هذا عنوان الكتاب الأخير الذي أصدره في هذا الصيف الأستاذ الكبير العقاد، ومن حسن حظ العرب والأدب أن هذا الكتاب جاء في وقته. ووقته الذي أعنيه هو هذه المعركة الحاسمة في نضال عنيف بين العرب وأوربا استمر منذ أحرق
طارق سفنه في الشاطئ الغربي من المضيق إلى اليوم. وكان هذا النضال الطويل افظع صدام شهده التاريخ بين الحق والباطل والعلم والجهل والمدنية والبربرية، تسلح فيها سماسرة الدين وعلوج الملك بالضغينة والإفك والتمويه والتشويه، فوقفوا بالعصبية أمام العرب في الاندلس، وبالصليبية أمام الإسلام في فلسطين، وبالآرية أمام السامية في عهد هتلر، ثم بالغرب كله أمام الشرق كله في عصر تشرشل. ولقد ظل النصر لنا حليفا في مراحل هذا الصدام، حتى انطمست في نفوسنا معاني الآلام والعروبة، ففقدنا كل سلاح غير سلاح الحق. والحق وا أسفاه أعزل، فلابد له من سيف كسيف خالد، وابكم فلابد له من قلم كقلم العقاد
فالكتاب الذي يقراه الناس لكاتب العبقريات اليوم، إنما هو صولة من صولات الحق تفيد مصر وفلسطين وسائر بلاد الجامعة العربية في تعليم من يجهل وإقناع من ينكر أن العرب الذين مدنوا الشرق وهدوه، وعلموا الغرب وأمدوه، لا يزالون بفضل عقيدتهم وعقليتهم وجنسيتهم مشعلا من مشاعل الحضارة، وركنا من أركان السلام، وانهم أعطوا العلم اكثر مما اخذوا منه، واثروا بالغرب اكثر مما تأثروا به، وان من الكرامة الإنسانية أن لا يعاملوا بالقهر، وألا يؤاخذوا بالاستبداد، وألا يبنى الاتفاق معهم على الكره.
(موضوع هذا الكتاب الوجيز ينقسم إلى قسمين: أولهما اثر العرب في الحضارة الأوربية من اقدم أزمانها؛ والثاني اثر أوربا الحديثة في النهضة العربية العصرية) فعالج الأستاذ المؤلف اثر العرب في الأوربيين من جهة العقائد السماوية، وآداب الحياة والسلوك، والتدوين، وصناعات السلم والحرب، والطب والعلوم والجغرافيا والفلك والرياضة والأدب والفن والفلسفة والدين، وأحوال الحضارة والدولة والنظام؛ ثم أجمل أثر أوربا الحديثة في النهضة العربية، فأشار إلى ذلك في الاجتماع والسياسة، والحكومة البرلمانية، والوطنية، والحركات الدينية، والأخلاق والعادات، والأدب والفن، والصحافة، وكل هذه المسائل معروضة بالعرض الذي يعرفه الناس للعقاد من قوة المنطق وصفاء الأسلوب وسعة
الاطلاع. وهو بعد ذلك مطبوع في دار المعارف طبعا أنيقا على ورق صقيل في غلاف جميل. (***)

