الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 182 الرجوع إلى "الرسالة"

أثر الترف ، في الأدبين العربي والإنجليزي

Share

الترف من مستتبعات الحضارة، تتجه إليه الأمم عقب عصور  النهضات، إذ يلذلها الركون إلى الراحة واجتناء ثمرات مجهوداتها  التي بذلتها في عهود النهوض والكفاح والتمهيد، وتميل إلى  الاستمتاع بخيرات الحياة من دعة ولذة وسرور في ظل السلام  والنظام اللذين تنشرهما الدولة بعد أن توطدت أركانها، وفي بحبوحة  الثروة والنعمة اللتين أثلهما جهاد السنين والأجيال، فيهجر  الشعب رويداً رويداً حياة الخشونة والقناعة والجد ويستكثر من  أسباب الراحة والبهجة، وإشباع مطالب الجسم والنفس،  وبدوات الخيال والشهوة

ويكون أشد الأمم إقبالاً على وسائل الترف ومضيّاً إلى  غاياته، أشدها من قبل تخشناً في العيش، وأعظمها جلاداً في  ميدان تنازع البقاء، وأتمها ظفراً وغلبة على البلدان، لما تجنح  إليه من الراحة بعد الجهد، والاستمتاع بعد الحرمان، ولما تغدقه  عليها انتصاراتها من أسلاب أعدائها وأرزاقهم، وما تطلَّع عليه  من وسائل لهوهم وترفهم؛ ومن ثم انتشرت موجات هائلة من  الترف في مصر الفرعونية عقب فتوحها الكبيرة في آسيا، وفي  أثينا عقب امتداد سيادتها على سواحل بحر الأرخبيل وجزره،  وفي روما بعد اتساع سلطانها شرقاً وغرباً

وكلتا الأمتين العربية والإنجليزية خرجتا من بداوة وخشونة  عيش إلى حضارة وحياة دعة؛ وكلتاهما أقامتا إمبراطورية مترامية  التخوم تعج نواحيها بالخيرات والكنوز، وَسرَت إليهما من  جراء ذلك عدوى الترف وبدا أثرها في أدبيهما. بيد أنهما تفاوتتا  تفاوتاً كبيراً في مدى تأثرهما بذلك الترف، فكانت الأولى على  الأرجح أعظم الأمم أخذاً بوسائله وتفنناً في ضروبه؛ وكانت  الأخيرة أقلها انقياداً لتياره وأشدها تشبثاً بأهداب الاعتدال

فالأمة العربية ينقسم تاريخها الاقتصادي إلى ثلاثة أطوار  كبيرة: فالطور الأول وهو عهد الجاهلية أقرب إلى الفقر  والخشونة التي فرضتها على العرب طبيعة بلادهم الضنينة، مما أورثهم  صفات القناعة والصبر والجلد واحتمال المشقات، كما أورثهم  الجود وقرى الأضياف، فتمدحوا بكل هاتيك الصفات وامتلأ  بها شعرهم، وجاء ذلك الشعر في جملته قوياً متسماً بالرجولة مثيراً  للإعجاب؛ وندر في ذلك العهد شعر المجون والخلاعة ووصف  دواعي الرفاهية ومظاهر الحياة الناعمة، بل كان السادة يتبرأون  من الانقياد لشهوات الجسم والنفس. ومن روائع آثار ذلك في  الأدب قول حاتم الطائي:

وإني لأستحي صديقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أَقرعا

وإنك مهما تُعط بطنَك حقه ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

وقول عنترة:

يُخْبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم

وأرى مغانم لو أشاء حويتها ... فيصدني عنها الحيا وتكرمي

وبقيام الدولة العربية دخل العرب في الطور الثاني: طور  الحضارة والرفاهية والترف، وتدرجوا في الأخذ بأسباب ذلك  مع مرور الزمن حتى أوفوا على الغاية. ولا غرو فقد اجتمع  لديهم من أسباب الترف ما لم يكد يجتمع لغيرهم؛ فأن نجاحهم  الحربي الفجائي أوقع في أيديهم أغنى بقاع الأرض وأخصبها  وأعظمها حضارة وترفاً لعهدهم، وأغدق على كبرائهم ومقاتلتهم  فيضاً متلاحقاً من الأموال، وأدخل في حوزتهم شاسع الأملاك،  وأقام في خدمتهم الجمَّ الغفيرَ من الموالي؛ وسمحوا هم لشتى  الأجناس بمخالطتهم والإقامة بين ظهرانيهم، فجاءت الأمم  المقهورة في ميدان الحروب تسلط على الأمة الغالبة ما بذتها فيه  من أسباب الرفاهية واللذاذة، وهي التي كانت من قبلُ سببَ سقوط  عزيمتها وأدبار دولتها

وكان كل ذلك جديداً على أعين العرب الذين قضوا الأجيال  في شظف البادية وتقتيرها، فاندفعوا يصيبون من تلك اللبانات  ما حرموه طويلاً، وأغرقوا في استمراء تراث الأمم المغلوبة كما  يغرق الوارث الذي طال حرمانه في تبذير ثروة الغنى الراحل.  وكأنما تعجل العربُ في تراث كسرى وقيصر ما وعدوه في  الدار الآخرة من طيبات؛ ومن ثم ابتنى الخلفاء القصور وحشدوا

لتشييدها الصناع من شتى الأجناس، ووفروا بها آنق أسباب  الدعة والمتعة، وحشروا فيها الغلمان والقيان، وبالغوا في إعداد  الموائد والأسمطة، وأكثروا من الألوان والصحاف، واستمتعوا  بالغناء والشراب، ورفلوا في فاخر الثياب، واحتفوا بالمواسم  والأعياد والمهرجانات، وأسرفوا في أعراسهم حتى ضربت  ببعضها الأمثال، ولم يدعوا متعة من متعات النفس أو لذة من  لذات الجسم إلا استاموها

واحتذاهم في ذلك الأمراء والكبراء وكل من أطاقه من  عامة الشعب، فانتشرت مجالس الشراب والغناء، وأحكمت  أوضاعها وارتقت آدابها، وراحت صناعة المغنين وحذقوا فنهم  وجودوه، وراجت تجارة الرقيق ونفقت سوق الجواري،  وأُخِذْن بالتثقيف والتهذيب ليجمعن فتنة اللب إلى فتنة النظر،  وأولع الناس بالرقة والظرف والكياسة، ونفروا من الخشونة  وتندروا بالجلافة والغفلة، واحتفوا بالمواسم يشخصون فيها إلى  الرياض أو الأديرة في أرباض المدن، يتنادمون ويتغزلون

وأثر تلك الحياة المترفة جلى في الأدب العربي، بل لعله  أكبر فارق يفرق أدب ما بعد الإسلام والحضارة عن أدب  الجاهلية، إذ أن الأدباء اهتموا بتصوير مظاهر ذلك الترف كلها،  بل كانوا من أشد الناس حرصاً على الانغماس فيه، بل تجمعوا في  العواصم طلباً لأسبابه، وكان منهم من صاحبوا الخلفاء والأمراء  في مجالس شرابهم وسماعهم وساعات تبذلهم واستمتاعهم،  وجلسوا إلى موائدهم وشاركوا في محافلهم ومهرجاناتهم، وكل  ذلك ضمنوه مدائحهم لأولئك الحكام؛ وكان شهودهم تلك  المشاهد وما يحوكونه فيها من القصائد، من متممات السرور  والأنس، ومستلزمات الأبهة والعظمة

ومن ثم يحفل شعر بشار وأبي نواس وأبي تمام والبحتري  وابن المعتز وابن الرومي وابن حمديس وكثيرين غيرهم بأوصاف  القصور والحدائق والنافورات، وسفائن النزهة وكلاب الصيد،  وألوان الطعام والفاكهة والأسمطة، ومجالس الشراب وحذاق  المغنين وحسان المغنيات، والمحافل والمواكب، كما امتلأ بالنسيب  الذي كان أغلبه نسيباً بالجواري دون الحرائر، والذي امتزج  بكثير من الخلاعة والفجور؛ وروي الشعراء في كل ذلك عن  ممدوحيهم من الأمراء تارة، وعن أنفسهم تارة أخرى، وصوروا  في الحالتين حياة الترف المغرق التي طغى سيلها في عهود العباسيين

