيل إن " دلا بورتا " (Mella Porta) أول من ذكر كيفية الحصول على صور المبصرات بوساطة ثقب ضيق . . . إن قيل اليوم هذا فقد حان في نظرى أوان تغيير الأوضاع التاريخية لهذه الأمور . ومسألة ابن الهيتم التي عرفت عند أهل أوربا بمسألة " الهازن " والتى يتلخص موضوعها في أنه إذا فرض سطح عاكس ، وفرض أمامه نقطتان ، فكيف تعين النقطة على السطح العاكس التى إذا وصلت بالنقطتين كان المستقيمان الواصلان أحدهما بمنزلة الشعاع الساقط ، والآخر

بمنزلة الشعاع المنعكس . هذه المسألة سهلة بسيطة إذا كان السطح العاكس مستويا ، بل هي سهلة بسيطة ايضا فى بعض الأحوال الخاصة في حالات السطوح الكرية والاسطوانية والمخروطية . ولكن تزول منها هذه السهولة ، وتصير مسألة هندسية عويصة ، إذا فرضت النقطتان حيثما اتفق من سطح الكرية أو الاسطوانية أو المخروطية المحدبة أو المقعرة . هذه المسألة كان ابن الهيثم أول من استطاع أن يضع لها حلولا هندسية مدعمة بالبراهين . يكفيني أن أقول إليه قد تبين لي أن مواضع منها لم تفهم على حقيقتها ، وأن مواضع منها قد اعترض عليها بشكوك هي في نظرى لا مسوغ لها . ويكفينى أن أقول إنها شغلت عقول كثير من علماء الرياضيات بعد عصر النهضة مثل " هويجنز"(Haygens) بل كان " باروز " (Burrows) أستاذ الرياضة الذي تتلمذ عليه نيوتن في كبردج يذكرها في محاضراته ، وإن هو قد تجاوز حدود الاعتدال في نقد " الهازن " لتعقد براهينه الهندسية كما قال ، فليس هذا في نظري بضائره .

ولابن الهيثم غير هذا بحوث اخري كثيرة في علم الضوء . وهذه البحوث جميعا أ كثر من أن تكفي لتجعل له مقاما ممتازا في مقدمة علماء الطبيعة في جميع عصور التاريخ . وله ايضا آراء في الضوء ضمتها اقواله ، سبق إليها الأجيال والقرون . يكفيني اليوم أن أعلن منها امرا واحدا أجمع العلماء الأوربيون حتى القرن السابع عشر علي نفيه وإبطائه . ولم يسم إلي تصوره حتي " كيلر " وحتي " ديكارت " ، ذلك أن للضوء سرعة محدودة . اي انه ينتقل في زمان . بل وإن سرعته في الوسط المشف الألطف أعظم من سرع عنه في الوسط المشف الأغلظ ، وهو الصحيح ، وهو النقبض مما تؤدي إليه النظرية الى وضعها نيوتن في الانعطاف . لا أقصد طبعا ان ابن الهيتم بني رأيه في سرعة الضوء على نتيجة الاعتبار ، وما كان له أن يثبت " بالاعتبار " هذا الأمر ، فقد فشل في ذلك

" غاليليو " وقد ولد بعد وفاة ابن الهيثم بخمسة قرون وربع قرن .  ولكنه أمر قرره صراحة، وأثبته في كثير من أقواله . وهو رأي يؤدي إليه الأنموذج الميكانيكي الذي صور به حدوث الانعكاس ؛ وهو رأي يتفق واتجاهه في بيان لمية الانعطاف على أساس فكرة هي في ذاتها فكرة جليلة جديرة بالتقدير ، وهي ان الضوء عند الانعطاف من مشف في آخر ، يختلف عنه في الشفيف ، يسلك السبيل الذي عليه الحركة " أسهل وأقوي " تلك عبارته .

لا يصح لي أن أتقاضي في هذا الصدد عن أن أذ كر أن ابن الهيثم أراد ان يثبت بالبرهان أن الضوء ينتقل في زمان . وأراد أن يكون برهانه برهان الخلف . ففرض ثقبا يصل منه الضوء إلي جسم مقابل للثقب . وفرض وفقا لعبارته الواردة بلفظه " أن يكون الضوء يحصل في جميع الهواء المتوسط بين الثقب وبين الجسم المقابل للثقب دفعة واحدة . ويكون جميع الهواء يقبل الضوء دفعة لا جزءا منه ( أي من الهواء ) بعد جزء " . وحاول تطبيق برهان الخلف ، لكي يثبت ان هذا الفرض يؤدي إلي خلف ، وإذا فهو محال . ولكن النوي عليه القصد .

