(1) استعمل الكتاب المعاصرون كملة " ثقافة " ترجمة لكلمة CULTURE. وهذه الكلمة تدل في أصل معناها على زرع الأرض واستقلالها وما يتصل بهذا ؟ وتقال مجازا فيما يحصله الإنسان من علم وفن فيقال مثلا : culture des lettres des sciences des beaux arts
وتقال أيضا في معنى التعليم والتربية instruction eduation وتقال أحيانا في معني الحضارة تبعا لاستعمالها في اللغة الألمانية .
وقد اراد كتاب الترك في هذا العصر ان يقابلوا هذه الكلمةculture بكلمة تقاربها في أصل معناها ، ويمكن أن تسايرها في معانيها الآخري ، فاختاروا من اللغة العربية كلمة " حرث " وسوغ لهم هذا أن الحرث يقال في العربية لكل ما يكسبه الإنسان . وفي القرآن : " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصب ، وكلمة " ثقافة " لها معني حسي وهو تقويم العوج من الرماح والقسي ونحوها ، والثقاف الآلة التي يقوم بها . وقد استعملت في التقويم النفسي بالتعليم والتأديب ، فقيل ثققه اي ادبه او علمه وقيل ثقف الإنسان تثقيفا وثقف ثقافة صار حاذفا فطنا ، وقيل رجل تثقيف وثقف ؛ وكذلك قيل ثقف الشئ ثقفا وثقافة أى حذفه ، فالثقافة صدق الشئ وإتقانه ، وهي أيضا الفطنة والخبرة من طول ممارسة العمل . وقد جاء في فاتحة كتاب طبقات الشعراء محمد بن سلام الجمحي :
" وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات . منها ما تثقفه العين ، ومنها ما تثقفه الأذن ، ومنها ما تثقفه اليد ، ومنها ما يتثفقه اللسان فإذا استعملنا الثقافة في كل ما يثقفه الإنسان كانت قريبة من استعمالها القديم ، وقريبة من كلمة culture؟ التي تقاzل بها .
إن نكن قد بينا معني الكلمة تببينا بعين علي تحديد موضوعا ، فقد بني أن نكمل تحديد الموضوع بتيين ما يقصد من هذه العبارة : " الثقافة العربية " أتريد ما تثقفه العرب ، وما تقفواه في مواطنهم الاولى ، والمواطن التي انشروا فيها بين نجد إيران وبحر الظلمات ، أم تريد كل ما حوته اللغة العربية في ديار العرب وغيرها ؟
من الحق أنا لسنا في حاجة إلي أن نتكلم فيما أنشأه العرب الخامس وما انشأء المستعربون ، او نبحث عما ألفة العرب وغيرهم في البلاد العربية ، وما ألفه غير العرب والعرب في البلاد الأعجمية . ليس هذا موضوعنا ولا يحتاج إليه موضوعنا ، فالحق أن الثقافة التي عرفتها البلاد العربية في المسور الإسلامية هي كل الثقافة التي دونت باللغة العربية ، ولا تتعدد هذه الثقافة بأن كتابا في موضوع من موضوعاتها كتب في بلد عربي وآخر كتب في بلد أعجمي ، أو أن مؤلفي بعض الكتب من العرب ومؤلفي بعضها ليسوا من العرب . أ يمكن أن تفرق في معاجم العربية بين أساس البلاغة الذي ألفه الرمخشري التركي وبين القاموس المحيط الذي الفه الفيروزبادى العربي اصلا ، ولسان العرب الذي ألفه ابن منظور المصري الإفريقي الأنصاري الخزرجي ، وكتاب ميعار اللغة الذي ألفه محمد على الشيرازي ؟
قد نظرت نظرة إلي كتب الأدب في مكتبى وانا أفكر في هذا الموضوع ، فرأيت كتاب الأمالي لأبي علي القائى وهو أديب أصله من فاليفلا رحل منها إلي العراق وأقام ببغداد ، ثم رحل إلي الأندلس ؟ ورأيت بجانبه شرحه
لوزير أبي عبيد البكري الأندلسي العربي ، فكتاب البيان والتبين للجاحظ البصري العربي ، فكتاب الأوراق لأبي بكر الصولي التركي الأصل ، وكان آباؤه في جرجان : فكتاب بلوغ الأرب للآلوسي البغدادي . فهذه كتب خمسة وقع عليها النظر اتفاقا ، منها ما ألف في القرن الثالث الهجري ، ومنها ما ألف في عصرنا ، ومنها ما ألف في البصرة وبغداد ، ومنها ما ألف في الأندلس ، ومنها ما ألفه عربي قح ، ومنها ما الفه مستعرب ، ولكنها كتب ثقافة واحدة متصلة الموضوع . ولو القيت هذه النظرة على كتب الفقه أو كتب التاريخ وأخذت منها خمسة كتب كذلك لوجدت كتبا متفقة على موضوع واحد ، مع اختلاف اعصار المؤلفين واقطارهم واجناسهم ، ولا احد اسما جامعا لهذا كله إلا الثقافة العربية ؛ فإن شئت فقل ثقافة اللغة العربية ؛ وإن شئت فقل ثقافة العرب امتدت إلي غيرهم أو شاركهم فيها غيرهم ، فلن تختلف النتائج .