والفاطميين وخلفاء الأندلس وغيرهم

وقد ظفرت الخمر من بين أسباب الترف هاتيك بالمكانة  الأولى في النفوس، وفازت بالحظ الأوفر من حفاوة الشعراء،  فكانت معقد السرور ومناط الأنس ورمز الصفاء؛ وتفنن  الشعراء في تمجيدها ووصف تأثيرها ووصف مجلسها وساقيها  وكأسها، وطلبوا البراعة بالابتكار في تلك الوجوه، وخلعوا  العذار واطرحوا التدين في التوفر عليها والتغني بها، وهزئوا  باختلاف الفقهاء في تحليل بعض أنواعها وتحريم بعض، وظفرت  الخمر في الأدب العربي بمنزلة لا تبارى في أدب آخر، وسما شأنها  حتى زاحمت النسيب على مكانته الموروثة من عهد الجاهلية،  فأصبح وصف الخمر كالتشبيب والوقوف بالدمن وسيلة تقليدية  من وسائل استهلال القصيد

ومن أجمل الشعر في وصف أسباب الرفاهية تلك، قول ابن  الرومي الذي يختمه بتحسره على حرمانه مما يصف، إذ أصبح  التلهف على أسباب النعيم ديدن الشعراء، وكانوا من قبل في الطور  السابق كما تقدم يتبرأون من الاستسلام للترفُّه والشهوات:

في أمور وفي خمور وسَموُّ ... رٍ وفي قاقُمٍ وفي سنجاب

في حبير منمنم وعبير ... وصحانٍ فسيحة ورحاب

في ميادين يخترقن بساتي ... ن تمس الرؤوسَ بالأهداب

عندهم كل ما اشتهوه من الآ ... لات والأشربات والأشواب

والطروقات والمواكب والول ... دان مثل الشودان الأسراب

والغوالي وعنبر الهند والمس ... ك على الهام واللحى كالخضاب

لم أكن دون مالكي هذه الأش ... ياء لو أنصفَ الزمان المحابي

وقد بلغ من ولع كثير من الشعراء باجتناء ثمار تلك الحياة  المترفة الغارقة في اللذات، أن خصصوا أشعارهم لمدح الأمراء  بغية أن يُقرَّبوا ويُمنحوا طرفا من ظل تلك النعمة السابغة،  ويشاركوا ممدوحيهم في أبهتهم ولذاتهم، وبغية النوال ينفقونه  في ارتياد مواطن اللهو التي حفلت بها العواصم، ويبذرونه في  مجالس الشراب والغزل يعقدونها في دورهم أو في دور المغنين  والنخاسين أو في الحانات والأديرة؛ ومن ثم امتلأ شعرهم بالمدح  من جهة، وبوصف الملاهي من جهة أخرى، وراح بشار مثلا  يفخر بكلا الأمرين: باقتناص أموال الملوك، وانتهاب سوانح  اللذات، قال:

وإني لنهَّاض اليدين إلى العلا ... قروعٌ لأبواب الهمام المتوج

وقال: قد عشت بين الريحان والراح وال ... مزهر في ظل مجلس حسن

وبعد طور الثروة والترف هذا جاء الطور الثالث طور الفقر  والانحلال، حين استنزفت موارد البلاد، وعظمت مفاسد  الحكام، وخمدت العزائم من جراء الانهماك في ذلك الترف، وفدحت الضرائب الأهلين، وتنازع الأمراء والولاة. وقد  كان جانب كبير من الشعب يشقى ويألم في عهد الرخاء والترف  السالف؛ أما في هذا العهد فعم الشقاء، وانتشر الخراب،  وكسدت الصناعات، وظهر القحط وتتابعت المجاعات