ولا يصح لي أيضا أن أتقاضي عن أن أذ كر أن فكرة "سبيل أسهل الحركات" في الأنعطاف لم ترد بالوضوح الذي أوردها به من بعده " فرمات " في قاعدتة التى تعرف بقاعدة أقصر الأوقات .  ولكن الذي يعنيني أن ابن الهيثم حتى في مثل هذه الأمور التي لم تكن حالة العلم في عصره لتسمح بالبحث عن حقيقتها البحث المستوفي ، أتجه تفكيره نحو الاتجاه الصحيح ، وإن شئنا قلنا ألهم فيها بعض جوانب الحقيقة .

هذا الذي ذكرته هو في نظري كاف لأن يثبت لابن الهيثم شأنا ممتازا كعالم له في علم الضوء خلق جديد وإضافات لم يسبقه إليها أحد . ولكني أريد أن أبين من ابن الهيثم جانبا آخر يمتد أثره في نظري حتى يشمل علم الضوء كله . وهو في ذلك شبيه بأثر نيوتن الذي امتد

فشمل علم الميكانيكا كله .       كلنا يعلم أن المعلومات في علم الميكانيكا كانت قبل نيونن مفككة مبعثرة يشوبها غموض ؛ ومعاني كثير من الأمور الاساسية في هذا العلم لم تكن قد نضجت بعد في الاذهان ، فجاء نيوتن وأدرك حقائق الأمور ، وأضاف من عنده إلي ما كان معروفا ما أضاف ، وربط ذلك كله بعضه بعض ، حتى آلت على يديه صيرورتها جميعا إلي وحدة شاملة كانت الأساس الذي قام عليه هذا العلم .

كذلك كانت المعلومات في علم الضوء قبل ابن الهيتم لا رابط يربطها ولا نظام ينظمها ، بل من المبادئ الأولية في علم الضوء ما لم تكن فكرتها قد تكونت بعد في الأذهان ، حتى الفكرة الأولية البسيطة أن للضوء وجودا في ذاته ، وأنه هو المؤثر الذي يحدث الإحساس البصري ؛ هذه الفكرة التي تعد الآن من أوليات هذا العلم أو بيديهيانه ، لم تكن معتمدا عليها ولم يكن مسلما بصحتها . وإن قيل إن بعض بحوث ابن الهيتم قد سبقه إليها بعض المتقدمين ، سبقه أوفليدس مثلا إلي أحد شطري قانون الانعكاس ، وسبقه إلي تقدير عظم المبصر بالزاوية التي يبصر منها ، وسبقه بطليموس إلي دراسة الانعطاف ، وسبقه آخرون إلي بيان كيفية الإحراق في المرايا المحرقة وما إلي ذلك ، فإن نيوتن أيضا قد سبقه "غاليليو" إلي قانون القصور الذاتي الذي تشيع الآن نسبته إلي نيوتن ، وسبقه " هويجنز " و " ستيفنوس " وغيرهما إلي كثير من الفكر الأساسية التي يقوم عليها علم الميكانيكا . وفوق هذا فإن الذين سبقوا ابن الهيتم إلي شئ من بحوثه لم يتخذوا في بحوثهم الاتجاه الصحيح ، وصاغوها في غالب هو في نظري منكوس غير مستقيم . فأوفليدس وبطليموس وأصحاب التعاليم جميعا كانوا متفقين في أن الإبصار هو بخروج شعاع من البصر إلي المبصر ، كأن العين يمتد منها شيء حتى يلمس المبصر . ومتى يلمس هذا الشئ الممتد من العين المبصر وقع الإحساس . فهذا الشعاع الخارج من

البصر هو في زعمهم ، نظير ما يسميه علماء الأحياء في الحشرات " قرون الاستشعار " ؛ والذي يدعو إلي الدهشة أن هذه الفكرة التي تمر بها اليوم مر الكرام ، التي أثرها يتردد في الأذهان أجيالا بعد ابن الهيثم . فإنه لصداها الذي يدوى في فكر " ديكارت " إذ يشبه الانسان وهو يبصر المبصرات بعينية الاثنتين بالكفيف الذي يتحس المحسوسات من حوله ، بعصوين يمسكهما في يديه . فالذي يتمكس أو يتمطف عند أوقليدس أو عند بطليموس أو عند غيرهما من أصحاب التعاليم ، ليس هو الضوء بالمعنى الذي تفهمه ، بل هو " قرون الاستشعار "