-2- ولكنني لا أتكلم عن الثقافة العربية أو المعارف العربية كلها ، بل افرق بين جنس منها وجنس . ذلكم ان من ثقافات البشر ما يأتي القومية ، بأبي الانتساب إلي الأقوام والأوطان ؛ فإذا قلت الثقافة العربية أو الثقافة الفارسية أو الثقافة الفرنسية ، يسعد الفكر عن هذا الجنس العام من المعارف البشرية واتجه إلي جنس آخر . ذلك ان المعارف أو الثقافة قسمان او جنسان : قسم يقوم على قوانين الطبيعة الخارجة عن النفس الإنسانية كالعلوم الطبيعية والرياضية ؛ وهذه لا تختلف باختلاف الأقوام أو الأوطان . فإذا ادركت الامم قانونا من قوانين الطبيعة لم يختلف هذا القانون والعلوم القائمة عليه في امة واخري . فلا يقال الكيمياء الفرنسية والكيمياء الإنكليزية ، أو الرياضة العربية والرياضة الفارسية ، إلا بمقدار ما تختلف الأمم في إدراك القوانين والعجز عن إدراكها أو في
الإصابة والغلط إلي أن يأخذ العاجز عن المدرك والمخطئ عن المصيب ؛ واما القدر الذي يناله إدراك الأمم فلا يختلف باختلافها . وهذا الجنس من المعارف يمكن نقله من أمة إلي أخري ويسير أن ينقل
والقسم الثاني من ثقافة الناس او معارفهم يتصل بالأنفس والعواطف والأذواق ، ويختلف باختلاف الأقوام والأوطان والعصور ، يعسر نقله من امة إلي اخري إن لم يتعذر وتلكم الآداب والفنون والقوانين والتواريخ ونحوها ، وهي التي تنسب إلي الأقوام والبلدان وتختلف بإختلافها . فإذا قلنا الثقافة العربية فيبغي أن يكون كلامنا في هذا الضرب من الثقافة الذي يقبل الانتساب إلى العرب او لغة العرب ، ويقبل الاختلاف باختلاف الامم . ويؤخذ هذا التخصيص ان الثقافة لا تخلو من معني التهذيب والتأديب ، وهما يكونان بالآداب والأخلاق والأمور النفسية لا بالعلوم الطبيعية
فما هي إذا الثقافة العربية التي يجعلها موضوع حديثنا ، ونتبع آثارها في حضارة مصر الحديثة ؟ هي في جملتها الأدب والدين والتاريخ والقانون وما يتصل مها . وارجو ألا أكون قد أمللت بهذا التمهيد الطويل ، فما وجدت عنه مذهبا ولا رأيت عنه بدا في تحديد موضوعنا .