ولم يبق معتصما بربوة الترف فوق سيل هذا البؤس إلا القليل  ومنهم الأمراء الذين يتنازعون الحكم ويرهقون الأهالي بالمغارم  ليتشبثوا بمظاهر الملك والفخفخة ويتشبهوا بالسابقين في الجاه  والأبهة؛ يسلبون الناس أرزاقهم باليمين ليمنوا عليهم باليسار  بالأثواب والأطعمة في المواسم والأعياد كأنما يأبون أن يطلبوا  الرزق من وجوهه الشريفة، ولا يريدونهم إلا عجزة مستجدين  يفزعون إلى بر الأمير ويتمدحون بجوده. تلك كانت حال مصر  مثلاً في فترات طويلة من حكم الفاطميين والمماليك؛ وتلك كانت  حال الأندلس على عهد بعض ملوك الطوائف الذين لم تكن الحرب  بينهم تهدأ، حتى لقد تشابه ثمة الأمراء ذوو الجيوش وقطاع  الطرق أصحاب العصابات والمناسر. وقد أوجز بعض شعرائها  وصف عبث الأمراء برفاهية البلاد في قوله المفعم بالحسرة: أطاعت أمير المؤمنين كتائبٌ ... تصرَّفُ في الأموال كيف يريد

فثالث الأطوار المشار إليها في بدء هذه الكلمة هو طور  العوز والبؤس الذي جاء رد فعل لطور الإسراف في الترف،  كما يجيء الخمار عقب الإسراف في الشراب. وفرق ما بينه وبين  فقر الطور الأول أن الأول كان فقراً طبيعياً معتدلاً قضت به  البادية على أبنائها وحصنتهم منه بالخلق المتين؛ والأخير فقر  منشؤه الإفراط والتفريط، وحليفُهُ الذلة والمسكنة واللئيم من  الطباع، وفي طيه الشره والشهوة المكبوتة والتلدد والحرمان.  وقد انعكس كل ذلك في أدب هذا الطور إذ جاء ضاوياً سقيما  مملوءاً بالشكوى والتوجع، منطوياً على تمويهات المعاني ومخادعات  الألفاظ التي تحكى ما كان يجيش به المجتمع من تمويه

هكذا جرى العرب من الترف إلى أبعد غاياته، ثم كانت  سقطتهم من بعد ذلك بعيدة المهوى. أما الإنجليز فأنهم وإن

شابهوا العرب ومن قبلهم الرومان في تأسيس إمبراطورية ضخمة،  كانوا نسيج وحدهم في ترقي أعراض الترف وتحاشي عقابيله  التي يجرها على المجتمع، والتي تحدث ابن خلدون وغيره من علماء  الاجتماع بهدمها لصروح الدول، لما تسلب أبناءها من صفات  النخوة والجهاد والغلبة، فلم يمسَّ الترفُ المجتمع الإنجليزي  والأدب الإنجليزي إلا مساً خفيفاً، وفي عهود قصيرة، وذلك  للظروف التي أحاطت ببناء الإمبراطورية

فقد شيدت الإمبراطورية الإنجليزية ببطيء وتدرج، لا بسرعة  كما شيدت الإمبراطورية الرومانية، ولا فجاءة كما بنيت  الإمبراطورية العربية، فلم يغمر المجتمع الإنجليزي سيلٌ مفاجئ  من الثروة؛ وبنيت الإمبراطورية في العصور الحديثة فلم يتبع  الإنجليز الطريقة القديمة من انتهاب أموال العدو المهزوم وأسر  المقاتلين أو المسالمين واسترقاقهم؛ ولم يستأثر الملوك والقواد بغنائم  الحرب وثمرات الفتح، فتنحصر الثروة في طبقة محدودة تسرف  في اللذات بينما بقية الشعب محروم، بل كان الإقليم المفتوح  حرباً يفتح للتجارة الإنجليزية ورجال الأعمال الإنجليز صغارهم  وكبارهم، فجاء توزيع الثروة بين طبقات الشعب أكثر تعادلاً  مما كان في المجتمع العربي

