إن للابل أثرا بليغا فى حياة العرب العقلية ؛ فقد كانت منبعا فياضا للفهم ، ومعينا لا ينضب لخيالهم ، ومصدرا خصبا لأمثالهم ، وبحرا زاخرا فى شعرهم ، وثروة واسعة لأساطيرهم ومعتقداتهم .
وليس هذا بعجيب من حيوان عليه عماد حياتهم ، وألصق إليهم من ظلهم ، وهو المثل الأعلى لثروتهم ، والصديق الدائم فى حلهم وترحالهم ، والحيوان الشعبى لفقيرهم وغنيهم .
فالابل لم يكن سلطانها قصرا على حياتهم العقلية بل تعداها إلى حياتهم الخلقية والنفسية .
ذكر الجاحظ فى كتابه " البيان والتبيين " عند تعداده لمطاعن الشعوبية على العرب قولهم - وهو لم يفند هذا الطعن كعادته :
" ولطول اعتيادكم لمخاطبة الابل ، جفا كلامكم ، وغلظت مخارج أصواتكم ، حتى كأنكم إنما تخاطبون الصمان إذا كلمتم الجلساء " .
وهذا قول فيه شبه كبير من الحق ، فانا نشاهد فى عصرنا طبقة ممن يسكنون بعض الأحياء الوطنية البلدية ، وتضطرهم حياتهم إلى معاشرة الخيل والبغال والحمير , ويلجئهم أسلوب حديثهم وطبيعة أعمالهم إلى الصخب والعويل ، والشجار الدائم والسباب المتواصل ، فيرفعون الأصوات إلى أعلى طبقاتها ، ويفتحون الحناجر إلى أسمى درجاتها - نشاهدهم وقد تكيفت أصواتهم بكيفية خاصة ! واستقرت حلوقهم على نغمات معروفة امتازوا بها . فإذا سمعتهم يتحدثون أو يتجادلون كانت أصواتهم أشبه شئ بشجيج البغل ، أو شخير الخيل ، أو نشيج
الحمار . وذلك لعدم عهدهم بزجرها ، وطول ألفتهم لمناغاتها ومسامرتها .
أما مظاهر الحياة العقلية التى سنتحدث عنها فهى : اللغة ، والشعر ، والأمثال ، والأساطير ، والمعتقدات ، والعادات ؛ فان للابل لونا فى كل هذه المظاهر ، ودورا لعبته فى كل هذه المناحى .
فى كل لغة تتمثل البيئة التى عاشت فيها ، وتتصور المشاهد التى شاهدها أهلوها . فاللغة تكون جافة الألفاظ خشنة الأصوات غليظة الجرس إذا نشأت فى بيئة جافة خشنة غليظة ؛ وتكون رقيقة الجرس حلوة النغم عذبة الصدى إذا درجت فى بيئة رقيقة حلوة عذبة .
دخل حاجب بن زرارة التميمى فيمن وفد على كسرى من خطباء العرب ، فلما أتم خطبته ، وكانت صخرية الألفاظ عنجهية الكلمات ، قال له كسرى : " يا حاجب ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها ! " قال حاجب : " بل زئير الأسد بصولتها " . قال كسرى : " وذلك " .
واللغة إنما سبيل وجودها الوضع - وهو تخصيص اللفظ بالمعنى ابتداء بحيث يدل عليه من غير قرينة - ثم قد تنحرف دلالة اللفظ عن المعنى الأصلى ، فينتقل اللفظ من معناه إلى معنى آخر بينه وبين المعنى الأصلى مناسبة ، تبعا لقانون التوسع فى الاستعمال . وأكثر ما يقع ذلك بنقل اللفظ الدال على معنى حسى إلى معنى عقلى ؛ ويسمى علماء البيان هذا التوسع فى المعنى أو التأول فيه بالتجوز ، ويسمون اللفظ المستعمل فى معناه الوضعى الأصلى حقيقة لغوية ، واللفظ المستعمل فى المعنى الجديد مجازا ؛ وقد يشتهر هذا الوضع الجديد المجازى فى الاستعمال حتى تكاد الحقيقة تنسى بجانبه ، أو تكون بالإضافة إليه كالمجاز ، ويكون هو كالحقيقة .
كل ذلك وقع فى اللغة قبل تدوينها وبعده ، فما اشتهر قبل التدوين من الوضع المجازى تشابه أمره على كثير
من جامعى اللغة وعلمائها ، فعدوه من قبيل الحقيقة اللغوية ، وهو فى الواقع لم يكن إلا مجازا اشتهر ، ومن هنا كان يقول ابن جنى : " إن أكثر اللغة مجاز مشهور " .