الخارجة من العين في زعمهم ، ويسمونه " الشعاع " في اصطلاحهم . وإذا خرج هذا الشعاع من العين ووقع على سطح مرآة ثم انعكس ولمس بعد انعكاسه مبصرا أبصرته العين بالانعكاس . وإذا هو خرج من العين ونفذ في الهواء ولقي مشفا غير الهواء وانعطف فيه ، ثم لمس بعد الانعطاف مبصرا أبصرته العين بالانعطاف . هذه هي فكرتهم جميعا . أليس إذا من الأصول والمبادئ الأولية في علم الضوء ما لم يدركه هؤلاء على حقيقته ؟

ولما جاء ابن الهيثم أعاد من جديد البحث عن كل ذلك ، واتخذ وجهة جديدة لم يتخذها المتقدمون . وكان موقفه موقف من يتساءل : هل الأضواء جميعا سواء منها الشرق من الأجسام المضيئة بذاتها أو الشرق من الأجسام المستضيئة بغيرها ، تمتد فى الجسم المشف الواحد على السموت المستقيمة ؟ وإن كان الأمر كذلك ، فهل من سبيل إلي القول بأن الابصار يكون بورود الضوء المشرق من المبصر إلى البصر ؟ وإن قيل هذا ، فان الضوء الوارد من المبصر إلي البصر يرد من كل نقطة من المبصر إلي جميع سطح البصر ، فكيف يتسني للبصر أن يدرك المبصر بأجزائه المختلفة والوانه ونقوشه ويخطيطاته ، كما هو عليه في الواقع دون ان يختلط كل ذلك بعضه ببعض ؟ وكيف يتسني إدراك المبصرات المختلفة معا دون أن تختلط صورها

أوتشتبه ؟ وإذا كان الإحساس يحدث في داخل البصر بورود الضوء من المبصر ، فكيف يدرك البصر المبصر في مكانه خارج البصر ؟ بل كيف يتسنى أن يدرك بعدد وعظمه وشكله وتجسمه وما إلي ذلك ؟ وكيف يعرض ما يعرض أحيانا من الغلط في إدراك هذه الأمور ؟ وكيف يتسني أن يدرك المبصر واحدا بالنظر إليه بالعينين الاثنتين ؟

وأيضا هل الأضواء جميعا تنعكس على صفة واحدة ؟ وإن كان الأمر كذلك فماهى هذه الصفة العامة التي تنعكس عليها الأضواء جميعا ؟ وبعد هل من سبيل إلي القول بأن إدراك المبصر بالانعكاس هو بورود الضوء المشرق منه إلى العين بعد انعكاسه ؟ وإن كان الأمر كذلك فأمن يكون موضع الخيال الذي يري وما هي صفاته ؟ وأيضا هل الاضواء جميعا تنعطف على صفة واحدة وما هي هذه الصفة ؟ وبعد هل من سبيل إلى القول بأن إدراك المبصر بالانعطاف هو بورود الضوء المشرق منه إلى العين بعد انعطافه ؟ وإن كان الأمر كذلك ، فأين يكون موضع الخيال وما هي صفاته ؟

تلك هي رؤوس الموضوعات التي تدور حولها البحوث الأساسية التي تناولها ابن الهيثم ، وهذا هو اتجاه التفكير وسياق المنطق في كتابه في المناظر . ليكن ابن الهيثم قد استفاد من بحوث من تقدموه ، ولكنه أعاد بحوث من تقدموه من جديد ، ونظر فيها نظرا جديدا لم يسبقه إليه أحد ، ووضع لهذه الأسئلة التي أجملناها إجمالا حلولا واضحة ، مطابقة للواقع المعلوم في زمانه ، وجاءت حلوله متناسقة منسجمة ينظمها نظام طبيعي سليم ، فتألف من كل ذلك وحدة ، وضعت فيها الأمور في أوضاعها الصحيحة ، وصارت النواة التي تكشف ومما حولها علم الضوء

ويأتي على العلم حين من الدهر ، يكون أحوج ما يكون إلي " رائد " يلم بنواحيه وجزئياته تفصيلا ، وبدرك إدراكا صحيحا مواضع الضعف فيه وتغرات النقص فى حدوده ومباديه ، فيشرف عليه من على ، ويصلح العيب ،                      (البقية على الصفحة التالية)

ويتم النقص ، ويثبت الصحيح ، ويحذف الباطل ، ويؤلف الوحدة التى تجمع بين الأشتات ، وتزول معها الشبهات . فيكون الخلق لعلم بعد أن لم يكن ، أو النشأة الجديدة غير النشأة الأولى لعلم موجود . وقد كان نيوتن " رائد " علم الميكانيكا في القرن السابع عشر ، وكان ابن الهيثم في نظري " رائد " علم الضوء في أوائل القرن الحادي عشر .       وما أحوج علم الطبيعة الحديث إلي " رائد " من هذا الطراز .    (تم البحث)

اشترك في نشرتنا البريدية