_3_
الادب
الأدب الذي نقرؤه وندرسه ونحفظه ، ونعتز به ، ونمتع به نفوسنا ، وننشئ به أولادنا ونربي به العاطفة والخيال والخلق ، والذي نتخذ مكارمه مثلا ، ومثاليه سبة ، والذي نانس به، ونسكن إليه ، وننتفع يجده وظهو يهزله ؟ الأدب الذي نعرف منشئه والذي تتمثل به في سرائنا وضرائنا ، ونضرب امثاله ونحكيه ونحتذبه وكأنا نعايش أشخاصه ونشهد وقائعة ، هو الأدب العربي لا محالة
ما تزال حوادث الأدب العربي في الجاهلية والإسلام موضع عنايتنا نتعرفها ونشهد بها . وما يزال شعر زهير وعنترة وأبيد واوس والخطيئة وجرير والفرزدق والأخطل وذي الرمة والكميت والطرماح ، وابن أبي ربيعة ، وبشار وابي نواس ، وابن الوليد وابى تمام والبحتري والمتنبي والمري والرضي والأبيوردي ، والأرجاني والغزي وابن هاني وابن عمار وابن خفاجة وابن حمديس ومن عاصرهم وحق بهم من الشعراء ، لا يزال شعرهم غذا ، المتأدب ومتعة للأديب في مصر ، ومعينا لشعرائنا لا يغيض .
وما يزال الجاحظ ، والبديع ، والخوارزمي ، وأبو حيان التوحيدي ، والصابي ، وان الاثير ، وابن زيدون ، وابن شهيد ، وابن خلدون مثلا ومادة ومتعة لمتأدبينا وكتابنا . ولا يزال المصريون يطمحون إلي المثل العالية والأخلاق الكريمة التي أشاد بها الأدب العربي ، ما تزال الشجاعة والإقدام والعزة والإباء . والوفاء والسخاء تستمد من شعر الجاهليين والإسلاميين ، من الشعر الحماسي الذي قاض في الأجيال العربية فيضا من عنترة إلي المتنبي وأبي فراس ، إلي البارودي وشوقي
وما تزال الدارات والأودية والمياه والحبال التي تغني بها الشعراء القدماء معروفة محفوظة في نفوسنا - ولا يزال الشجر والحيوان وما اتصل مهما من وصف وهو وصيد ماثلة في خيالنا ، ولا تزال منابت الشيخ والقيصوم والضال والسلم ، ورباض العراق وجنات الشام وغابات الأندلس ، وحدائق مصر ، كما وصفها الشعراء والكتاب ، مصورة بيننا نكاد نشهد جمالها ونشم عبيرها ، ونتفيا ظلالها ونرد مياهها .
والأدب العامي مشتق في جملته من هذا الأدب وموضوعه ؛ قصص عنترة وسيف البزن والهلالية تملا حوادثها نفوس العامة ، ويستولي رجالها علي قلوبهم ، ويعيشون بينهم حتى لينقسمون شيعا في الانحياز إلى هذا
البطل أو ذاك . وكثيرا ما يتقبل العامة أخلاقي هؤلاء الأبطال ، ويتمثلون بأقوالهم
ثم الأدب الذي ينشئه الشعراء والكتاب المصريون في عصرنا هذا مطبوع على غرار الأدب العربي ، فهو الأدب العربي في احد عصوره وأوطانه ، هو الأدب العربي في مفرداته وتركيباته ومجازاته وكناياته وتشبيهاته وخياله وموضوعاته ، وهو الأدب العربي في قوافيه وأوزانه ؟ والذي نبتدعه نحن من الالفاظ او المجازات والموضوعات هو تطور لهذا الأدب ، او زيادة عليه كما تتطور اداب الأمم وتكمل ، وتصعد في سلم الكمال درجات ؟ ولكن الدرجة السفلي والدرجة العليا وما بينهما درجات متوالية في سلم واحد .
والذي يأتينا من الخارج من صور الحضارة الغربية فهو مدد لادبنا العربي ، ومادة لصناعة كالصبغ للمصور أو الفكرة له ، أو الماء للشجر . وما انفصل عن الأدب العربي من هذا فهو مقصور على فئة قليلة لا بعد من ادب الأمة ولا تعد هذه الفئة من ادبائها ؛ فأما بعد الأدب أدب أمة حين يعم المتأدبين فيها ، ويبين عن جمهرة عواطفها وأفكارها ، كما ان معرفة طائفة من الأمة ادب أمة أخري واستمدادهم منه لا يجعل أدب تلك الأمة أدبا لأمتهم .