ونحن على ضوء هذه الأسس نبنى بحثنا للابل وأثرها فى اللغة . لقد كان ثراء اللغة فى مفرداتها التى تتصل بالابل أكثر من ثرائها فى المفردات التى تتصل بالخيل ، وهما أكثر الحيوانات التى عرفها العرب ودرسوا خصائصها وألموا بكل شئ فيها ! والسر فى ذلك هو أن الابل أقدم الحيوانات وجودا فى الجزيرة العربية . يقول هيوار ( فى كتابه تاريخ آداب اللغة العربية ص ٣ ) : " إن هذا الجمل هو الحيوان الوحيد الذى ذكر في التوراة وفى الآداب القديمة " ؛ هذا ولأن الخيل متاع المترفين ، أما الابل فمتاع العرب جميعا . لذا كان ما ورد من اللغة فى الخيل أقل مما ورد منها فى الابل . ولذا كان ما ورد فى كتاب المخصص خاصا بالابل تبلغ صفحاته ١٧٢ صفحة ، وهو ملء الجزء السابع تقريبا ، أما ما ورد منها خاصا بالخيل فتبلغ صفحاته (٧٢) . فالابل تزيد على الخيل مائة صفحة ، ونرى أنه لا داعى للأمثلة من هذا النوع ، وإنما الذى يهمنا هى الألفاظ التى أخذت أخذا مجازيا ، والتى استخدمت فى معان جديدة بعد وضعها على الابل وما يتصل بالابل . من ذلك :
(الخلية) هى الناقة التى عطفت على واحدها . ثم سميت السفينة العظيمة التى يتبعها زورق بذلك .
(الرءوم) العطوف من الابل ، ثم وصفت المرأة بذلك فقيل لها أم رءوم .
(الأفن) قلة لبن الناقة . ثم قالوا أفن الرجل إذا كان ناقص العقل .
(تفوقت اللبن) حسوته جرعة بعد أخرى فى مهلة . وفى حديث أبى موسى الأشعرى ، وقد تذاكر هو ومعاذ قراءة القرآن ، فقال : أما أنا فأتفوقه تفوق اللفوح -
يقول لا أقرأ جزئى بمرة ولكن أقرأ منه شيئا بعد شئ فى آناء النهار ، مأخوذ من فواق الناقة وهو ما بين الحلبتين .
(العجالة) ما يعجله الراعى إلى أهله من اللبن قبل أن يصدر الابل ، وفى حديث عمر (الثيب عجالة الراكب تمر وسويق)، أى أنه لا يحتاج أن يتكلف لها ما يتكلف للبكر .
(ناقة ثرة) غزيرة اللبن ثم قيل عين ثرة كثيرة الدموع وطعنة ثرة كثيرة الدم .
(ناقة بكيئة) قليلة اللبن. ثم أطلق ذلك على قلة الكلام، ومنه الحديث (نحن معاشر الأنبياء فينا بكاء). أي قلة الكلام إلا فيما يحتاج إليه.
(الشقشقة) لهاة البعير، ولا يكون ذلك إلا للعربي، وبه سمي الخطباء شقاشق.
(الجران) مقدم عنق البعير من مذبحه إلي منحره، ومنه حديث عائشة: "حتى ضرب الحق بجارنه" أي قر قراره واستقام، كما أن البعير إذا برك واستراح مد عنقه على الأرض.
(القرم) الفحل من الابل، ثم أطلق على السيد الشريف، فيقال هو قرم من القروم أي سيد.
قال الله تعالى: "لقد جئم شيئا إدا" أي أمرا منكرا يقع فيه جاية، مأخوذ من قولهم: أدت الناقة تئد أي رجعت جنينها ترجيعا شديدا.
(حلمت البعير) إذا نزعت عنه الحلمة، ثم يقال حلمت فلانا إذا داريته ليسكن، ونتمكن منه تمكنك من البعير إذا سكنته ينزع القراد عنه.
قال تعالى: "وأرسلنا السماء عليهم مدرارا" وأصله من الدر أي اللبن، ويستعار ذلك للمطر استعارة أسماء البعير وأوصافه، فقيل الله دره.
(ذروة السنام) أعلاه وكذا ذراء. ومنه قيل أنا في ذراك أي في أعلى مكان من جنابك.
قال تعالى: "وأرسلنا الرياح لواقح" أي ملقحات للشجر، وأصل الالقاح للناقة.
(أرحت الابل) أي أرجعتها إلي مراحها. ثم قيل أرحت إليه حقه.
(شرد البعير) ند، ثم جاء في اللغة بعد ذلك من ذلك التشريد، وفلان طريد شريد.
(حلب فلان الدهر أشطره) أي خير ضروبه فمر به خيره وشره وشدته ورخاؤه، وذلك من حلب جميع أخلاف الناقة، فان كل خلفين منها شطر.
(أطلقت البعير) من عقاله خليته عنه، ثم قيل طلقت المرأة نحو خليتها فهي طالق، أي مخلاة من عقدة النكاح.