أضف إلى ذلك أن الإنجليز لم يخالطوا الشعوب المفتتحة ولم  يسمحوا لأبنائها أن يملأوا عليهم وطنهم الأول ولم ينتقلوا هم إليهم  بحواضرهم كما فعل العرب، ولم يأخذوا عنهم ضروب لهوهم وترفهم  ولا غير ذلك من مظاهر الحياة، لأنهم كانوا عادة يفتتحون أقاليم  أقل منهم حضارة، لا يستسيغون ما عندها من ضروب المتَع؛  وظل الإنجليز في بلادهم بعيدين عن تأثيرات أملاكهم، متمسكين  بتقاليدهم القومية وعوائدهم وأنظمتهم التي نمت وتوطدت قبل  الالتفات إلى ما وراء البحار

هذا إلى أن الإمبراطورية لم تشيد إلا وقد كسرت شوكة  الملكية في إنجلترا واستتب النظام الدستوري؛ والملوك  المستبدون هم عادة رادةُ الترف في ممالكهم والموحون إلى رعاياهم  باغتنام اللذات والملاهي، يتوفر أوائلهم على تأسيس الدولة وتأثيل  السطان، ثم يعكف أخلافهم على الترف والأبهة واتباع  الشهوات، ويقتدي بهم من هم دونهم. كذلك كانت الحال في  الدولة العربية حيث توطد سلطان الملك بامتداد أطراف  الإمبراطورية؛ أما في إنجلترا حيث كف الملك عن أموال الدولة

أن يبذرها، فقد ظل الملوك متبعين سياسة الاعتدال، فلم يكونوا  قدوة سيئة لغيرهم من الطبقات

إنما فشا الترف والفساد في المجتمع الإنجليزي في أواخر القرن  السابع عشر حين عادت الملكية منتصرة من فرنسا مستعيدة بعض  ما ضاع من نفوذها، مصحوبة بالفرسان الإنجليز الذين عاشوا زمناً  في المجتمع الفرنسي، والفرسان الفرنسيين الذين شبوا في بلاط لويس  الرابع عشر، فعج البلاط الإنجليزي بمظاهر الترف وأسباب الغواية،  وفشا ذلك منه في طبقات الشعب، وساعد على ذلك تبرم الناس  بما كان حكم المطهرين الغلاة قد فرضه عليهم قبل ذلك من كبح  وتزمت، وبدا أثر ذلك الترف والفساد الخلقي في درامة ذلك العهد

وانتشر الترف كرة أخرى في بعض القرن الثامن عشر بين  طائفة أرباب الأعمال الذين أثلوا لأنفسهم ثروات ضخمة بشريف  الوسائل وخسيسها في الولايات الهندية قبل أن تشرف الحكومة  الإنجليزية على إدارتها، وعادوا إلى أوطانهم مكاثرين بطارف  أموالهم مستكثرين من مظاهر الأبهة والفخفخة، وعرفوا بالنواب  تشبيهاً لهم بأمراء الهند؛ ورأى فيهم أدباء العصر مواضيع

شائقة لكتاباتهم الساخرة، وأولع بهم ماكنزي وكوبر وغيرهما  طويلا؛ على أنه في كلتا هاتين الحالتين كانت النوبة عارضة قصيرة  الأمد ضيقة الحيز، صمد لها الخلق القومي، والطبع الإنجليزي  الهادئ، وتغلبت عليها تقاليد الأيام المتعاقبة وعاد الاعتدال  شعار البلاط والمجتمع والأدب

فالأدب العربي قد حوى من آثار الترف الشيء الكثير،  بل حوى من ذلك ما لعل أدباً آخر لم يحوه، وحفل بالرائع من  الأوصاف لتلك الآثار، وإن نبأ بعضها أحياناً عن الذوق السليم  والخلق الكريم. ولا ريب أن ميله هذا إلى زخارف العيش  وولعة بتصويرها كان مما جنح به أخيراً إلى زخرف الألفاظ  وأنيق المعاني. أما الأدب الإنجليزي فظل رجاله غالباً بعيدين  عن موائد الأمراء، وظل الاعتدال في أغلب العصور رائده،  بعيداً عن زخارف الحياة المترفة وزخارف الألفاظ المنمقة معاً،  وكان رجاله أشد شغفاً بتصوير دخائل النفس الإنسانية ووصف  محاسن المناظر الطبيعية منهم بوصف قصور الأمراء ومحافلهم  ومواكبهم.

اشترك في نشرتنا البريدية