-٤- وأما الدين الإسلامي غلست أبحث هنا في أنه من الثقافة العربية أو ليس منها ، بل احب أن أسمو به عن النسب الذي يحده بحدود العصبيات ، وهو أوسع من الحدود ، وأسمى من نزعات الأقوام ؛ ولكني أقول إن هذا الدين الإنساني العام قد قدر له البيان العربي فكان وسيلة إلي تمكين هذا البيان في نفوس المسلمين ولاسيما العرب منهم ولست في حاجة إلي أن أبين أثر القرآن والأحاديث وما اشتق منهما واكتفى اثرهما من سواعظ وحكم وخطب ،
وما فاضت به منابر مصر في كل مدينة وقرية من البيان العربي في كل جمعة ، فكان حياة مستمرة وتجديدا دائما للأدب العربي في النفوس وعلى الألسنة .
ولست في حاجة إلي أن أبين ما كان لتفسير القرآن وشرح الحديث في توسعة البيان العربي والإبانة عن وقائعة ، ولا ما اشتملت عليه كتب التفسير والحديث من شواهد الادب العربي وصوره . ونحن نعلم ما للتفسير والحديث من مكانة في الجماعات الإسلامية ، ومالهما من اتصال بالنفوس وتأثير فيها مهما أصاب الأدب من غير ، واعتوره من ضعف بين جمهرة العلماء والمتعلمين . ولم يكن حظ الأمة المصرية من الدين دون حظ الأمم الآخر ، فكان لها من الأدب المتصل به نصيب موفور .
-5-
القانون :
وأما القانون فهو صورة واضحة جليلة من صور الثقافة يبين عن مبلغ إدراك الأمم للحقوق والواجبات ، وقواعد العدل ، والوسائل الحسني التي يلتئم بها شمل الجماعة ، وتنتظم بها علاقة الفرد بالفرد ، وعلاقة الفرد بالجماعة ، وعلاقة الجماعة بالجماعات ، وبعض هذه القوانين ينفذه السلطان قهر مثل القانون المدني والقانون الجنائي ، ومنها ما يترك لحكم لجماعة واستحسانها واستهجانها مثل قانون الأخلاق .
والفقه الإسلامي أوسع وأشمل ؛ فهو يشمل قوانين الحكومة أو قوانين السلطان وقوانين الدول ، ويشمل قانون الأخلاق ، ويشمل غيرها كقوانين العبادات . وهو متصل بالإنسان منذ يخلق جنينا إلا أن يموت ونقسم تركته ؛ بصاحب الإنسان في بيته بين اسرته وعياله ، وفي الطريق ، وفي السوق ، وفي المزرعة ، وفي كل صلة بينه وبين الجماعة التي يعيش فيها أو فرد من أفرادها ، هو في نظافة جسمه ولباسه ، وفي طعامه وشراء ، وفي عبادته وتجارته وسعيه للرزق ، وفي سلمه وحربه ، وخصومته وصلحه ، مهتدي بالفقه . الخ فهو صور كثيرة مفصلة
من صور الثقافة المصرية .
وإن قيل إن الفقه يرجع إلي الإسلام ، وقد قلت إني لا أريد حده بحدود الأمم ، فلا مراء أن الفقه في قواعده يرجع إلى نصوص القرآن والحديث وإلى ما عرف من مقاصد الإسلام ، ولكنه فى استنباط أحكامه وتعميمها وترتيبها وتفصيلها وشرحها وتطبيقها على الأحداث ، ضرب من الثقافة العربية تمثل جانبا عظيما منها في عصورها المختلفة . والعرب بدأوا هذا العمل وداموا عليه وشاركهم غيرهم من المسلمين في السير على هذا المنهاج . وقد فرغنا من القول إنه لا يمكن التفريق بين ما أنشأه العرب وغير العرب ، وبين ما ألف في البلاد العربية وما ألف في غيرها ، من ضروب الثقافة التي ساغ لنا أن نسميها الثقافة العربية .