وأظهر ما يشاهد هذا النوع في الأحاديث. لأن اللغة كغيرها من الكائنات لا يحدث شئ منها تاما كاملا من أول وهلة، بل هي خاضعة لقانون النشوء والترقي. وسنة الخلق والتدرج. فلما بعث الرسول صلوات الله عليه، واشتدت حاجته للارشاد، وضرب الأمثال، وجد أن خير سبيل لذلك هو أن يخاطب القوم ما ألفوه. ويتكئ في تفهيمهم على ما اعتادوه، فاستمد كثيرا من تشبيهاته من الابل، واعتمد عليها في تقريب المعاني إلى أذهانهم، وتوصيل بعيد الأفكار إلى رءوسهم. من ذلك قوله عليه السلام: "قد أناخت بكم الشرف الجون" يعني الفتن المتوقعة. وهذه القول مجاز حيث شبهت الفتن بالنوق المسنات لجلالة خطبها واستفحال أمرها. فالشرف جمع شارف أو شارفة، وهي الناقة المسنة. والعرب يشبهون كثيرا بها قال الكميت الأسدي يصف حربا:
مبسورة شارة مصرمة
محلوبها الصاب حين تحتلبه (1)
(الاسلام ذلول لا يركب إلا ذلولا) المراد أن الاسلام
سهل القياد لمن اقتاده وطئ الظهر لمن اقتعده ، لين لمن أراد تطبيقه ، فيه يسر لمن رغب فى اتباعه ؛ فهو كالبعير الذلول الذى يسهل قياده ويطوع زمامه . وقوله عليه السلام (لا يركب إلا ذلولا) أى لا يستجيب من الناس إلا من لانت للدين عرائكه ، وقربت عليه مآخذه ، وطاعت نفسه باحتمال أعبائه والصبر على لأوائه .
(لكل شئ سنام ، وسنام القرآن سورة البقرة) ، المراد أنها أعلى القرآن وأشرفه ، كما أن أعلى ما فى البعير سنامه وذروته .
( إن الإسلام بدأ جذعا ، ثم ثنيا ، ثم رباعيا ، ثم سديسا ، ثم بازلا ، وما بعد البزول إلا النقصان ) ، والمراد تمثيل الاسلام فى تنقل أحواله وتغاير أوصافه بولد الناقة ينتقل فى أسنانه فيكون أول أمره جذعا ، ثم ثنيا ، ثم رباعيا ، ثم سديسا ، ثم بازلا ، وهى سن التمام ، وما بعدها إلى النقصان . ومدار المعنى على أن الاسلام بدأ فى غاية الصغر ، ثم انتهى إلى غاية الكبر على تدريج ما بين البازل والجذع .
( إن المؤمن كالبعير الأنف ) يعنى أنه هين لين العقل . ( الناس كإبل مائة لا نجد فيها راحلة ) ، يعنى أن المرضى من الناس فى عزة وجوده وندرة الحصول عليه كالنجيب من الابل القوى على الأحمال والأسفار الذى لا يوجد فى كثير من الابل .
ورد فى الصحيحين عن أبى هريرة قال : " جاء رجل من بنى فزارة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : إن إن امرأتى ولدت غلاما أسود . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : هل لك من إبل ؟ قال : نعم قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر ، قال : هل فيها من أورق ؟ قال : إن فيها لورقا . قال : فأنى أتاها ذلك ؟ قال : عسى أن يكون نزعه عرق . قال : وهذا عسى أن يكون نزعه عرق " .
أما الأورق فهو الذى فيه سواد ليس بصاف وهو
الرمادى اللون . والمراد بالعرق هنا الأصل من النسب ؛ ومعنى نزعه أشبهه واجتذبه إليه وأظهر لونه عليه . فأنت ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يرد الرجل إلى صواب من الرأى . وأن يجعله يقلع عن عادة نفى الولد بمجرد الأمارات الضعيفة ، كما كانت عادة الجاهلية ، لجأ إلى الابل فاستمد منها بيانه . واقتبس منها برهانه ، وجعلها أساسا عليه يبنى ، ونموذجا عليه يقاس . فسأله عن ألوان الابل ، لأن الحيوانات تجرى طباع بعضها على مشاكلة بعض فى اللون والخلقة ؛ وقد يندر منها شئ لعارض ؛ فكذلك الآدمى يختلف بحسب نوادر الطباع ونوازع العروق
وقال عليه السلام : " العين حق تدخل الجمل القدر والرجل القبر " .
وقال : " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الابل المعقلة ، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت " .
فتراه قد شبه حافظ القرآن الذى حافظ على دراسته ودأب على تلاوته بصاحب الابل المشدودة بالعقال خيفة الشراد ؛ والحكمة فى تخصيصها بالذكر لأنها أكثر الحيوانات التى تعرفها العرب حق المعرفة ، ولأنها أشد الحيوان الإنسى نفورا ، والحصول عليها بعد نفورها أمر عسير غير يسير . أرأيت كيف استخدم الرسول صلوات الله عليه ما هو معلوم للوصول إلى ما هو مجهول . واستغل البيئة وما يحيط بها فى التأديب والارشاد ؟ وهذا أحدث أنواع التربية ، والقواعد النفسية .
وهكذا كان النبى يعرف للابل فضلها ، وهو خبير باستخدامها واستغلالها ، حتى نهى عن سبها ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا الابل ، فان فيها رقوه الدم ومهر الكريمة " وقال : " الابل عز لأهلها " .