لا ينقض قولنا ما نراء اليوم في مصر من قوانين مأخوذة من القوانين الأوربية ، مستندة في أصولها وتفسيرها إلى الشرائع الأجنبية ، ويتصل بها نظم للتقاضى وإنفذ الأحكام لم تؤخذ من فقهنا . فأما الأمور الشكلية من اثبات الدعوي وما يتصل بها إلي ان يقضي فيها فليست ذات خطر ، ولا ذات أثر في ثقافة الأمة . وإنما يعنينا قواعد القوانين وأصولها التي تقوم عليها ، على تبدل نصوصها ، واختلاف جزئياتها . وهذه الأصول بعضها موافق للأصول المعروفة في الفقه فلا تبدل شيئا في الثقافة العربية ؛ والمخالف منها لقواعد الفقه لم يحل في نفس الأمة محل هذه القواعد ، بل لا تزال قواعد الفقه أكثر اتصالا بنفس الجماعة ، وأكبر تأثيرا فيها . ولا يزال جمهور الناس يتعرفون أحكام الشرع ليلائموا بينها وبين أعمالهم مختارين محتسبين . يسألون عن حكم الشرع في بيع أو شركة أو شرط في عقد ، أو وسيلة إلي ريح ، لتطمئن به نفوسهم ، وتسكن إليه قلوبهم ؛ وهم لا يسألون عن حكم القانون إلا حين التقاضي ليقبلوه طوعا أو كرها ، ولا يتحرجون أن يخلصوا من أحكامه بأية وسيلة ، لأنهم بعدوته غريبا عنهم ، ليس له في نفوسهم من سلطان إلا سلطان القوة
وميزة أخري أن الفقه يتعرفه جمهور الناس بدينا ؛ سواء فيهم من يعني بالقوانين ومن لا يعلى . فثقافته اوسع وأكثر تغلغلا في الجماعات ، وأكثر اثرا في أنفسها ، يخالط ضمائرها ويقوم سيرها ، ويؤثر في اعمالها ؛ على حين تبقى القوانين الآخر بعيدة منهم إلا أن تدخلها بينهم الضرورة أو القوة .
لا أنكر أن في مصر جماعة ثقفوا القوانين الوضعية ، وأمنوا بها ، وبلغت من نفوسهم وإجلالهم مبلغا بعيدا . ولكني أتكلم عن الأمة كلها ؛ وهي في جملتها أقرب إلي الفقه ، وأعرف به ، وأكثر إجلالا له وطاعة . وقل أن تخلو قرية أو محلة في مصر من جماعة تعرف الفقه أو تلم بكثير من مسائله .
-٦-
التاريخ
وأما التاريخ فيدخل في الثقافة العربية من جهتين الأولى من حيث هو معارف وغير عامة دخلت في الثقافة العربية ، وشاعت في ادب العرب ومحاضراتهم ، ومواظهم وأمثالهم ، ويستوي في هذا تاريخ الأمة العربية وتارع غيرها ؛ فما كتبه مؤرخو العرب عن العرب والفرس واليونان والرومان وغيرهم ، وشاع في مؤلفاتهم ، وانتشر بين جمهور علمائهم وادبائهم ، بعد ثقافة عربية ، وهو ضرب من الأدب العربي ؛ فسيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري ، وابن الأثير ، وابن مسكوبه ، والذهبي ، والفخري ، وابن خلدون ، وإكليل الهداني ، وتاريخ بغداد ودمشق والقاهرة وغرناطة ، وتراجم ابن خلكان واليتيمة والذخيرة ، كل هؤلاء وأمثالها دخلت في الثقافة العربية ، وهي اليوم داخلة في الثقافة المصرية مؤثرة فيها
ويدخل التاريخ في الثقافة العربية من جهة ثانية خاصة ، هي تسجيل خطوات الآمة العربية ، وتخليد مفاخرها ومآثرها ، وتدوين عبرها ومثلاتها ، والإشادة بالعظماء من رجالها ونسائها ، وانه يصل بين سيرها على مر الزمان ويجريها في مجري واحد فيمد عمرها على الأجيال ،
ولا يقيه بأعمار الرجال ، وانه يعرفها نفسها ، ويذ كرها بماضيها ، ويدعوها إلي الاحتفاظ بمجدها ، والاعتزاز بمفاخرها ، ويهيب بها إلي الجهاد والدأب ، ويدعوها إلي العزة دعوة لا تنقطع ، ويناديها إلي المجد نداء لا يخفت . والتاريخ العربي لا يزال داعيا لنا ، موحيا إلينا ، عاملا فينا ، حافزا لهممنا ، مثيرا لنخوتنا ، محييبا لأمالنا .
نحن نقرأ وندرس تاريخ العرب قبل الإسلام بين الحضارة والبداوة ؛ تققرأ تاريخ دول الثمن او تاريخ المناذرة والغساسنة ، وتاريخ مكة والمدينة ، ونقرا تاريخ القبائل البادية وأيامها ومنافراتها ، وتقلبها في مسارحها من ارض الجزيرة وساحات الزمان ، فلا نشعر أننا نقرا تاريخ غيرنا ، بل نفخر مآثر العرب الجاهليين ، ونعتز بأبطالهم .
ونحن نقرأ سير خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، وأبي عبيدة بن الجراح ومعاوية على انهم عظماؤنا ؛ ونزهي بعبد الملك ابن مروان والوليد وهشام لأنهم من خلفائنا أو ملوكنا .
وكذلكم نفخر بالمنصور والرشيد والمأمون والمعتصم كما نفخر بالمعتز الفاطمي وعبد الرحمن الناصر الأموي المعتمدين عباد الأندلسي ، وسيف الدولة الحمداني ، وأمثال هؤلاء ، ولا يشعر المصري إلا أنه يقرا سير سلفه ، وكبراء أمته ، وأبطال تاريخه . وسيرة العرب الأولين هي مثلنا الأعلم في العدل والإحسان ، وفي الشجاعة والإخلاص وغيرها من مكارم الأخلاق . وكم لنا من قدوة بين العلماء والأدباء والصالحين نقرأ سيرهم ونحتذي أفعالهم .
فالتاريخ العربي محيط بالبيئة المصرية ، مستقر في نفوس المصريين ، مؤثر فيهم تأثير كل تاريخ مجد في نفوس الطامحين من أمته
-٧- وبعد فلعل سؤالا يتردد في النفوس ؛ ألم يكن لمصر نصيب في هذه الثقافة ؟ ولماذا لا بعد ما انشأ المصريون من علم وأدب وثقافة مصرية ؟
لا اجحد نصيب مصر في هذه الثقافة العربية ؛ فلمصر فقهاؤها وادباؤها وشعراؤها وكتابها ومؤرخوها .
وقد الف المصريون اجمع الكتب للثقافة العربية بعد غارات التتار على العالم الإسلامي ؛ وحسبنا لسان العرب لابن منظور المصري ، وصبح الأعشي للقلقشندي ، ونهاية الأدب للنوبري ؛ وحسبنا أمثال المقريزى والسيوطي .
لاريب أن لمصر نصيبا عظيما من هذه الثقافة ، ولكنى لا أعد ثقافة مصرية مستقلة ، فكل فرع من هذه الثقافة حين يمسك به الباحث يصله حتما بالأصل العام . فإذا أخذت لسان العرب مثلا وصلك بكل معاجم العرب ، وإذا أخذت صبح الأعشي وصلك بالموضوعات التي تناولها في كل البلاد العربية . تلك ثقافة مصرية ولكنها جزء من الثقافة العامة التي أسميناها الثقافة العربية .
ثم أختم الكلام بجواب هذا السؤال . ما أثر الحضارة الأوربية المحيطة بنا في ثقافة مصر الحديثة ؟ لا شك ان للحضارة الحديثة اثر في النواحي الاجتماعية والسياسية والفكرية من حضارتنا ، ولكن الثقافة الغالبة العامة الشاملة هي الثقافة العربية
